الآن ها نحن بين يدي الخط الثالث من الخطوط الخمسة، التي تؤلف فيما بينها ما اسميته، على سبيل مداعبة القاريء، بخارطة كنز معرفي، غير ان هذا الخط المتعلق بالمدينة والدين او ان شئت الدقة فقل المتعلق بالمدينة والعمارة الدينية هو أبعد ما يكون عن روح الدعابة والطرافة، وربما كان الخط الاقرب الى الجهامة والتعقيد من بين الخطوط الخمسة التي اشرت اليها جميعها. لعلى لا ابالغ اذا اعترفت للقاريء بأن هذا الموضوع قد أرقني، وأقض مضجعي، على امتداد سنوات طويلة، ولم يحدث قط ان مضيت في بلاد الناس الا وجدت نفسي اسلم قيادي لهاجس يدعوني الى تأمل المدن والبلدات بل والقرى والدساكر من هذا المنظور حتى وان كبدني ذلك اعظم المشقة وسبب لي ولمن يهمهم امري اعظم العناء. فيما اكتب هذه السطور تحضرني ما بين الدمع والابتسام ذكريات تمتد عبر ثلاثة عقود من الزمن ويعود بي خاطري الى يوم اوشكت فيه ان تدق عنقي خلال تسلقي جبلا شاهقا لمشاهدة مسجد اثري في شمالي بنجلايش، ويحلق بي الى يوم افلت بأعجوبة من الايداع في السجن خلال محاولة انجاز ريبورتاج عن مسجد صوفيا الجامع الكبير، في وقت كانت السلطات البلغارية الشيوعية تغلق هذا المسجد في وجه الجميع، بحجة انجاز ترميمات لم يكن لها وجود، وتعود بي الذكريات الى اصيل ناري من شهر اغسطس انفقت فيه ثروة صغيرة في غمار تحقيقي لتطلع اصررت على تحقيقه الى ان ارى المساجد الصغيرة التي انجزها عبدالواحد الوكيل في جده ولم يكن امامي من مجال للتجوال بينها في ذلك اليوم الصيفي الرهيب والممتع معا الا الاستعانة بسيارة مستأجرة ولأفيق من تأملات الخطوط المعمارية الرائعة التي انجزها الوكيل على واقع المبلغ الفلكي الذي تعين علي دفعه لسائق السيارة، الذي اخشى انه ظن بي مسا من جنون وانا انتقل بين ارجاء متباعدة في المدينة لا لشيء الا لأتأمل خطوط هذه المساجد الصغيرة البديعة، ولاصورها لانتقل الى غيرها مستعينا بالسيارة نفسها وعلى جناحي الذكرى احلق الى اليوم الذي تركت فيه رفاق رحلة للهوهم وانسللت من بينهم الى قلب العاصمة التايلاندية بانكوك لمشاهدة المسجد الوحيد الذي يقع هناك وهو مسجد «تونج بو» ويعد واحدا من ثلاثمئة مسجد في هذه المدينة التي تضم الوف المعابد البوذية غير انه ينفرد بأنه شيد في عام 1879 ويجمع بين البساطة والتوظيف البديع للنوافذ لتحقيق تداخل النور والعتمة بما يحقق الجمال والجلال. ما علينا، او لا علينا، كما تقول العرب. العمارة المحجوبة يرجع هذا الاهتمام الكبير بالعلاقة بين المدينة والعمارة الدينية والتقاليد الاسلامية في هذا الشأن الى انه على الرغم من عظم الاسهام الذي قدمه المسلمون في هذا الشأن والذي يبدو جليا وظاهرا للعيان على امتداد حزام هائل يصل ما بين الاندلس الى مشارف الصين وما بين الفولجا الى ما يعرف حاليا باسم موزمبيق فاننا سنجد ان فريقا من المستشرقين يعمد الى التشكيك في وجود مفهوم اسلامي لتخطيط المدن اصلا. دعنا نأخذ مثالا محددا في هذا الشأن وهو مثال المستشرق اوليج جرابار، ولعل القاريء يبادر الى تذكر هذا الاسم، فسوف نلتقي بصاحبه في اكثر من موضع للخلاف والنقاش حيث يذهب جرابار في دراسته المعروفة «المدن والمواطنون» الصادرة عن دار تيمز اندهدسون في عام 1976 الى القول: «ان المدينة الاسلامية ليست غير سلسلة من الصراعات بين اقطاب متنافرة غير قابلة للامتزاج في اغلب الاحيان خاضعة لمتغيرات الزمان والمكان أكثر منها كيانا اجتماعيا وعضويا خاضعا لسنة التطور الاجتماعي... وانه اذا كان قد طرأ على مجريات التحضر في المدن الاسلامية بعض التطور في الفينة بعد الفينة فإن مرد ذلك الى نزوات الحكام او نزاعات السلطة القائمة». ولا يتردد جرابار ومستشرقون غيره في مراكمة انتقادات شتى الى تخطيط المدينة الاسلامية وتسيير امورها، فمنهم القائل ان تخطيط هذه المدينة كان يتم كيفما اتفق وبطريقة عفوية، ومنهم من يذهب الى ان المدينة الاسلامية لم تعرف نظاما يقوم على امورها كنظام المجالس البلدية بمفهومها العصري. هذه الانتقادات تصل الى ذروة خطيرة حقا مع ارنست جروبه في كتابه «العمارة الاسلامية» فهو لا يتردد في المضي الى الزعم بأن «العمارة الاسلامية لا تعنى بالمظهر الخارجي للمبنى العناية كلها، كما تحيط به مبان ثانوية تحجب معالمه كالأسواق الملتفة بالمساجد من شتى اركانها حتى تكاد تطغى عليها» وهو يقطع الشوط كاملا بقوله: «ان المبنى الاسلامي يفتقر الى ما يوضح شكله او حجمه او وظيفته، وحتى لو كان للمبنى واجهة او مدخل واضحان فإنهما لا يفصحان عن الكثير مما يحجبان وراءهما، فقل ان نجد الواجهة تدل على ما ينطوي عليه المبنى، ومن هنا يستعصي على الرائي ان يدرك من خلال السطح الخارجي للمبنى الاسلامي ما يحويه من ملامح رئيسة». ويخلص جروبه من هذه الادعاءات الى الزعم بأن العمارة الاسلامية هي عمارة محجوبة على حد تعبيره، او عمارة لا وجود لها، حين يتطلع اليها المرء من الخارج ولا يبرز له وجودها، الا عندما يدلف اليها ويتأملها من الداخل وهكذا فان هذا المؤرخ يخلص الى انه «على الرغم من استثناءات من هذه القاعدة، فإن العمارة المحجوبة هي الشكل المسيطر على العمارة الاسلامية، والجامع الاموي بدمشق هو نموذج حي لهذه القاعدة، على حين تشكل قبة الصخرة نموذجا واضحا على هذا الاستثناء». وإرنست جروبه في كتابه الأخير هذا، يمضي الى حد المغالاة، حين يناقش احدى حسنات العمارة الاسلامية، وهي استجابة معظم اشكالها للاهداف المختلفة المتعددة فيقلبها الى عيب يتخذه اداة لانتقاد صرح من روائع العمارة الاسلامية هو مسجد السلطان حسن فنراه يقول عن تصميم الايوانات الاربعة الذي يتم توظيفه في هذا المسجد الفريد: «تتجلى سطوة هذا التصميم المأخوذ به في ذلك الاصرار الملح على فرض نظام الايوانات الاربعة على مسجد السلطان حسن ومدرسته واقحامه على موقع غير منتظم وغير مهيأ له ولا ملائم. وبدلا من ان يقوم المهندسون بتصميم مبنى يواكب الفراغ المتاح، تمسكوا بالتصميم المأخوذ به فحشروه حشرا بطريقة فجة». هكذا نرد عبر سنوات طويلة من الاطلاع على هذه الانتقادات والوصول الى الردود المنطقية عليها خلصت الى ان هذا كله بل وغيره كثير، مردود عليه بالمنطق والبيان والحجة وشهود العيان من روائع العمارة الاسلامية وخير ما نفعله هو ألا نستدرج الى جزئيات الرد حجة فأخرى وانما ان ندع المنطق الكلي الذي يحكم مناقشتنا هو الذي يرد وهكذا نمضي الى الانشغال بجدول اعمالنا نحن لا الى الغرق في تفاصيل جدول اعمال اناس لم يعرف عنهم يوما حبهم للحضارة الاسلامية ولا للمسلمين. ابتداء، اتصور ان من المهم ان نميز بين المدن التي تشكل الاستثناء والمدن التي هي بمثابة القاعدة، واقصد بمدن الاستثناء تلك التي تضم المساجد التي لا يشد الرحال الا اليها، وهي مكة والمدينة والقدس. فدعنا نشر، بملاحظات سريعة، الى مدن الاستثناء قبل ان ننتقل الى المدن ـ القاعدة. يلفت نظرنا في هذا الصدد كتاب نعده من اهم الكتب التي صدرت في موضوعه، في السنوات الماضية، وهو كتاب «مدن تاريخية ومواقع مقدسة» الصادر باشراف اسماعيل سراج الدين وافرايم شلوجر، حيث نتوقف عند دراسة سيد حسين نصر، استاذ الدراسات الاسلامية في جامعة جورج واشنطن، التي يتناول فيها الفلسفات القديمة لتكوين المدن، من ناحية اشكالها الفيزيقية واهميتها الروحية، وهو يشير الى انه طبقا لتقاليد دينية معينة، اساسية، فإن المدينة شبهت بالجسم، وتم تطوير نموذجها تبعا لذلك، ومن هنا فإن المدينة كانت عبارة عن حشد للفيزيقي والنفسي والمعنوي والثقافي والروحي. اذا اخذنا مكة في هذا الصدد فإننا سنجد انفسنا امام الاستثناء الاول بامتياز، فهي المدينة الروحية الاولى حقا وصدقا لدى المسلمين، ففي قلبها توجد الكعبة المشرفة التي تتصل بالقلب الانساني، وعلى الرغم من ان جانبا كبيرا من مكة تم هدمه لانشاء مشروعات حضرية متجددة ومتعاقبة فإن قلب المدينة بقي ـ جوهرياً ـ على حاله، مؤسساً علاقة مباشرة ـ كقلب روحي للعالم الاسلامي ـ مع القلب الانساني. ويلفت سيد حسين نصر نظرنا الى انه في الغرب تقدم الفلاسفة المسيحيون الاوائل بمفهوم للمدينة يتبدى لنا في اطاره انعكاسا للمملكة المقدسة او ان شئت فقل لمدينة الرب، والمدهش اننا نجد افكاراً مشابهة لذلك في تقاليد الشرق الاقصى، وفي النصف الاول من القرن الثامن عشر كتب امانويل سويدنبرج عن النموذج الاصلي للمدن التي تجاوزت واقعها المادي، وشبهها بالشجرة التي تحمل السمات المعمارية الكامنة في بذورها. مع ذلك فإنه منذ القرن السابع عشر كانت الرؤية المسيطرة في الغرب تذهب الى ان المساحة هي واقع كمي خالص، وهذه الرؤية لاتترك إلا مجالا محدودا للاعتبارات الكيفية والرمزية للمساحة، ويرى سويدنبرج ان الحدث التاريخي المقدس هو حياة استثنائية بمغزى روحي، او انه حدث اسطوري، مما يمكن استثماره في الفن والعمارة. ويشدد سيد حسين نصر على ان المدن الكبرى التي بقيت كمراكز روحية، مثل مكة والقدس، مؤسسة على نموذج اصلي يقرر حالتها ودافعها الحضري المبدئي، ناهيك عن عوامل التحول والهرم والزمن. بأمانة شديدة، فلست ادري على وجه الدقة ما هو النموذج الاصلي في حالة المدينة المنورة، وايا ماكان هذا النموذج فإنني قد حرت في رصد ملامحه عندما اكرمني ربي وشددت الرحال الى مدينة خير البشر، وقد فصلت القول في غير هذا المقام في انه بخلاف الحرم المدني الذي شهد توسعات شتى، فإن باقي المدينة المنورة بقي وكأنما شهد نوعا من التجمد الحضري، احسب ان كل من جمع بين رؤية البصر، والبصيرة قد رصده وتساءل عن مبرراته. في حالة القدس، سوف نرى امامنا النموذج الاقوى لما اسميته بقدرة العمارة الاسلامية على الصمود، فعلى الرغم من ان الاسرائيليين قد حرصوا على هدم اعداد كبيرة من مباني باب المغاربة في غمار كارثة 1967 وفي اعقابها مباشرة وعلى الرغم من حشود المستوطنين والفرض الوحشي للمستوطنات، إلا ان النظرة الدقيقة للمدينة تطلعك على الحقيقة البسيطة: ان العمارة الاسلامية بقوتها وصمودها تساهم في دفع الحياة كالنسغ في صميم التقاليد الكفاحية للمدينة. هذه المدن الآن، اذا انتقلنا الى ما سبق لي ان اسميته بالمدن ـ القاعدة، لوجدنا انفسنا امام احدى النقاط التي طالما شعرت بالقلق حيالها، والتي جعلت من الصعب ـ بصفة خاصة ـ خوض ما يتفرع على هذه النقطة من تفاصيل في هذا الكتاب الماثل بين يدي القاريء. دعنا نعرض الامر ببساطة وابتعاد قدر الامكان عن التعقيد، من دون الاخلال بالمقومات الاساسية لما نتناوله هنا. الواقع ان هناك عرفا او تقليدا فكريا درج عليه الكتاب العرب يقوم على التمييز بين نوعين من المدن برزا مع انطلاق جيوش المسلمين لحمل رسالة الاسلام الى خارج شبه الجزيرة العربية، هما المدن المعسكرات والمدن الملكية. هذا العرف او التقليد الفكري يستند الى حقيقة تاريخية، وهي ان القيادات الاسلامية ما كانت لتسمح لجند الفتح بالاختلاط بأبناء الامصار المفتوحة والاستقرار بين ظهرانيهم في مدنهم وتجمعاتهم السكنية، ذلك انهم في رباط، ويتعين عليهم مواصلة اداء رسالتهم، وهو الواجب الذي سيحملهم عبر السنين من شاطيء الاطلسي الى شاطيء الهادي. كان الحل هو انشاء المدن ـ المعسكرات، وفي مقدمتها البصرة، الكوفة، والقيروان، وهذه المدن مالبثت بمرور الزمن ان اصبحت حواضر، طار صيتها، فملأ الدنيا، وشغل الناس. يلفت د. يوسف شكري سرحان في كتابه «المساجد التاريخية الكبرى» نظرنا الى نمط محدد للاعمار، سنجده هو ذاته في كل هذه المدن، على وجه التقريب، فأول ما يقام في هذه المدن ـ المعسكرات هو ـ بالطبع ـ المسجد الجامع، وغير بعيد عنه يشاد صرح دار الامارة، وهما يقعان عادة في قلب المدينة. هكذا فانه لدى تشييد البصرة جعل عتبة بن غزوان المسجد الجامع المحور والاساس في تخطيط هذه المدينة، وقد اكتمل بناء المسجد الجامع في عام 14 هجرية وشيدت دار الامارة قربه، ومن حولهما اقيمت الدور للجند وعائلاتهم. هذا النمط هو نفسه الذي اتبعه سعد بن ابي وقاص، عندما بنى الكوفة في عام 17 هجرية، فقد وضع حدود المسجد اولا، وغير بعيد عنه اقام دار الامارة. بعد سنوات قلائل سيتكرر النمط نفسه، ولكن في الفسطاط هذه المرة، فعقب فتح الاسكندرية اختار عمرو بن العاص موقع الفسطاط في عام 21 هجرية، وجعل مسجدها الجامع، الذي حمل اسمه، وسطا لها ومن حوله تفرعت الطرقات. النموذج نفسه سيبرز في حالة القيروان حيث نجد ان عقبة بن نافع حرص، قبل كل شيء، على الاهتمام بالمسجد الجامع ودار الامارة، وبذل قصارى جهده في الوصول الى التحديد الدقيق لاتجاه القبلة نحو مكة المكرمة لان اهل المغرب كافة سيجعلون قبلتهم تتخذ اتجاه مسجد القيروان ولا تزال القبلة الاولى لهذا المسجد قائمة حتى اليوم. لا تقل المدن الملكية التي شيدها المسلمون تعددا عن المدن المعسكرات. ومن البديهي ان اقدم هذه المدن لم يقدر لها ان ترى النور، الا بعد ان ركن المسلمون الى شيء من الترف في نمط حياتهم، فاهتم ملوكهم بزخرف الملك ومظاهره وتجلياته. يلاحظ في نشأة هذه النوعية من المدن الاسلامية ان الاقامة فيها كانت، في معظم الاحيان قاصرة على الحاكم واهل بيته ووزرائه ومستشاريه ووجوه دولته وجنده. لعل ابرز المدن التي تنتمي الى هذه النوعية واكثرها اهمية واغربها مصيراً، على الاطلاق، هي سامراء، التي اسسها الخليفة المعتصم على امتداد خمسة وثلاثين كيلومتراً على طول ضفة نهر دجلة في عام 836 ميلادية لتكون مقراً له ولوجوه دولته. ويلاحظ ان الصور الفوتوغرافية التي التقطت من الجو لآثارها وبقاياها توضح انها كان يشقها طريق رئيسي، اطلق عليه اسم «الشارع الاعظم». وكانت تلك هي المرة الاولى التي يستخدم فيها لفظ «الشارع» بهذا المعنى المتداول اليوم على السنة الناس، وتتفرع من هذا الشارع الاعظم شوارع فرعية على زوايا عمودية عليه. كما كانت تشمخ فيها عدة قصور فخمة، ابرزها الجوسق الخاقاني، تحيط بها ميادين ومتنزهات وساحات وقاعات انيقة ذات زخارف بديعة. في المغرب العربي يبرز اكثر من مثال على هذه النوعية من المدن، فقد عمد امير المرابطين يوسف بن تاشفين، بعد ترسيخ دعائم ملكه، الى بناء مدينة مراكش في مرج فسيح حوله جبال شامخة. وتنتمي الرباط ايضاً الى هذه النوعية من المدن. غير ان هذا العرف الذي يقوم على التمييز بين هذين النوعين من المدن يثير تساؤلات مؤرقة حقاً، ذلك ان هناك افتراضاً ضمنياً يكمن في صميم هذا العرف، وهو اننا امام معسكر أو تجمع للجند، تطور بالاستقرار ومرور الزمن فغدا مدينة، وان النظام العقلاني الذي يشكل الاطار الكلي للمدن المعسكرات هو اساس هذه المدن. فهل هذا صحيح حقاً؟ هل علينا ان نقبله على علاته ونسلم به من دون مناقشة؟ ام ان للأمر وجوهاً خفيت علينا؟ في اعتقاد كاتب هذه السطور ان الامر ليس كذلك، بالضبط، بل قد نذهب الى القول بأن هذا العرف مضلل الى ابعد الحدود، فهذه المدن ليست معسكرات تطورت فغدت مدناً، بل ان المعسكرات هي التي شيدت على غرار مدينة عربية عريقة الجذور، سوف يتم تبني مثالها وادخالها في صميم التجليات المادية للحضارة الاسلامية. المدينة التي نتحدث عنها هي المدينة العربية القديمة، على غرار مدينة قرية، عاصمة كندة، التي كشفت عنها الحفريات، لكن المسجد سيحل محل المعبد، ودار الامارة ستحل محل دار الملك. هذا النمط من التفكير تترتب عليه نتائج بالغة الخطورة، فقوامه وجوهره القول بأن المدن لا تقوم بفعل قوى مطلقة، كالاستراتيجية في حالة المدن المعسكرات، والقوى السياسية والاقتصادية في حالة المدن الملكية، وانما هناك مفاهيم ومشاعر ورغبات اخرى تحكم بناة المدن وصانعيها. ان المدن تبرز لنا، في اطار هذه الرؤية، لا باعتبارها وليدة قوى شبه طبيعية، كالاعتبارات الاقتصادية، وانما باعتبارها اعمالاً ابداعية تعكس ارادات البشر، بحسبانها صروحاً انسانية تلعب فيها عناصر واعية وغير واعية دورها، وتلوح للعيان فيها تداخلات الوعي واللاوعي التي قد نجدها في الاحلام. التخطيط الواعي هكذا يبدو لنا بوضوح الى اي حد تحمل طروحات بعض المستشرقين، من امثال جرابار وجروبه، عن افتقار المدينة الاسلامية للتخطيط، عناصر الافتراء والافتئات على عبقرية العمارة الاسلامية. معروف للكافة ان تخطيط المدينة الاسلامية لم يكن يتم دفعة واحدة لجميع انحاء المدينة بإعداد مسقط عام لها، لكنه ايضاً لم يكن يتم بصورة عفوية وعشوائية كما زعم بعض المستشرقين. درج المعماريون المسلمون على التخطيط للمدن وفق مستويين محددين: المستوى الأول: هو مستوى التخطيط الواعي، وهو ما سبق لنا أن ألمحنا إلى جوانب منه، ويشمل هذا المستوى اجمالي ما كان يطبق عند البدء في انشاء المدينة، وينصب على تخطيط الاطار العام للمدينة، بأوسع المعاني، وهو ما يشمل سور المدينة وبواباتها المتصلة بطرق القوافل وبالقصبة التي تخترق المدينة من أحد طرفيها الى الطرف الآخر، مرورا بقلب المدينة الذي يضم تقليديا المسجد الجامع ودار الامارة أو قصر الخليفة أو الملك أو الحاكم تحيط به قصور وجوه أهل الدولة وبيوتهم ودور علية القوم. المستوى الثاني: يشمل هذا المستوى الطرق الفرعية والدور والمساكن المتكاثرة على مر الزمن. وهذا المستوى يتم البناء عبره بطريقة تلقائية، أي من دون اعتماد تصميمات مسبقة، الا انه يحكمه عاملان يكفلان عدم انطلاقه متحررا من كل عقال، فهناك العرف الحتمي المستمد من صميم التقاليد المعمارية الاسلامية، والتخطيط والعمارة معا في ابعاد الفراغ الثلاثة، بحسب ظروف ما قد يستحدث من المباني. هنا لابد من التوقف عند عدد من العناصر التي يتعين تأملها عن كثب، فنظرة واحدة على منجزات العمارة الاسلامية كفيلة باطلاعنا على ان العرف كان يتبع في بعض قواعد التخطيط التي لا مجال لتجاهلها أو مجافاتها أو التخلي عنها، فمن البديهي انه كان لابد من مراعاة العوامل الجوية، ولا بد من الالتزام بمقتضيات الامن، كما انه من المحتم اعتماد الناحية التعبيرية الجمالية. هذا العرف كان لابد له من ان يفرض حضوره على المستويين الواعي والتلقائي، اللذين أشرنا اليهما حالا، فكل من مضى في انحاء دار الاسلام جامعا بين البصر والبصيرة لابد له من ان يلاحظ ان الشوارع والحارات في المدن الاسلامية كانت تخطط متعرجة ضيقة عن عمد، استجابة لمنطق متماسك، ولضرورات هي أقرب الى الفطرة السليمة والى طبائع الامور. هذا التعرج والضيق في تخطيط الشوارع والحارات في المدينة الاسلامية يرجعان الى عناصر عدة، فالمساكن والدور والقصور والمباني العامة جميعها تضم صحونا وأفنية وحدائق تنفتح على السماء والهواء وسبل الانارة من الداخل وبالتالي تنتفي الحاجة الى الشارع الفسيح الممتد، ومن هنا اقتصر اتساعه على ما يسمح بالحركة المرنة وبالمرور بلا عوائق. التعرج والضيق، من ناحية أخرى، يوفران مساحات ظليلة ويتيحان اختزان الهواء الرطب ليلا واشاعته أثناء ساعات القيظ بما يتيح التلطيف من حرارة الجو، على العكس من الشارع المستقيم الواسع. من شأن التعرج في شوارع المدينة الاسلامية ان يجعلها مقسمة الى أجزاء مقفولة المنظر، مما يوحي لمن يتجول فيها بقصر المسيرة التي لا يزال يتعين عليه ان يقطعها. كما أضيفت الناحية التعبيرية الى تخطيط المدينة الاسلامية، حيث ان من يجول في أرجائها يواجه بأبنيتها التي تتدرج وفق أهميتها حتى يلتقي بأعظمها شأنا في النقطة البؤرية التي تمثل قلب المدينة. أتاح هذا التعرج المجال واسعا لابراز عبقرية المعماري المسلم ومواهبه لمعالجة مشكلة تربيع الحجرات، وهي المشكلة التي عمد الى حلها باستخدام الكوابيل والمقرنصات وغيرها من الوسائل الفنية. إذا انتقلنا الى مزاعم جروبه حول العمارة الاسلامية، التي يصل في اقصاها الى الادعاء بأن العمارة الاسلامية هي «عمارة محجوبة» لا تكاد تبين مما حولها، لتداخلها مع محيطها، ولانكفائها على داخلها، لقلنا ان لدينا الكثير مما يمكننا طرحه لتفنيد هذه المزاعم. لابد لنا، بداهة، من ايضاح ان هناك اختلافا جذريا بين التخطيط في المدينة الاسلامية والمدينة الاوروبية، حيث الشوارع هي العنصر البارز في التخطيط الاوروبي، بل وداخل المبنى الواحد نجد ان المسقط الاوروبي المتماثل الذي يحدد اتجاهات الدرج والدهاليز والممرات ـ وليس الغرف ـ بوصفها المقررات المؤثرة في التصميم. اما المعماري المسلم فيأبى هذا ويرفضه، لان مناط اهتمامه المقر لا الممر، فالشارع وسيلة عبور الى الدار، التي فيها الاستقرار والمعيشة، ومن هنا فان العمارة الاسلامية تعتني أشد الاعتناء بالداخل، من دون أن تنكفئ على هذا الداخل، كما يزعم جروبه وغيره ممن ذهبوا مذهبه، فالواجهات في العمارة الاسلامية على الرغم من استجابتها لظروف المناخ والبيئة ولاعتبارات الامن، الا انها تتخللها النوافذ الصغيرة والفتحات المكتسية بالمشربيات البديعة، ثم ان المعماري المسلم يضع كل حجرة في البيت في المكان الذي ينبغي أن تحتله، تماما كما يضع كل مبنى في المدينة في المكان الذي يتعين ان يشغله.