لم تصل حضارة من الحضارات طوال التاريخ إلى ما وصلت إليه الحضارة الغربية المعاصرة التي تسود عالمنا اليوم، والتي بلغت الأوج في التقدم العلمي والتكنولوجي مما كان له أثره في اختصار المكان والزمان للإنسان، وتوفير الرفاهية والراحة له، حتى أصبحت حاجاته تقضي بضغط على زر، ليس هذا فحسب، بل أن درجة التقدم بلغت أشياء لم يكن أحد يتوقعها من قبل مثل الاستنساخ وغيره.. ومع كل هذه الدرجة من التقدم يأتي السؤال، هل استطاع العلم الذي صنعها أن يحقق السعادة لمن عاش في ظلها ؟ حول هذا السؤال يقدم العلامة الكبير الدكتور يوسف القرضاوي إجابته في كتابه «حاجة البشرية إلى الرسالة الحضارية لأمتنا». يقول القرضاوي: إن العلم بمفهومه الغربي، وهو علم مادي بحت وفر للإنسان راحة الجسم، ولم يوفر له راحة النفس، حقق له الرفاهية المادية، ولم يحقق له السكينة الروحية.. هيأ له الوسائل والأدوات ولم يهيئ له المقاصد والغايات، ولهذا عاش الإنسان مزوق الظاهر فأفسد، خراب الباطن أشبه بقبور العظماء، مشيدة مزخرفة، وليس فيها إلا عظام نخرة. يضيف القرضاوي : رأينا الناس الذين يعيشون تحت هذه الحضارة يشكون من القلق والاكتئاب والخوف والأسى واليأس، والغربة النفسية، والشعور بالضياع وتفاهة الحياة، وإنها حياة لا هدف لها، ولا رسالة ولا طعم ولا معنى، وهذا يحطم الإنسان من داخله.. إن الناس يشكون في هذه الحضارة من الإنحلال الاخلاقي، والقلق النفسي، والتفسخ العائلي، والاضطراب العقلي، والتفكك الاجتماعي ومن إنتشار الجريمة إلى حد يثير الخوف والذعر لدى جماهير الناس. ويقول القرضاوي : لقد بالغت الحضارة الغربية في إعطاء الحرية الشخصية للإنسان ليفعل ما يشاء ما دام لا يعتدي على غيره، فافسدت عليه فطرته، ولم تستطع إشباع نهمه كله، فالشهوات كلما إزداد المرء منها عبا، إزداد معها عطشا، ولا يوجد في الكون كله شئ حر حرية مطلقة، فالبواخر في المحيطات لا يجوز لها أن تتعداها، وإلا هددت بكوارث لا تحمد عقباها ولا تعرف نتائجها. ويطرح د. القرضاوي السؤال الهام وهو ما سر المعاناة في هذه الحضارة ؟ ويجيب : سر ما يعانيه الناس في الحضارة المعاصرة إنها حضارة نسيت الله فأنساها انفسها.. إنها عاشت جسما بلا روح، أو قل: جسم فيل بروح نملة، ويستشهد د. القرضاوي بمقولات من رجال العلم والفكر والأدب هي بمثابة التحذيرات القوية.. من ذلك تحذير كاريل ورينيه دويو من رجال العلوم الطبيعية، ومن الحائزين على جائزة نوبل.. قال كاريل في كتابه «الإنسان ذلك المجهول»: إن الحضارة العصرية تجد نفسها في موقف صعب، لأنها لا تلائمنا، فقد أنشئت دون أية معرفة بطبيعتها الحقيقية، إذ أنها تولدت من خيالات الاكتشافات العلمية، وشهوات الناس، وأوهامهم، ونظرياتهم، ورغباتهم، وعلى الرغم من أنها أنشئت بمجهوداتنا، إلا إنها غير صالحة بالنسبة لحجمنا وشكلنا. أما العالم «رينيه دويو» الأمريكي الجنسية الفرنسي الأصل والحاصل على جائزة نوبل، فقال في كتابه «إنسانية الإنسان»: نحن ندعي أننا نعيش في عصر العلم، إلا أن الحقيقة هي أن الميدان العلمي كما يدار الآن، ليس فيه توازن يسمح للعلم بأن يكون ذا فائدة تذكر في إدارة أمور الإنسان ؟.. لقد جمعنا جسما هائلا من المعلومات حول المادة، وتقنية قوية لضبط واستغلال العالم الخارجي. ومع ذلك لايزال جهلنا فاضحا بالآثار التي قد تنتج عن اللعب بمهاراتنا هذه، وتتصرف في غالب الأحيان، وكأننا آخر جيل يعيش على هذه الأرض. يأتي د. يوسف القرضاوي بعدد وافر من الشهادات لمفكرين وكتاب وعلماء وسياسيين من الغرب الدالة على خواء الحضارة الغربية، يقول الشاعر الألماني «يرو شرت»: نحن جيل بلا رابط ولا عمق.. عمقنا هو الهاوية.. نحن جيل بلا دين، ولا راحة، شمسنا ضيقة، حبنا وحشية، وشبابنا بلا شباب، إننا جيل بلا قيود، ولا حدود ولا حماية من أحد، أما الرئيس الأمريكي ويلسون فقال قبيل وفاته: إن اختصار المسألة هو: «إن حضاراتنا لا تستطيع البقاء والإستمرار من الناحية المادية إلا إذا استردت روحانيتها». ينتقل الدكتور القرضاوي إلى الإمساك بنقطة مكملة لما سبق وتبين جانبا مما جعل الحضارة الغربية تساهم في شقاء الإنسان.. والنقطة التي ذكرها د. القرضاوي، هي أن العلم في الغرب ولظروف تاريخية معروفة، نشأ بمعزل عن الدين، بل نشأ مضاد للدين، فقد وقفت الكنيسة وقفتها المعروفة في التاريخ، معادية للعلم ومكتشفاته، فتر العلم، ومضى وحده، وحسب العلماء أن طبيعة الدين أن يقف في وجه العلم فأعرضهن عن الله - مصدر الدين- ولم يذكر اسمه في بحوثه وإبتكاراته وإنجازاته. وإذا كان العلم الطبيعي لم يستطع أن يحرر الإنسان من شقائه وضياعه. فإن الفلسفة لم تستطع أيضا القيام بهذه المهمة، فهي أثارت أسئلة عويصة ولم تجب عنها، أو أجابت إجابات ينقص بعضها البعض.. القاهرة ـ مكتب «البيان»: