آثار السؤال الذي استلّه الدكتور يوسف خليف من عباءة التاريخ حفيظة الصعاليك عندما قال لهم: إلى أي مدى تؤمنون بعدالة قضيتكم وصدقها وانتم في نظر المجتمع قلة خارجة على قوانينه ونظمه؟ ـ قال عروة وهو ينظر في وجوه الحاضرين: دعوني أيها الأخوة نيابة عنكم وعن جميع صعاليك الدنيا أجيب عن هذا السؤال الذي اعتقد أن الاجابة عليه مهمة جداً لأنه لا يعني في المقام الأول والأخير إلا نحن معشر الصعاليك.. أقول أيها الأخوة انه يعنينا لأننا قبل هذا وذاك صعاليك أقوياء فنحن نملك ارادتنا وتقرير مصيرنا ونعرف أهميتنا بدليل أن التاريخ بسط صفحاته ليتكلم عنا، وفي ذلك لا يهمنا إن كان خيراً أم شر، ولابد ان يعلم الجميع بأننا نظرنا فوجدنا مجتمعا ظالما، لا يؤمن إلا بالمال ورغم ذلك لا يحسن توزيعه بين أفراده فليس من العدل والانصاف ان يكون لأحد أفراده عدد ضخم من الابل في حين لا يملك الآخر غير حبل يجره لا بعير فيه، فما هذه الابل التي يمتلكها الفرد سوى إبل الله خلقها للناس جميعاً، فهي إذن ليست حقا له وحده دون غيره من خلق الله في هذه الأرض ألم تسمعوا قول الشاعر: وإني لأستحي لنفسي أن أرى أمر بحبل ليس فيه بعير وأن اسأل العبد اللئيم بعيره وبعران ربي في البلاد كثير العجيب من أمر هذا المجتمع ايها الأخوة ان بين من يعطيهم بغير حساب بخلاء اشحاء لا ينتفع بمالهم أحد، في حين يحرم فيمن يحرم كرماء لو أعطاهم لنفعوا بمالهم أفراد مجتمعهم الفقراء المحتاجين، فهو يحرم هؤلاء الكرماء ما يكنزه اولئك البخلاء، ويحرمهم نتيجة لهذا فرصة التكافؤ الاجتماعي ومساواة إخوانهم في الانسانية من الاغنياء الكرماء. لقد آمنا بأن الحق للقوة، وان الضعيف ضائع حقه لا محالة في هذه الحياة، وهنا تدخل الدكتور موجهاً دفة الحديث وواضعاً بعض النقاط على الحروف العارية لكن هذه المشكلة التي تتحدث عنها يا عروة متكررة في كل المجتمعات والحضارات السائدة والبائدة، وانتم بهذا الشكل وبتلك الطريقة تضعون يدكم على قبضة العادات والتقاليد والأعراف المتوارثة. وبانفعال واضح قال عروة: وهل الاعراف والتقاليد تحث على الظلم؟ لقد توصلنا جميعاً ودون استثناء ونقولها للعلم والتاريخ الذي تخاطبوننا من خلاله بأننا عشنا في ظل ظروف صعبة دفعتنا كرهاً على انتهاج اسلوب وجدنا أنه الصحيح والقويم في فترة قاسية من فترات الزمن، فبسبب ظروف البيئة والمجتمع والمزاج الشخصي لم نجد امامنا من وسيلة نرضاها لأنفسنا إلا الاعتماد على القوة نغتصب عن طريقها ما آمنا بأنه حق مسلوب من حقوقنا، وكما تقول العرب في امثالها فان الخلة تدعو الى السلة، لقد آمنا بأن الحق للقوة، وأن الضعيف ضائع حقه في هذه الحياة.إذن انتم ترون أن سفك دماء الأبرياء والغزو والاغارة للسلب والنهب مشروع ضمن مبادئكم؟ ـ نحن لم ننتهج هذا الاسلوب عبثاً، لقد وجدنا انفسنا في وضع ثنائي لا ثالث له، إما حياة كريمة، واما ميتة كريمة، أما انصاف الحلول فشيء لا نؤمن به أبداً، ولهذا ايها الاخوة وجدنا في الغزو والاغارة على القوافل التي يسيطر عليها أولئك المرابين الذين يتحكمون في مصائر الناس وأرزاقهم منفذاً شرعياً لنا ومبرراً قوياً للقصاص منهم، فنحن في نظر هؤلاء لا نملك حتى حق انفسنا لان حق التشريع كان محصوراً في ايديهم، فهم يسنون من الشرائع والقوانين ما كان يوافق مصلحتهم، بينما اغلب هؤلاء الصعاليك يعيشون حياة مضنية فلا قانون يحميهم، ولا شريعة ترق لحالهم، وتحاول انتشالهم من هاوية الموت الاجتماعي والرق الابدي فهم يعيشون في شعاب البلدان وأطرافها البعيدة، وفي منازل قذرة وحقيرة ومتداعية، يعيشون حياة ضنك وجوع مستمر، بينما يعيش اولئك الذين أثروا من تعب هؤلاء في وسط المدينة، ويقيمون في قصور فاخرة. من هنا وجدنا انفسنا نهرب من سطوة المدينة وقذارتها الى حيث الفضاء الرحب والبادية الواسعة. بعد هذه المداخلة المثيرة التي عقدت لساني والدكتور يوسف خليف، وهذا الطرح وتلك الفلسفة الحياتية، قررنا ان .. وغداً نكمل