يتباين الموقف من تجديد الفكر الإسلامي ليس فقط بين المشتغلين بهذه القضية والداعين للفكرة، وإنما أيضا بين الناس العاديين، فهناك موقف عام من التجديد يشترك فيه عموم الناس، وهناك اتجاهات بين المشتغلين بقضية التجديد من العلماء والمفكرين. ومن الضروري التعرف أولا على موقف العام من هذه القضية قبل أن نعرض لأبرز اتجاهات التجديد في الفكر الإسلامي المعاصر. يرى المفكر الإسلامي الدكتور يوسف القرضاوي أن الناس ينقسمون بشأن التجديد إلى أصناف ثلاثة: الصنف الأول: أعداء التجديد الذين يريدون أن يبقى كل قديم على قدمه، منطلقين من حكمتهم المأثورة: ما ترك الأول للآخر شيئاً! وشعارهم المرفوع: ليس في الإمكان أبدع مما كان! وهم بجمودهم يقفون في وجه أي تجديد: في العلم، في الفكر، في الأدب، في الحياة، فما بالك بالدين ؟! بل إن مجرد كلمة «التجديد» بالنسبة للدين يعتبرونها هرطقة. وفى مجال الدين هناك فئتان ينتهي موقفهما إلى «تجميد الإسلام» ، وهما: فئة «مقلدي المذاهب» المتعصبين لها، الذين يرفضون أي خروج عليها، ولا يعترفون بحق الاجتهاد لفرد ولا لجماعة في هذا العصر، إلا في إطار ما قررته مذاهبهم وحدها، بل في حدود ما حرره المتأخرون من علماء المذهب، وأفتوا به. فلا يجوز الخروج عن الرأي المفتى به في المذهب، إلى أقوال وآراء أخرى داخل المذهب نفسه! أما الفئة الأخرى فهي التي يطلق عليها الدكتور القرضاوي «الظاهرين الجدد» ويقصد بهم الحرفيين الذين يقفون جامدين عند ظواهر النصوص، ولا يمعنون النظر إلى مقاصدها، ولا يفهمون الجزئيات في ضوء الكليات، ويقيمون معارك حامية من أجل أمور هامشية في الدين، وهؤلاء وأولئك مخلصون للإسلام، ويحسبون انهم بذلك يحسنون صنعا!! والصنف الثاني: على النقيض تماما وهم الغلاة في التجديد، الذين يريدون أن ينسفوا كل قديم، وإن كان هو أساس هوية المجتمع، ومبرر وجوده، وسر بقائه، كأنما يريدون أن يحذفوا «أمس» من الزمن، ويحذفوا «الفعل الماضي» من اللغة! وتجديد هؤلاء هو التغريب بعينه، إن قديم الغرب عندهم جديد، فهم يدعون إلى اقتباسه بخيره وشره، وحلوه ومره. وهؤلاء هم الذين سخر منهم الرافعي رحمه الله حين دخل معركته معهم «تحت راية القرآن» وقال: إنهم يريدون أن يجددوا الدين واللغة والشمس والقمر! ورد عليهم شاعر الإسلام محمد إقبال بأن «الكعبة لا تجدد بجلب حجارة لها من أوروبا»! أما الصنف الثالث فيمثل الاتجاه الوسط، الذي يرفض جمود الأولين، وجحود الآخرين، ويلتمس الحكمة من أي وعاء خرجت، ويقبل التجديد، بل يدعو إليه، وينادي به، على أن يكون تجديداً في ظل الأصالة الإسلامية، يفرق بين ما يجوز اقتباسه، وما لا يجوز، ويميز بين ما يلائم وما لا يلائم. إنه يدعو إلى أخذ العلم المادي والتقني بكل ما يستطيعه مما تحتاج الأمة إليه، بشرط أن نهضم التكنولوجيا وننشئها، لا أن نشتريها ونظل غرباء عنها! وهذا هو موقف دعاة الإسلام الحقيقيين: إن شعارهم: الجمع بين القديم النافع والجديد الصالح. الانفتاح على العالم دون الذوبان فيه.. الثبات على الأهداف والمرونة في الوسائل.. التشديد في الأصول والتيسير في الفروع. أما اتجاهات التجديد في الفكر الإسلامي المعاصر، فيرصها الباحث عبد الرحمن إبراهيم في ثلاثة اتجاهات رئيسية: الاتجاه الأول يتمسك بتفسيرات السلف الصالح لمصطلح التجديد، ويعتبر الخروج عليه نوعا من الابتداع والتحريف في الدين، وأبرز من يمثله صاحب كتاب «مفهوم التجديد: بين السنة النبوية وأدعياء التجديد المعاصرين» الدكتور محمود الطحان. ومن الملاحظ أنه في هذا الاتجاه يبرز تحديد مفهوم التجديد في «الاجتهاد في مستجدات العصر» باعتباره لونا من التجديد ضمن المناخ التراثي، غير أن مستجدات العصر هنا ليست إلاّ مستحدثات فقهية، فتتقلص تبعاً لذلك «تحديات العصر» إلى درجة ضيقة للغاية لا تفي بتفسير الواقع الموضوعي. الاتجاه الثاني يمثل اتجاه الاجتهاد المفتوح، حيث يستخدم مفهوم التجديد لدى شريحة واسعة من الكتّاب والمفكرين بمعنى «الاجتهاد» المفتوح، الذي يتمرد على الأطر المذهبية، ويتجاوز الحدود الفقهية، أي يصبح الاجتهاد ـ حسب تعبير العلامة فتحي الدريني ـ «تعقل واكتناه حقائق التشريع وأسراره» والتفاعل بين عقل المسلمين وأحكام الدين الأزلية. في هذا الاتجاه ليس هناك حدود للاجتهاد، ما دام الأمر يعني أن الاجتهاد علم له قواعده، وما دام أن الوقف عند النّص «تفسيراً وتأويلاً» شرط لاعتباره في دائرة الإسلام، فإن الاجتهاد لا يصبح له حدود إلاّ حدود النص نفسه. لكن يبقى أن الذين يدعون إلى اعتبار التجديد «اجتهاداً» مفتوحاً ينقسمون إلى فئتين: الأولى تعتمد مرجعيّة العلوم الإسلامية المعروفة، وتجد أن فيها كفاية لتحقيق الاجتهاد، في حين أن الفئة الثانية تتوسل بالإضافة إلى ذلك بالعلوم الغربية، ونظراً لارتباط هذه العلوم بالغرب، فإن ثمة حساسية لازمة بين كل من الفريقين تجاه الآخر، حيث يرى بعضهم أن الغرب كل واحد لا يتجزّأ، لا ينفصل فيه الثقافي عن السياسي، في حين يرى الآخرون أن العلم لا يكون قط ضد الدين، وأن «صريح المعقول يوافق صريح المنقول» على حد تعبير ابن تيمية رحمه الله، والمعرفة سلاح يمكن استخدامه للخير والشر في الوقت نفسه، وبالتالي فإن علينا التفريق بين الغرب السياسي والثقافي والغرب المعرفي العلمي، والعلم ضالة المؤمن. وهذا الاتجاه يمثل معظم مفكري الإسلام المعاصرين من أمثال محمد إقبال، ومالك ابن نبي، ويوسف القرضاوي، وعمر عبيد حسنة، ومحمد عمارة، واحمد كمال أبو المجد، وفتحي الدريني وغيرهم. والأهم أن هذا الاتجاه يقوم على أن المشكلة تكمن في شقين: الأول هو وعي المسلمين وذهنهم، الذي تراكمت عليه أحداث واجتهادات أربعة عشر قرناً هجرياً، والثاني هو الواقع الموضوعي المشاهد والمتمثل في الغرب، وبالتالي فإن الحل الذي يفترض لذلك فتح باب الاجتهاد من أجل كشف الخلل القائم في الذهنية المسلمة من أجل بعث قدراتها من جديد في الإبداع والتحضر والتقدم، والاستفادة من علوم الغرب وتحديه بأدواته نفسها، والسيطرة على الواقع الذي أفرزه هو بالدرجة الأولى. ويبدو هذا الاتجاه أكثر الاتجاهات حيوية ونشاطاً فكتابات المنتسبين إليه تكاد تمثل معظم المكتبة الإسلامية المعاصرة. ويرى الباحث عبد الرحمن إبراهيم أن الحفاظ على هذا الاتجاه ضرورة، لأنه يسمح بقيام «تجربة» ضرورية لا بدّ منها في ظروف معقدة كالتي نرزح تحتها، وايضا ضرورة الحفاظ على الفئتين المذكورتين داخله،، لأنها أيضاً تمنحنا فرصة لتجربة جديدة قد يكون فيها النفع لمستقبل الأمة، ما دام الأمر كله في النهاية محدودًا بكتاب الله تعالى وصحيح سنة نبيه صلى الله عليه وسلم. أما الاتجاه الثالث فيعنى أساسا بإصلاح مناهج الفكر وإسلامية المعرفة، ويلاحظ أن تشخيص الأزمة في هذا الاتجاه، تولد عنه مفهوم أكثر تحديداً للاجتهاد. ففي هذا الاتجاه ينظر إلى أزمة المسلمين على أنها ليست أزمة تتعلق فقط بتراثهم أو بواقعهم الخارجي، بل هي أزمة أكبر من ذلك، فهي تتعلق بالحضارة الإسلامية برمتها، وتتلخص في أن فقدان السيطرة على الواقع وتوقف الإبداع الفكري والتقدم المادي لدى المسلمين يرجع إلى أسباب تاريخيّة. ليس بمعنى التاريخ التقليدي، بل بمعنى أن التحولات التاريخية المعقدة في العقل الإنساني وتركيبه الاجتماعي وتطور العلاقات الإنسانية وتغيير منطق الحياة اليومية مع ولادة تكنولوجيا تتحكم في كل لحظة بحياة الإنسان، والتقدم المثير في المعرفة، كل ذلك جعل المدارس الفكرية الإسلامية المنبثقة عن جهود السلف، عاجزة ـ بوضعها الحالي ـ عن التحكم في هذا الواقع، وتغييره طبقاً لمقتضيات نصوص الوحي الكريمة، أي أنها أصبحت مستنفدة تاريخياً، فالأزمة وجدت في ظل هذه المناهج والمدارس التقليدية هذا من جهة. ومن جهة ثانية فإن هذه الأزمة التي وجدت فيها المنهجية الإسلامية «التقليدية» سمحت للمتعلمين من أبناء المسلمين أن يستلبوا للغرب بسهولة، وهكذا فإذا كان علينا أن نخرج من هذا المأزق فإن علينا أن نعيد إصلاح مناهجنا الإسلامية وفلترة المعرفة الغربية من العقائد الكامنة والخفية خلفها، وجعلها منسجمة مع الإسلام، ولإنتاج المعرفة اعتمادًا على منظور إسلامي، وهو ما أطلق عليه «إسلامية المعرفة»، ويمثله إجمالاً المعهد العالمي للفكر الإسلامي، لكن المشكلة المهمة هنا أن الحديث عن «إسلامية المعرفة» يوهم بتجاوز الحياد العلمي، وهو ما أثار موجة كبيرة من الانتقاد في نهاية الثمانينيات تجاه هذا المشروع، ولا بد من الاعتراف بأن هذه الفكرة التي يؤمن بها عدد لا بأس به من المفكرين قدمت حركة نقدية كبيرة للعلوم الإسلامية المعروفة ومحاولات عديدة لبناء علوم جديدة في إطار العلوم الإنسانية منها مثلاً: «علم الاجتماع الإسلامي، علم النفس... الخ». ولكن العيب الذي أثار حفيظة المهتمين بقضية «التجديد» عموماً، هو أن هذه الفكرة قدمت كثيراً من التفكيك مقابل قليل من البناء، لكن ذلك في كل الأحوال لا ينفي أن يكون هذا المشروع طموحاً، وهو يصب في النهاية في «الاتجاه الثاني» المذكور آنفاً. وبغض النظر عن تباين هذه الاتجاهات او تكاملها فإن هناك سمات سلبية عامة تشيع في غالبية الجهود التجديدية، من أبرزها: أولا: عدم التلاقي والحوار بين اتباع او رموز هذه الاتجاهات، والعجيب اننا نرى ان المسلمين ـ ونقصد هنا النخبة ـ يتحاورون مع كل الناس إلا أنفسهم، فقد شهدت الحقبة الماضية انعقاد سلسلة ندوات ولقاءات موضوعها الحوار بين الاديان، في حين كان الاولى بالمفكرين والعلماء المسلمين ان يتحاوروا أولا مع أنفسهم، خاصة فيما يتعلق بقضية التجديد من اجل تحديد المفاهيم والتكامل في العمل والمشروعات الفكرية. ثانيا: عدم الاستمرارية في المشروعات الفكرية الإسلامية، التي عادة ترتبط بشخص بعينه، إذا فتر حماسه او رحل، لا يكملها أحد بعده، وهكذا نجد أن كثيراً من المشروعات الفكرية كان من الممكن أن تصب بشكل حقيقي في تجديد الفكر الإسلامي، ما تلبث ان يصيبها الضمور أو التوقف بعد فترة قليلة من بدايتها؟! د. محمد يونس