الله، الإله، الألوهية، الإلهية، الربّ، كلها ألفاظ شكلت - على امتداد تاريخ الفكر الإنساني - أحد أهم المفاهيم التي ثار حولها جدل عنيف. وبقدر ما يكون هذا الفكر صافياً بعيداً عن السطحية في التعاطي مع هذه المسألة، تكون صورة «الله» واضحة في كل فكر وكل عقل وكل قلب. من هنا، كان القرآن الكريم - باعتباره المصدر الأساس لمفهوم الألوهية في الإسلام - واضحاً في طرح هذه القضية بكل أبعادها اللغوية ( الحقيقة والمجاز) والنفسية (علاقة الإنسان بالله) والوجودية (مصير الإنسان)، وهي أبعاد فكرية لم تستطع الفلسفات المتعددة أن تجيب عليها بكل وضوح، ولا المذاهب والمعتقدات الأخرى استطاعت بدورها أن تنقذ الإنسان من حيرته. لذلك تجلّى مفهوم «الله» في القرآن الكريم من منطلق التنزيه الكامل والمطلق. هذا التنزيه يمكن استعراضه من نقطتين: الذات والصفات. وفي هذا الإطار جاءت الآيات القرآنية لتوجّه العقل والفكر وتضبط السلوك في التعامل مع مسألة الألوهية. يقول القرآن الكريم: (ليس كمثله شيء) الشورى/ 11. ويقول: (قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد) الإخلاص / 1-4. ويقول: (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى) الإسراء /110. ويقول: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ) الأعراف /180. وغيرها الكثير من الآيات. إن مفهوم «الله» في الإسلام يتمايز عن أي مفهوم آخر عرفه الإنسان في الفكر الديني، ذلك أن التنزيه الخالص يوجب على المسلم أن يؤمن بالله تعالى ذاتاً وصفات وأفعالا، بعيداً عن التشبيه الذي يجسم الألوهية بأي معنى من معاني التجسيم، حتى ولو كان مجازياً، فهو عيب كبير ونقص وتشويه لحقيقة «الله» لا يجوز النظر إليه من هذه الصورة. كذلك يبعد التنزيه الخالص عن التأويل الذي يغير طبيعة الأشياء وذلك بصرف المعنى الوارد في اللفظ إلى معنى آخر لا يتفق والصورة الإلهية. وهذا - للأسف - ما يقوم به بعض الدارسين للفكر الإسلامي، فيخرجون على الملأ بكتابات أقل ما يقال عنها انها تنمّ عن جهل بالغ بحقيقة المسألة فضلاً عن أمور أخرى ليس هنا مجال لذكرها فلننظر إلى مفهوم التنزيه الخالص لصورة «الله» كما يطرحه القرآن الكريم من خلال الذات والصفات. 1- الله ذات: الله ذات واعية. فلا يجوز في العقل ولا في الدين أن تكون له حقيقة غير هذه الحقيقة، وأن يوصف بأنه معنى لا ذات له أو قوة لا وعي لها أمر في غاية البطلان، إذ بذلك يجرد الله من أبسط صور الكمال المطلق، فكلمة «الذات» باللغة العربية لا تستلزم التشخيص في الحقيقة ولا في المجاز، ولا تقتضي نزاهتها عن التشخيص انها معنى بغير كيان مشتمل على الوعي والصفات الواعية. فهى تدل على الجوهر الذي تضاف إليه الأوصاف، وتدل على الكائن الذي يملك صفاته، فهو «ذو» تلك الصفات، ولا تعارضه صفة الوعي والإرادة والاستقلال بالكيان. إن كلمة «الذات» بالعربية لا توحي إلى الذهن أبداً بمعنى له حدود، بل يستوجب الكمال المطلق أن يكون مالكاً لكل شيء، وأن يكون ذاتاً في لفظه ومعناه. والكمال المطلق يحتوي كل موجود، و «الذات» الإلهية تعبر عن هذا المعنى اصدق تعبير. فالعقل يستلزم أن يكون الكمال المطلق «ذاتاً» وتتطلب كائناً كاملاً يوصف بالكمال وينكر أن يجعله معنى خالياً من الوعي، لأن نقص الوعي نقص من الكمال ونقص من صفات الكامل الذي لا يعاب. فمن فكر في الله فكر في ذات. ومن آمن بالله آمن بذات. ومن قال إن الكمال المطلق شيء وإن الله شيء آخر لم يكن هناك معنى لتخصيصه قوة من قوى الكون باسم الله، من غير فارق بينها وبين تلك القوى، يجعلها ذاتاً لها كيان. والقول بالذات الإلهية يبطل القول «بوحدة الوجود» كما يبطل القول بأن الله معنى لا ذات له أو قوة غير واعية. فالفكرة الإلهية في الإسلام «فكرة تامة» لا يتغلب فيها جانب على جانب، ولا تسمح بعارض من عوارض الشرك والمشابهة، ولا تجعل لله مثيلاً في الحس ولا في الضمير، بل له (المثل الأعلى)، و(ليس كمثله شيء). فالله وحده (لا شريك له)... (ولم يكن له شركاء في الملك)... (فتعالى الله عما يشركون )... (سبحانه عما يشركون ) لذلك يرفض الإسلام كل شكل من أشكال الصنمية على كل وضع من أوضاع التمثيل والرمز والتقريب، كما يرفض أى معنى مجازي للأبوة والبنوة وغيرها من المعاني التي تختص بحقيقة المخلوقات. 2- صفات الله: لله المثل الأعلى من صفات الكمال كلها، وله الأسماء الحسنى، فلا تغلب فيه صفات القوة والقدرة على صفات المحبة والرحمة، ولا تغلب فيه صفات الرحمة والمحبة على صفات القوة والقدرة. فهو القادر والعزيز وهو الرحمن الغفور، وسعت رحمته كل شيء. هو الخلاق دون غيره (هل من خالق غير الله). فليس «الله» في الإسلام مصدر النظام وكفى، ولا مصدر الحركة الأولى وكفى، ولكن (الله خالق كل شيء)... (خلق كل شيء فقدره)... إنه يبدأ الخلق ثم يعيده)... (وهو بكل خلق عليم). ومن صفات الله في الإسلام ما يعتبر رداً على «فكرة الله» في الفلسفة الأرسطية وغيرها، كما يعتبر رداً على أصحاب التأويل في المذاهب والمعتقدات الأخرى. فالله في الإسلام (عالم الغيب والشهادة)... و(لا يعزب عنه مثقال ذرة).. (وما كنا عن الخلق غافلين ).. و(فعال لما يريد). إن فكرة «الله» في الإسلام هي المثل الأعلى في صفات الذات الإلهية، لأنها غاية ما يتصوره العقل البشري من الكمال في أشرف الصفات. فالله هو «المثل الأعلى»، وهو الواحد الصمد الذي لا يحيط به الزمان ولا المكان، وهو محيط بالزمان والمكان. و (هو الأول والآخر والظاهر والباطن)، وهو الحي الذي لا يموت...و(هو الذي يحيي ويميت ). ولشدة التنزيه الخالص، تخيّل البعض أن هذا التنزيه البالغ يعزل الخالق عن المخلوق ويبعد المسافة بين الله والإنسان !! وإنه لوهم في الشعور وخطأ في التفكير وجور في الحكم، لأن الكمال ليست له حدود، وكل ما ليس له حدود فلا عازل بينه وبين موجود. ولذلك أشار القرآن الكريم بقوله: (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله)... (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد).. (وهو معكم أينما كنتم). إن المتتبع لآيات القرآن الكريم وهي تنطق عن الله ذاتاً وصفات وأفعالاً يشعر أن «الله» هو الواحد الأحد المنزه عن الشريك والصاحب والولد والزوج والأخ لأنه الخالق الباريء المصور له الأسماء الحسنى، ومن كان كذلك كان حرياً أن ننزهه في عقولنا وأفكارنا وأقوالنا وأفعالنا وسلوكنا. وإلا ماتت فكرة الألوهية وانحدرت إلى أسفل سافلين، (فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو) و (أليس الله بأحكم الحاكمين ).. (وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك )... (لو أراد الله أن يتخذ ولداً لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه ). د.علي فريد دحروج