سورة الجاثية من السور المكية وعدد آياتها سبع وثلاثون في الكوفة وست وثلاثون عند الباقين وهي السورة الرابعة والستون في ترتيب نزول السور نزلت بعد سورة الدخان وقبل الاحقاف. وهذه السورة مع انها اشتهرت باسم الجاثية لقوله تعالى فيها (وترى كل امة جاثية) وكلمة جاثية لم ترد في موقع آخر من القرآن ومع ذلك اخذت هذه السورة اسماء اخرى فقد سميت «سورة شريعة» لوقوع لفظ (شريعة) فيها ولم يقع في غيرها من القرآن وكذلك سميت (سورة الدهر) لوقوع لفظ الدهر عند قوله تعالى (وما يهلكنا الا الدهر). وبعد استعراض اسم هذه السورة ننظر الى مقصود اسم السورة (الجاثية) والمعنى المراد من الجاثية التي كانت عنواناً لسورة عظيمة والسابق يدل على اللاحق فقوله تعالى (وترى) اي في ذلك اليوم العظيم (كل امة) من الامم الخاسرة فيها والفائزة (جاثية) أي مجتمعة لا يخالطها غيرها وهي مع ذلك باركة على الركب رعباً لما لعلها تؤمر به، جلسة المخاصم بين يدي الحاكم ينتظروا القضاء الحاتم والأمر الجازم واللازم لشدة ما يظهر لها من هول ذلك اليوم. لهذا كان مقصود السورة هو الدلالة على عظمة الخالق لأنه ذو العزة لا يغلبه شيء وهو يغلب كل شيء في غاية الاستقامة لها تستقل العقول بإدراكه ولا يخرج شيء منه عنه، امر فيه ونهي ورغب ورهب، ثم بطن حتى انه لا يعرف ثم ظهر حتى انه لا يجهل فمن المكلفين من حكم عقله وجانب هواه فشهد جلاله فسمع وأطاع ومنهم من اتبع هواه فضل عن نور العقل فزاغ وضاع فاقتضت الحكمة ولابد ان يجمع سبحانه الخلق ليوم الفصل فيظهر كل الظهور ويدين عباده ليشهد رحمته المطيع وكبرياءه العاصي وينشر العدل ويظهر الفضل ويتجلى في جميع صفاته لجميع خلقه وعلى ذلك دل اسم هذه السورة بالجاثية والشريعة. هذا من حيث العموم في المعنى العام لهذه السورة العظيمة الجاثية ودائما اذا دل الشكل على المضمون وكان اعماق في الدلالة على المقصود وهنا في سورة الجاثية نجد اسم السورة عُنون (بالجاثية) فدل على مدى علاقة الاسم بالمسمى وان الاسم ذو تأثير وبه تعرف الاشياء ونحن نقف عند مقاصد اسماء السور لابد ان نفهم ان هذه الاسماء التي وضعت للسور ليس مجرد علم دلالة على السورة ولكن هناك امر أعظم وهو تبيان علاقة العنوان بالمضمون فهذا التناسق بين من عنوان السورة ومضمونها يجعل القارئ والسامع على اطلاع ووعي من مقصود اسم كل سورة فمثلاً عندما يسمع سورة الجاثية احد يذكر اسمها وتنقل له الذاكرة ما المراد من هذه السورة وما فيها من مواعظ وحكم وأوامر ونواهٍ وتبيان حال البشر يوم القيامة ويتصور هذا المعنى في نفسه ويتذكر كيف يجلس المتحاكمون عند القاضي وهيئة هذه الجلسة وهذه الجلسة بالطبع تختلف عن قاعات المحاكم اليوم لأن في ذلك اليوم يكون الحال مكشوفا ولا توجد منصة قضاة ولا كراسي شهود ولا مقاعد متخاصمين ولا شبك حراسة بل الجميع يكونون في صعيد واحد ولكن كل امة مجتمعة جاثية أي جالسة على ركبها حتى تكون تحت الاستعداد لتلبية الامر دون تردد لأنه لا مجال لتأجيل الحكم أو طلب تغيير لأن الحكم واحد والمحكوم واحد فالأمر سارٍ على كل نفس. من هنا ننظر الى أهمية مقاصد اسماء السور لأن في الاسم دلالة عظيمة على المسمى لأن كل سورة حملت وصف بعض احوال يوم الجزاء فكانت سورة الجاثية تبين حال الذين اهملوا النظر في آيات الله مع تبيانها وخالفوا رسولهم صلى الله عليه وسلم فيما فيه صلاحهم كحال بني اسرائيل في اختلافهم في كتابهم بعد ان جاءهم العلم وبعد ان اتبعوه، فما ظنك بمن خالف آيات الله من أول وهلة تحذيراً لهم من ان يقعوا فيما وقع فيه بنو اسرائيل من تسليط الأمم عليهم وذلك تحذير بليغ حتى لا يتغير حال الأمة من الصلاح الى الفساد لأن النوا يا مطايا فعلى المسلم الذي آمن ان يتبع أمر الآمر وهو الحق سبحانه وتعالى ويتبع كذلك هدي الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم. أخي الصائم: ونحن نرتع من فضائل شهر رمضان الكريم لا يفوتنا امر مهم وهو ما وصى به الرسول صلى الله عليه وسلم وهو حسن الخلق حيث ان حسن الخلق من الدرجات العالية المبلغة لرضوان الرحمن سبحانه وتعالى حيث قال الحبيب صلى الله عليه وسلم يبلغ الرجل بحسن الخلق درجة الصائم القائم فهذا شهر الصيام والقيام ولكن هناك من الاعمال الصالحة التي تبلغ صاحبها درجة الطاعات العالية مثل الصيام والقيام فكن اخي المسلم الصائم على درجة عالية من حسن الخلق وخاصة وانت صائم لأن الصيام يعلم الصبر والصبر نواة الخلق الحسن لأن الذي يمتلك الصبر يمتلك خلقا حسنا ولا تنس اخي الصائم ان الله منّ عليك بهذه الطاعة العظيمة فكن أنت سيدا على نفسك وعلمها كيف تتعامل مع الآخرين لتتزود بالأخلاق الفاضلة. جعلنا الله معك من أهلها. وإلى اللقاء غداً على مائدة القرآن الكريم.