قال الإمام مسلم رحمه الله تعالى: حدثنا يحيى بن يحيى التميمى وأبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن العلاء الهمدانى جميعا عن أبي معاوية «واللفظ ليحيى» أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة قال: «كنت أمشي مع عبدالله بمنى فلقيه عثمان فقام معه يحدثه فقال له عثمان: يا أبا عبد الرحمن ألا نزوجك جارية (شابة) لعلها تذكرك بعض ما مضى من زمانك؟ قال: فقال عبدالله: لئن قلت ذلك لقد قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يامعشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه اغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء». في هذا الحديث الشريف. يحكى لنا علقمة أنه كان ماشياً مع عبدالله بن مسعود بمنى، فلقيه عثمان بن عفان فقام معه يحدثه، وعرض عليه الزواج قائلا: يا أبا عبد الرحمن ـ وهذه كنية ابن مسعود ـ ألا نزوجك جارية شابة لعلها تذكرك بعض مامضى من زمانك؟ أى تستعيد بها ذكرياتك الماضية، وأيام شبابك الأولى، ففى ذلك انتعاش للبدن، وتقوية للنشاط، وفي رواية جرير عن الأعمش: إذ لقيه عثمان بن عفان فقال: هلم يا أبا عبد الرحمن، قال: فاستخلاه، فلما رأى عبد الله أن ليست له حاجة قال لى: تعال ياعلقمة، قال: فجئت، فقال له عثمان: ألا نزوجك يا أبا عبد الرحمن جارية بكراً لعله يرجع إليك من نفسك ما كنت تعهد؟ ولعل عثمان رأى عبد الله على حالة تستدعي الزوجة التي تقوم على رعايته، وتعمل على تدبير شئونه ومعيشته، قال الحافظ بن حجر: لعل عثمان رأى به قشفا ورثاثة هيئة فحمل ذلك على فقده الزوجة التي ترفهه. وقد جاء في رواية البخارى (فلما رأى عبدالله أن ليس له حاجة إلى هذا أشار إليّ فقال: ياعلقمة! فانتهينا إليه وهو يقول: أما لئن قلت ذلك... إلخ) فمراجعة عثمان لابن مسعود في أمر التزويج كانت قبل استدعائه لعلقمة، وفي رواية جرير عند مسلم وزيد بن أبى أنيسة عند ابن حبان أن مراجعة عثمان لابن مسعود كانت بعد استدعائه لعلقمة، ويمكن التوفيق بين هذه الروايات بأن يكون عثمان رضى الله عنه، اعاد على عبدالله بن مسعود رضى الله عنه ما كان قد قاله له، بعد ان استدعى علقمة، لكونه فهم منه إرادة إعلام علقمة بما كان فيه. وقد خص رسول الله صلى الله عليه وسلم الشباب بالخطاب، مع أن الزواج مطلوب بالنسبة لغيرهم من الكهول والشيوخ إذا وجد الداعي إليه، وذلك لأن الغالب في الشباب كثرة وجود الداعي إلى الزواج وهو بالنسبة لهم أقوى من غيرهم. وكلمة (معشر) تطلق على الطائفة المشتركين في وصف كالشيوخ والشباب والنساء وهكذا... و(الشباب) جمع شاب وهو من بلغ ولم يجاوز ثلاثين سنة في الأصح. وفي (الباءة) أربع لغات: الأولى: بالهمز والمد وتاء التأنيث، والثانية: بغير همز ولا مد، والثالثة: بالهمز والمد بلا هاء، والرابعة: بالهاء والمد بلا همزة. وقيل بالمد: القدرة على مؤن النكاح، وبالقصر: الوطء، واصلها في اللغة الجماع، مشتقة من المباءة وهى المنزل، وقيل لعقد النكاح باءة، لأن من تزوج امرأة بوأها منزلا، والمراد بالباءة هنا: الجماع، والمعنى من استطاع منكم الجماع لقدرته على مؤن النكاح فليتزوج ـ ومن لم يستطع الجماع لعجزه فعليه بالصوم لدفع شهوته. واستدل القائلون بهذا بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «ومن لم يستطع فعليه بالصوم» قالوا: والعاجز عن الجماع لايحتاج إلى الصوم لدفع شهوته، فأولت الباءة بالمؤن وأجاب اصحاب الرأى الأول: بأن التقدير من لم يستطع الجماع، لعجزه عن مؤنه، وهو محتاج إلى الجماع فعليه بالصوم والقولان يرجعان في الحقيقة إلى معنى واحد، وقيل: إن المراد بالباءة القدرة على المؤن والجماع معا ، فتكون أعم. و(الوجاء) بكسر الواو هو رض الخصيتين أى كسر الشهوة منهما. فكأن الصوم يقطع الشهوة كالوجاء. لقد وجه الرسول صلوات الله وسلامه عليه الشباب في الحديث توجيها سديداً، يملك عليهم أقطار نفوسهم، ويكبح جماحهم ، ويهديهم سواء السبيل فناداهم بالوصف القائم فيهم، الداعي لهم ان يصيخوا السمع، ويرهفوا الإحساس إلى ماسيلقى عليهم بعد من توجيه «يامعشر الشباب» ثم يأمرهم بعد ذلك بالزواج إن كانوا قادرين على الوطء، وعلى مؤن النكاح، مبينا أهداف الزواج وثمراته. ففيه العصمة من الزلل، والحفظ من الانزلاق في وحل المعصية، أو التردي في مهاوي الفساد، فإنه اغض للبصر فيكفه عن النظر إلى ماحرم الله، واحصن للفرج فتكون العفة وسلامة الخلق والدين، وحماية اعراض الناس، هذا بالاضافة إلى مافيه من السكن والمودة والرحمة التي اشار الله تعالى إليها في قوله: (ومن آياته ان خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون). وما في الزواج ايضا من طلب الأولاد الصالحين الذين يكثر بهم سواد المسلمين، وقد أمر الله تعالى عباده المؤمنين ان يغضوا ابصارهم، ويحفظوا فروجهم لأن هذا اطهر من دنس المعصية، كما أمر النساء كذلك بما أمر به الرجال من غض البصر وحفظ الفرج، ونهى النساء عن إظهار الزينة، وفي هذا مافيه من التأكيد والمبالغة في النهي عن مواضعها. فإذا كانت الزينة وحدها محرمة فما بالك بمواضعها من الجسم؟ لاشك انها أكثر تحريما وأشد نهياً، إلا ماظهر منها للضرورة عند مزاولة الامور التي لابد منها، ولايظهرن شيئا من نحورهن بل يضربن على نحورهن مايسترها ثم استثنى من تحريم النظر طائفة ذكرها الله تعالى في قوله: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك ازكى لهم إن الله خبير بما يصنعون، وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولايبدين زينتهن إلا ماظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولايبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو أبائهن او آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ماملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولايضربن بأرجلهن ليعلم مايخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون). ـ رئيس جامعة الأزهر