لقد توجهت عناية الله عز وجل بالانسان أن يدعوه الى إحقاق الحق والاتجاه اليه وحده بالعبادة، فأرسل اليه الرسل بذلك، «ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين» (36/ النحل)، ولأن فطرة الانسان أصلا تقرر الوجود لله عز وجل، فقد كان مشركو مكة إذا سئلوا عنه أجابوا بالإقرار والايجاب التلقائي، الذي يتناسب مع نداء الفطرة، التي أثبتها الحق تبارك وتعالى في قوله: «وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا: بلى شهدنا، أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون» (172، 173/ الأعراف). فكانوا إذا ألقى عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم سؤالاً تقريريا عن الخالق الأعظم للكون والأحياء واليه مرجع الأمر كله، قالوا هو الله، وسجل عليهم القرآن ذلك صراحة، في قوله عز وجل: «ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله» (25/ لقمان) وفي قوله سبحانه وتعالى: «ولئن سألتهم من خلق السموات والارض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله» (61/العنكبوت) وفي قوله جل وعلا: «ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله» (87/ الزخرف) إذن فذلك نداء الفطرة النقية، لايستطيع إنكاره أحد من بني البشر، ولكن مجرد الاقرار بذلك ثم التوجه الى غيره بالعبادة والخضوع الذي لايليق إلا به وحده، هو ظلم بين وجرم كبير، جاءت الرسالات بمنعه، وبعث العقلاء لرفعه، وهو مراد الله من خلقه فقد قال تعالى: «وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون» (56/ الذاريات) وروى البخاري ومسلم عن معاذ بن جبل رضى الله عنه قال: «كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار، فقال لي: يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد؟ وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولايشركوا به شيئا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لايشرك به شيئا، قلت: يا رسول الله، أفلا أبشر الناس؟ قال: لاتبشرهم فيتكلوا».إ ذن فربنا تبارك وتعالى لم يبعث الرسل لإقرار أنه موجود، أو انه رزاق أو أنه خالق باريء مسيطر، أو أنه غياث لمن يضطر للجوء اليه، وانما بعث الرسل، وأرسل الرسالات، لكي ينفض الناس عن كواهلهم زحمة الأرباب، وفوضى الألوهية، وقصر التوجه بالخضوع والتذلل للإله الحق وحده، فله وحده يجب ان تخى الجباه وتذل الكبرياء، وهي في خضوعها وتذللها ترتفع وتسمو في مراقى الانسانية العليا. وإذا كان المشركون أنفسهم حفظوا لله الحق علو شأنه وارتفاع قدره على الآلهة المزعومة، حتى سماه بعضهم (رب الأرباب) أو (إله الآلهة) حيث يلجأون اليه وقتما يتصورون عجز غيره، مصداقا لقوله تعالى: «أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون» (62/ النمل) وقوله عز وجل: «هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى اذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين، فلما انجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ثم الينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون» (22 ـ 23/ يونس) وقوله عز من قائل: «قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعاً وخفية لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين. قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون» (63 ـ 64/ الانعام). غير أن الله عز وجل لايرضيه أن يلجأ الناس اليه في شدائدهم فقط ثم يعبدون غيره دائما، فإن ذلك لاشك يكون ظلما عظيما، وجوراً مبينا، وعبثا بالعقول، وفي الحديث القدسي: «اني والجن والانسان لفي نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواى» ومن هنا يتبرأ من كل عمل فيه شبهة شرك، فيقول: «أنا أغني الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه، وهو كله للذي أشرك». وبعد الاسلام ووضوح خطابه للعالمين، لايتصور ان يكون هناك مسلم من بين المسلمين يرى استواء رب العالمين مع غيره أيا كان هذا الغير، ولكن قد يسول الشيطان لبعض المسلمين أن أحداً من الخلق يتمتع بمنزلة عند الله تسمح له بنفع أو ضر أو تصريف أمر، ومن ثم يكون أهلاً لتوجيه بعض الأعمال التعبدية إليه، أو اثبات نوع من التقديس والتعظيم له، أو الاستعانة به، أو الاستغاثة بمقامه، أو الترويج لرجاء خيره. علي عيد