عندما نريد أن نبني بيتا فيجب أن نبحث عن المادة، وفي أي مصنع صنعت، فنحن نعلم اليوم دولا تصدر مواد البناء أو مصانع معينة في البلد، ثم نرجح بلدا على بلد ومصنعا على مصنع، لماذا؟ لانه هذا المصنع له سمعة طيبة ويستخدم مواد جيدة ويعطي هذه المواد حقها من الصناعة ويعتني بها اعتناء شديداً. وكذلك البيوت، فمن الناس من لهم شرف وأصل ودين، يعتنون بأبنائهم ويربونهم على الفضيلة والاخلاق ويعتنون بهم اعتناء جيداً، ويحافظون عليهم محافظة شديدة، وخاصة البنات، فالبنت لا تخرج إلا مع اخيها أو ابيها أو امها، واذا كانت في البيت فهي محفوفة بعناية اهلها كاللؤلؤة الغالية، وابوها يعرفها امور دينها، ومعالي الاخلاق، وامها تعلمها الادب ومعاش البيت، وكيف تسوس بيتها، ويعدها دائما لليوم الذي ستكون فيه مسئولة عن بيت، فهؤلاء هم الناس وهم الاصول الذين يهرع اليهم العقلاء، ويبحثون عن بناتهم ويدفعون فيهن الغالي، ويفتخر الرجل ان تكون راعية بيته من هذا الطراز الذي يحافظ على الزوج ويحافظ على البيت ويرعى الحقوق ويعرف الواجب ويلتزم بالاصول، وهذا النوع من النساء هن المعمرات وهن الصابرات، لأنهن اخذن دروساً على ذلك في بيت الاصول. ومن هنا ينصحنا النبي صلى الله عليه وسلم هذه النصيحة الغالية فيقول: «تزوجوا في الحجز الصالح» أي الاصل الصالح، ومعنى ذلك ان تبحث أولا عن بنت الاصول والصلاح فمهما نزعت المرأة لأهلها، فلا تنزع إلا لخير، وأما الفتاة التي من أصل سييء، ومن معدن غير طيب، فان نزعت فلا تنزع الا لأصلها، حتى ولو كانت في نفسها عاقلة متزنة، وهذا هو معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس»، أي ان العرق ينزع دائما إلى اصوله. ولربما يعتقد كثير من شباب اليوم ان الاصل لا قيمة له ما دامت حبيبته التي اختارها عاقلة متدينة محترمة، لانه سيتزوجها ولن يتزوج اهلها، ولن يتزوج أمها ولا اباها ولا اعمامها، لكن شباب اليوم يقعون في خطأين كبيرين: الخطأ الأول: انه لا يفهم الحياة والواقع الذي يعيش فيه، بل انه في الفعل سيتزوج عشيرة بأكملها، فلو أن اهلها رعاع فسيعيش منغصا في حياته، ان كان لزوجته بهم صلة، لانه في هذه الحالة لن يستطيع ان يمنعهم من زيارة ابنتهم ولا ان يمنع زوجته من زيارة أهلها، وساعتها ستكون المضايقات التي لن يحتملها منهم، و سوف يؤدي ذلك إلى منعهم من زيارتها وهنا تبدأ المشاكل وتظهر الكراهية، وتنتهي أيضاً إلى منعها اخيرا من زيارتهم، فيعيش في نكد وينكد دائما على زوجته بذلك، وبدورها سوف تتبرم من ذلك الوضع وتنكد عليه ايضا، وليس بعد هذا الجحيم من جحيم. الخطأ الثاني: انهم لا يعرفون تقييم الناس ويحكمون على المظاهر، لأنه بمجرد ان تعجبه الفتاة يظن انها طيبة وبنت اصول، وقد يزورها في بيتها وبين اهلها فينخدع بما يرى دون ان يسأل ويبحث ويفتش، وقد يستخف بعقل من يقول له اسأل جيرانهم واصدقاءهم ومن يعرفهم، ويقول: ولماذا اسأل وقد رأيت بعيني؟ وهو لم ير بعينه الا المظاهر فقط، ولا يكتشف الحقيقة إلا بعد فوات الاوان، انما خدعه جمالها مثلا، وتساهل أهلها، فقد يتركونه معها في البيت حتى يصفوا الحديث بينها وبينه دون ان يكون هناك عقد رسمي بينهما، وقد يكون تساهلهم اكثر فيتركونها تخرج معه إلى أي مكان يشاء، باسم الخطوبة أو باسم الفاتحة أو باسم الخاتمين اللذين يلبسانهما، ثم بعد الزواج تظهر الاخلاق على طبيعتها، فإما ان يسكت على مضض وإما ان يعيش في مشاكل بقية حياته، واما ان يطلقها، هذا اذا مر الموضوع هكذا، وفي كثير من الاحيان، يقع المحظور قبل الزواج نتيجة اختلاطهما أو خروجهما أو جلوسهما في البيت وحدهما ثم تتغير الظروف بعد ذلك، وقد يتنكر لها، أو يتأخر زواجهما أو يحصل له حادث أو يحصل أي مانع قهري من إتمام الزواج فتكون الكارثة كبيرة جدا، قد تنتهي بقتله أو قتلها أو هروبها، وهذه مشاكل لا تنتهي، وليس لها حل، وسببها هو عدم الاختيار الصحيح لبنت الاصول. لقد كانت الكلمة الحلوة التي ينادي بها الرجل امرأته: يا بنت الناس، لأنه مسرور معها، ومسرور من اهلها، لان اهل الاصول يعرفون كيف يعاملون زوج ابنتهم، فان كان رجلا صالحا مناسبا عاملوه كأحد أبنائهم، بل أكثر، فيكرمونه حتى يكرم ابنتهم، ويحافظون عليه حتى يحافظ على ابنتهم، فإن اخطأت ابنتهم وقفوا جميعا في وجهها ونسبوا اليها الخطأ، ولربما ادبها ابوها وردها بنفسه، وان لم يكن صالحا حاولوا اصلاحه بشتى الوسائل حتى يعود لصوابه، وإلا قالوا له يا ابن الناس دخلنا بمعروف فلنخرج بمعروف. وهكذا يفعل اهل الاصول في الرضا والغضب، ألا يستحق مثل هؤلاء أن يبحث الانسان عنهم ويتشرف بمصاهرتهم؟ د. حمزة أحمد الزين