والتذهيب هو أحد الفنون التي ابتكرها المسلمون وألحقوها بفن الكتاب، ويبدو ان بداية فن التذهيب كانت في المصاحف حيث كان يستخدم في زخرفة أول صفحتين في المصحف وأيضا في الصفحة الأخيرة وربما في تحديد فواصل الآيات، وسرعان ما انتقل التذهيب الى بقية المحفوظات التي انتجها المسلمون لاسيما تلك التي قصد منها الاهداء الى الشخصيات الهامة في الدولة أو الأمراء من الدول الاسلامية المختلفة. وكان «المذهب» يستخدم في عمله مداد الذهب أو ما يعرف بماء الذهب، وهو كما يقول القلقشندي في كتابه صبح الأعشى في صناعة الانشاء، محلول مكون من برادة الذهب والماء والصمغ وعصير الليمون. ويذكر ابن النديم صاحب كتاب الفهرست، عند كلامه عن نساخي المصاحف ان خالد بن أبي الهياج كان أول من اشتهر بكتابة القرآن الكريم بخط جميل وانه هو الذي كتب بالحروف المذهبة جزءا من سورة الشمس على الجدار الجنوبي للمسجد النبوي بالمدينة المنورة. ويبدو ان المسلمين قد تحرجوا من كتابة المصحف بمداد الذهب نظرا لما في ذلك من الاسراف الذي لا يليق، فاقتصروا على استخدام مداد الذهب في رسوم فواصل الآيات وفواصل السور وفي رسم زخارف الهوامش الجانبية في بعض الصفحات وفي تجميل الصفحات الأولى والصفحات الاخيرة من المصحف. ولكن بمضي الوقت ضعف ذلك الحرج وخفت حدته، وأقدم بعض النساخ على استعمال هذا المداد بحرية أكبر في الكتابة وفي الزخرفة على السواء. ولقد وصلت الينا بالفعل أمثلة قليلة رائعة من مصاحف مكتوبة ومزخرفة بمداد الذهب واهمها مصحف السلطان قلاوون المملوكي، والمعروض في دار الكتب المصرية بالقاهرة. ولقد كان لتفضيل اللونين الذهبي والأزرق في كتابة المصاحف وزخرفتها تأثير كبير على فن الكتابة عامة عند المسلمين وعند غيرهم من الأمم، ومن هنا كانت الزخارف في الصفحات الأولى والأخيرة من المصاحف موضع اهتمام من مؤرخي الفن الاسلامي الذين أخذوا يعنون بدراسة المصاحف من ناحيتها الجمالية والزخرفية ومن المصاحف الى المخطوطات الثمينة انتقل فن التذهيب لتزدان غرر المخطوطات وكذلك النصوص الأدبية المصورة. وفي العصر العثماني، وتحت تأثير الاتصال بالفنون الأوروبية، راح المذهبون يظهرون ميلا نحو التحرر من ثنائية اللونين الذهبي والأزرق في فواتح المصاحف، وتظهر أعمالهم بدءا من بدايات القرن الحادي عشر للهجرة «17م» أنهم رغم تمسكهم باستخدام مداد الذهب بل واسرافهم في استخدامه، أخذوا يستخدمون ألوانا أخرى الى جانب الأزرق مثل الأخضر والأحمر بدرجاتهما المختلفة. ونعرض هنا للصفحة الأولى من مصحف عثماني قام المذهب بتغطيتها بمداد الذهب ثم رسم في وسطها زهرية حافلة برسوم زهرة الخزامي وتخرج منها سنابل وعناقيد عنب وورود وزهور مختلفة وترك في وسطها مساحة مذهبة سجل بها الخطاط فاتحة سورة البقرة، ورغم خروج المذهب عما كان سائدا ومألوفا في تذهيب وزخرفة المصاحف فان عمله لم يخل من جمال فني وبراعة تستحق التقدير، ولعله كان في ذلك مدفوعا بعاطفة دينية جياشة ورغبة عارمة في توظيف مواهبه الزخرفية للتعبير عنها باستخدام متناسق لمداد الذهب والألوان المختلفة معا. أما فيما يتعلق بفن تجليد الكتب فنحن نعرف ان استخدام الجلود في تغليف المصاحف والكتب قد طال به الأمد قليلا في العصر الاسلامي. ذلك ان فن التغليف مر في أدوار مختلفة، فقام أول ما قام على التقاليد الحبشية والقبطية السابقة على الاسلام، ومن ثم كانت أغلفة المصاحف في أول الأمر تصنع من البرديات القديمة التي استنفدت أغراضها ثم استغني عنها فألصق بعضها الى بعض بحيث تصبح سميكة واشبه بالورق المقوى المعروف اليوم، وكانت هذه الألواح التي توضع بين دفتيها أجزاء من القرآن الكريم كلها أو بعضها تكسى بالكتان أو بالحرير. وحلت ألواح الخشب أحيانا محل ألواح البردي، وقد استعملت أول الأمر وهي عاطلة من كل زخرف، ثم مستها يد الفن بعصاها السحرية، فزينت بأشرطة رقيقة من الذهب أو الفضة ثبتت فوق لوح الخشب في أجزاء مختلفة منه، ثم غطيت الألواح كلها بصفائح رقيقة من هذين المعدنين ورصعت أحيانا بالاحجار الكريمة. كما زينت الغلافات الخشبية أيضا بقطع صغيرة من العاج والابنوس ثبتت عليها بأشكال هندسية جميلة ومتنوعة. وظهرت بعد ذلك الشرائح الجلدية لكي تحل مكان صفائح الذهب والفضة بل وتستخدم أيضا في كسوة الألواح المتخذة من البردي وكان ذلك بمثابة البداية الفعلية لفن التجليد. وقد زخرفت شرائح الجلد بالزخارف النباتية واتبع المجلدون المسلمون في عمل هذه الزخارف طريقة الضغط على الجلد بآلة خاصة، وتعرف هذه الطريقة عند أهل الصنعة بطريقة «الدق»، ويترتب على استعمالها ان يبقى سطح الجلد العلوي حافظا للونه الأصلي في حين يكتسب السطح المضغوط لونا غامقا أثر الضغط عليه. وقد يستخدم الذهب في زخرفة هذه الشرائح الجلدية بأن تلصق عليها صفائح رقيقة من هذا المعدن ثم تضغط هذه الرقائق الذهبية بواسطة آلة تسخن في النار قليلا. وتنقسم جلود المصاحف والكتب من حيث الشكل الى ثلاثة أنواع أولها المربع أو القريب من المربع وثانيها الأفقي ويتميز بأن عرضه أكبر من طوله وثالثها العمودي وطوله أكبر من عرضه، وعرفت الأشكال الثلاثة في العصور الاسلامية الأولى ثم شاع استخدام الشكل العمودي منذ القرن الخامس الهجري «11م». وقد تميزت جلود الكتب الاسلامية بالكعوب المستوية غير البارزة وبمساواتها في الحجم لورق الكتاب وباشتمالها على امتداد في الجانب الأيسر يعرف «باللسان» وذلك من أجل حماية الأطراف اليسرى لصفحات الكتب ويغلب على الظن ان هذا اللسان ابتكار اسلامي صرف. وعلى الرغم مما انتاب الكتب من تدمير وضياع وتلف على طول التاريخ الوسيط، ولا سيما ما تعرضت له المكتبات من تخريب اثناء الحروب أو بسبب الجهل أوالتعصب أحيانا أخرى فانه قد وصلتنا بعض نماذج الجلود الكتب التي تعطي فكرة واضحة عن هذا الفن البديع. ومن أجملها غلاف مصحف من العصر العثماني في القرن الثاني عشر الهجري «18م» تمت زخرفته باستخدام التذهيب واللون الأحمر في تصميم بديع يماثل بعض اشكال السجاجيد ذات الميداليات المعروفة في الفن الايراني. ففي وسط الارضية الحمراء يوجد شكل صرة أو ميدالية مستديرة على جانبيها جامتان وجميعها حافلة بزخارف نباتية من التوريق العربي «الأرابيسك» تبدو مؤلفة من أنصاف أوراق مراوح نخيلية وفي أركان الساحة الرئيسية مناطق زخرفية متماثلة في شكلها وايضا في زخارفها المنفذة بالتذهيب، وهي مؤلفة من سيقان نباتية حلزونية تخرج منها في تماثل وتوازن أشكال مراوح وأنصاف مراوح نخيلية. ويحيط بالساحة الرئيسية شريطان زخرفيان أقل اتساعا من شريط أوسط بينهما بها زخرفة مجدولة دقيقة، أما الشريط الذي يتوسطهما وهو أعرض قليلا منه زخرفة نباتية هي في حد ذاتها تكرار لنفس زخارف أنصاف المراوح النخيلية الشائعة في تكسية هذا الغلاف الجلدي. واجمالا فقد اعتمد المجلد على التناقض الهادئ بين اللونين الذهبي والأحمر لابراز جمال عمله الذي اعتمد على زخارف التوريق والتي تم تنفيذها بدقة تامة. د.أحمد السيد محمد