«دورة حياة الانسان في القرآن الكريم».. هي موضوع البحث العلمي الذي أعده د. كريم حسنين أستاذ أمراض النساء والتوليد بكلية الطب جامعة عين شمس محاولا فيه تفسير الآية الخامسة من سورة الحج. «يا أيها الناس ان كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء الى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد الى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا». وقد بدأ البحث كمحاولة لفهم معنى مدلول قوله تعالى «مضغة مخلقة وغير مخلقة» في ضوء الحقائق العلمية الحديثة الثابتة عن خلق الانسان. مع الوضع في الاعتبار اختلاف آراء المفسرين والأطباء في تفسير الآية الكريمة. فقد بدأت الآية الكريمة بقوله تعالى «يا أيها الناس» فهذا خطاب موجه للناس جميعا.. لمن خلقهم ولمن سيخلقهم الله الى قيام الساعة. وتبع ذلك قوله سبحانه «ان كنتم في ريب من البعث».. فهذا محور الآية وهو دفع أي شك في نفس الانسان في قدرة الله على بعثنا بعد الموت للحساب. فبعض الناس قد يكون لديهم ريب لأنهم لم يروا بدء الخلق من تراب. فاحتج الله تعالى على هؤلاء بقوله «فانا خلقناكم.. والآية كلها أتت في هذا السياق لتوضيح قدرة وعظمة الله سبحانه وتعالى لاقامة الحجة على الانسان. أسس موضوعية لاجتهاد جديد ووضع الباحث أسسا قال عنها أنها موضوعية في تفسير قوله تعالى «مضغة مخلقة وغير مخلقة».. وهي ان الله تعالى قال «فانا خلقناكم» وأشار الى الناس. فيجب ان تحمل مخلقة وغير مخلقة على من يصير انسانا فلا يجوز الذهاب الى ان هي السقط لان الخطاب لن يوجه لها من قبله سبحانه وتعالى. كما ان تكرار «من» في الآية لتوضيح وتفصيل الأحوال ومباديها وكل حال ينتقل منه الى غيره.. فجعلت كل واحدة من هذه المراتب مبدأ لخلقهم لا لخلق ما بعدها من المراتب فقال تعالى. «ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة».. ومن هذه الأسس الموضوعية ان النطفة يعبر بها عن المني مطلقا أي ماء الرجل والمرأة.. كما ان قوله تعالى «مخلقة وغير مخلقة» صفتان للمضغة دون غيرها من مراحل الخلق.. كما أنهما صفتان لذات المضغة أي لمضغة واحدة، والقول بوجود مضغة مخلقة وأخرى غير مخلقة هو من التأويل. والترتيب في الآية أتي بـ «مخلقة» ثم «غير مخلقة» وهو مقتضى الترتيب الواجب اتباعه.. ومن هذه الأسس ان «مخلقة وغير مخلقة» ورد بالتفاسير نقلا عن الصحابة والتابعين ان «مخلقة» قد بدأ خلقها وتامة مستبينة الخلق ومصورة وانسانا و «غير مخلقة» غير تامة وغير مصورة لم يستبن خلقها وصورتها بعد، أي لم تصور بعد. وقوله تعالى «لنبين لكم» السياق يقف في محطة بعد المضغة واللام في لنبين للتعليل لما تقدم. مذاهب المفسرين في شرح الآية اختلف المفسرون والباحثون الاسلاميون في محاولة لفهم قوله تعالى «مخلقة وغير مخلقة». ولكنهم اتفقوا في شيئين وهما عدم التعرض لمدلول حرف الجر من. وكذلك عدم موافقة الأساس الموضوعي الأخير. وقد قال المفسرون ان «مخلقة» يعني انسانا «وغير مخلقة» هي السقط انه مخالفا للأساس الموضوعي الأول وهو أنه لا يجوز الذهاب الى ان غير مخلقة هي السقط. كما ان هذا التفسير لجأ الى التأويل حيث ذهب الى وجود مضغتين وليس مضغة واحدة. وهذا المذهب التفسيري يشمل أيضا تقييدا لمدلول الصفة «غير مخلقة» وذلك بقصرها على بعض التغييرات الأولية في مراحل الخلق في الانسان ومن مبادئ التفسير أنه لا يجوز تقييد المعنى دون دليل. والمفسرون أصحاب هذا المذهب التفسيري يقولون ان «مخلقة» يخلق منها انسانا تاما بلا نقص «وغير مخلقة» ما ليس كذلك ويعترض الباحث على هذا التفسير قائلا ان مقتضى الترتيب لو كان ذلك هو المعنى المراد ـ هو ان يذكر الدليل الضعيف ثم الدليل القوى فتأتي الصفة «غير مخلقة» ثم «مخلقة». وهذا عكس ترتيب الصفتين في الآية.. كما ان هذا المذهب يذهب الى وجود مضغتين وليس مضغة واحدة فخالف بذلك الأساس الموضوعي الرابع. مذهب الأطباء في العصر الحديث هناك العديد من الآراء العلمية التي اقترحها باحثون وأطباء كمحاولة لفهم دلالة الوصف القرآني «مخلقة وغير مخلقة» وهي ان المخلقة هي كتلة الخلايا الداخلية للكيس الجرثومي أو الأرومي أي أرومة الجنين. وهي الخلايا التي يخلق منها الله تعالى الجنين. أما «غير مخلقة» فهي الخلايا الخارجية للكيس الأرومي أي الأرومة المغذية ، وهي خلايا لا يخلق منها الجنين وانما وظيفتها فقط العلوق بجدار الرحم وتغذية الجنين. ويعترض الباحث على هذا المذهب لأنه جعل الصفتين للكيس الأرومي «العلقة» فخالف الأساس الرابع. والمضغة ـ كما هو متفق عليه بين الباحثين الاسلاميين ـ مرحلة تالية للعلقة وتتميز بوجود الكتل البدنية وهي التي تعطي الجنين شكل المضغة. حيث يبدو وكان انسانا قد انغرزت فيه وتركت آثارها عليه. ويضيف الأطباء والباحثون ان المضغة المخلقة هي التي يخلق الله تعالى منها جنينا وغير المخلقة هي التي لا يخلق منها جنينا.. فبالرغم من وجود حويصلة الحمل والتي تتكون من الأنسجة خارج الجنين وهي لا تدخل بصورة مباشرة في تكوين الجنين.. فان المضغة تضمر وتنكمش مع تعذر رؤية الجنين بالفحص بالموجات الصوتية أثناء الحمل وكذلك الفحص المجهري لأنسجة الحمل عقب الاجهاض وتعرف عمليا بالعمل اللا جنيني. اجتهاد جديد وبعد هذا الاستعراض لأقوال المفسرين والأطباء للآية بدأ الباحث في طرح المدلول العلمي الذي توصل اليه للآية فقال ان ورد الصفتين للمضغة ـ أي مضغة واحدة بذاتها ـ يوضح ان بالمضغة جزأين أساسيين لكل منهما مصير مختلف و «مضغة مخلقة» هي ذلك الجزء الذي يتم خلقة وتصويره فيصبح تاما ومستبين الخلق أي: مصورا انسانا كما ذهبت التفاسير. والدليل على ان خلق المضغة يعني تصويرها هو قول الله تعالى: «ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين». فالتصوير هو منتهى الخلقة. فهذه الآية تشير الى عملية التمايز والتخلق التي تبدأ في تلك المضغة الصغيرة لينشأ خلق آخر وهو الجنين، ومخلقة تعود على الخلايا الجسدية المكونة للأنسجة والأعضاء والأجهزة جميعا. وتحتوي جميع الخلايا الجسدية على الترتيب الوراثي الفريد والمميز لهذا الانسان.. حيث توجد شفرة الموروثات الفريدة على حاملات الصفات الوراثية وهي الكروموسومات وعددها 46 وتوجد في نواة الخلية. وحيث ان هذه الخلايا تامة الخلق والتصوير فيستحيل ان يخلق منها أية خلايا تساهم في خلق انسان آخر.. ولو كان هذا شأن جميع أجزاء المضغة لاستحال التناسل. ولكن الله تعالى يبين قدرته وحكمته في خلقه.. فجعل جزءا من المضغة غير مخلقة أي لم يستبين خلقها وصورتها بعد وهذا الجزء هو خلايا التناسل التي توجد في غدتي التناسل في الانسان «في مبيض المرأة وخصية الرجل» وتنفرد هذه الخلايا بأنها الوحيدة دون غيرها في جسد الانسان التي تنقسم بالانقسام الميتوزي في مرحلة لاحقة من الحياة لانتاج جرثومة التناسل أو النطفة «البويضة في المرأة والحيوان المنوي في الرجل» بالبويضة ينشأ خلق جديد وهو في بداية خلقه ليس سوى خليقة واحدة «البويضة الملقحة» وتحتوي على العدد السوى من الصبغيات المميزة لجنس الانسان، وتقوم تلك الخلية بالانقسام لتصبح علقة ثم مضغة مخلقة انسانا به جزء غير مخلق وهو خلايا التناسل تتيح منه جرثومة التناسل أو النطفة. وهكذا دواليك. خلق الانسان ليس صدفة ثم تناول الباحث الجزء الثاني من الآية وهو «ونقر في الأرحام ما نشاء الى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد الى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا». اتضح في الجزء الأول من البحث ان الله تعالى قد أنشأ الانسان على وجه صالح لتوليد مثله مرة بعد أخرى.. وهو ما يسمح بتتابع الخلق بعد الخلق.. وهو ما يطلق عليه دورة الحياة للنوع.. وهذه الحقيقة تتضمن القدرة الذاتية للانسان «بعد خلقه في البدء من تراب» على التناسل. ولكن ضعيف الايمان قد يظن ان خلق انسان بعينه هو شيء من قبيل الصدفة فقد تستقر أي بيضة مخصبة وتتطور وتنمو لتنتج طفلا. ولذلك جاء هذا الجزء مباشرة عقب الجزء الأول من الآية لتوضيح كمال قدرة الله وان الخلق يبدأ من عند الله.. فأكدت الآية على «نقر في الأرحام ما نشاء» وأيضا على «ثم نخرجكم طفلا».. والفعلان منسوبان الى الله تعالى دون غيرهما من الأفعال ثم «تبلغوا» و «يتوفى» و «يرد» رغم ان الكل من عند الله.. وانما نسب الفعلان الأولان لله لتأكيد القدرة الالهية على الخلق وأنه بيده سبحانه فقط دون غيره. وحدة الخلق ووحدة الخالق ثم اختتم الباحث بحثه بالجزء الثالث من الآية وهو «وترى الأرض هامدة فاذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج».. فهو سبحانه وتعالى يستدل بخلقه النبات على صحة البعث. فهي حجة آفاقية.. مضافة الى الحجج التي أوردتها الآية في الأنفس. وتتحدث الآية عن القرابة بين أبناء الحياة جميعا.. فيسلكهم الله سبحانه في آية واحدة من آياته.. تدل على وحدة عنصر الحياة وعلى وحدة الارادة الدافعة لها في الأرض والنبات والانسان والحيوان. د. كريم حسنين