الرحلة، التي قمنا بها في متابعة تطور علم الجمال، انطلاقاً من اعتقادنا بأن دراستنا للمساجد كواحات لجماليات المكان تضرب جذورها في صميم هذا العلم، ليست ترفاً، ولا ممارسة اكاديمية، وانما هي ضرورة نعتقد ان هناك ما يحتمها. هنا قد يبادر قارئ الى الاعتراض، فيذهب الى حشد من التساؤلات التي قد يصحبها غير قليل من الاستنكار، ويهتف بنا قائلاً: هل يعني هذا انه يتعين علي التعمق في معطيات علم الجمال لكي اوضح لنفسي اسرار حب حقيقي يربطني بمسجد الجميرا على سبيل المثال؟ هل لابد لي من هذا الايغال في فهم اسرار هذا العلم لكي افسر لنفسي سر القلق الذي يعتريني ازاء المحاولة المرتبكة التي يقوم بها المصمم لتحقيق الشبه بين مسجد الملك فيصل بالشارقة وبين السفينة؟ هل لابد من هذا لكي اشارك المهندس حسن فتحي حماسه وحبه لمسجد السلطان حسن الذي يشمخ غير بعيد عن قلعة صلاح الدين الايوبي؟ هل لابد لي من هذا ايضاً اذا اردت ان انحاز الى اسماعيل سراج الدين في تفضيله لمسجد قايتباي على مسجد السلطان حسن؟ وابادر الى القول ان من حقي ان احس بأي من هذه المشاعر، وان اتبنى ما اشاء من هذه التفضيلات، لكن علم الجمال هو وحده الذي يتيح لي ان افهم هذه المشاعر وتلك التفضيلات كخبرات جمالية، وان اعي اسرارها، وان ارتاد مجاهلها، وان افتح مغاليقها. لكي اوضح ما اعنيه هن دعني اتطرق الى جانب واحد من جوانب رحلة متابعة تطور علم الجمال التي قمت بها، تاركاً للقارئ ان ينسج على منوال ما قمت به، وان يقوم بمحاولات للتطرق الى جوانب اخرى من هذه الرحلة الطويلة. هذا التطرق الذي قصدته والذي يتعلق بمحاولة القاء الضوء على مساهمة هيجل في تأصيل علم الجمال واثرائه يعكس اهتماماً قديماً، يرجع الى صدر العمر، بالمدرسة المثالية الالمانية، وادين بالفضل فيه لاستاذنا المغفور له باذن الله تعالى دكتور حامد عبدالله ربيع. محطات للتأمل غير ان من شأن هذا التطرق ان يتحول الى قراءة تفصيلية بلا حدود، ويكفي ان نتذكر الاهتمام الهائل الذي حظي به كتاب «محاضرات في علم الجمال». فدعنا نكتفي اذن بنقاط جد محدودة، نسجلها لانفسنا، ونعكف على تأملها، واثقين من الجدوى التي لا موضع للشك فيها لهذا التأمل: ـ موضوع علم الجمال هو الجميل في الفن الذي يبدعه الانسان، ولهذا يمكن ان يسمى هذا الفن باسم «فلسفة الفن» او ان شئت الدقة فقل «فلسفة الفنون الجميلة». والاعتراض الفوري على هذا الطرح من جانب هيجل هو ان هذا التعريف لموضوع علم الجمال من شأنه ان يستبعد الجميل في الطبيعة. ويرد هيجل على هذا الاعتراض بأن يقرر، من البداية، ان الجمال في الفن اسمى من الجمال في الطبيعة، لان الجمال في الفن يتولد من الروح. وبمقدار ما ان الروح وابداعاتها اسمى من الطبيعة وتجلياتها، فكذلك الجمال الفني اسمى من الجمال في الطبيعة، بل لو غضضنا النظر عن المضمون فإن الفكرة الرديئة التي ربما تخطر ببال احد من غمار الناس تظل اسمى من اي ناتج طبيعي، لان في هذه الفكرة توجد دائما الروح والحرية. وهذا التصور الذي يطرحه هيجل نابع من مذهبه العام، القائل ان كل ما هو موجود معقول، وان الطبيعة مظهر من مظاهر العقل في ادنى مستوياته في الوجود، ولهذا فانه كلما زاد نصيب العقل ـ او الروح وهما دائماً بمعنى واحد عند هيجل ـ كان الموجود افضل، ولهذا فانه يرى ان الجمال في الفن اسمى من الجمال في الطبيعة الجامدة، لأن الاثر الفني ينطوي على قدر اكبر من الروح، وبالتالي من الحرية، والروح والحرية هما اسمى ما في الوجود. ـ يرى هيجل ان اول تحقيق للفن هو المعمار، وفي هذا المجال فانه كلما كان المضمون اعمق، فإن الشكل سيكون اكثر تعبيراً واكثر عينية، وبالمقابل فإنه كلما كان المضمون سطحياً، غامضاً، فإن الشكل سيكون اقل تعبيراً، واقل عينية، ومن منظوره فإن مهمة المعمار هي ان يطبع في الطبيعة اللاعضوية تحويلات تقربها من الروح بواسطة سحر الفن. ويلفت نظرنا بشدة قوله ان المعمار لا يقوم الا بشق الطريق الى الحقيقة التي تتناسب مع الله، فهو يعمل في الطبيعة ويسعى الى تخليصها من ادغال التناهي وتشويهات ماهو عرضي، انه يمهد الطريق المؤدي الى الله، ويشيد له معابد، وينظف التربة، ويعالج المواد الخارجية لتظهر وتصبح صالحة للتعبير عنه، ان المعمار يهييء المكان للاجتماعات الخاصة، ويشيد حرما آمنا لاعضاء هذه الاجتماعات، وسترا يحميهم من العاصفة التي تهددهم، من المطر وتقلبات الاحوال الجوية، من الوحوش، والمعمار ايضا يعبر في الخارج عن ارادة الوجود معا باعطائه شكلا عينيا مرئيا، فتلك هي رسالة المعمار، وذلك هو المضمون الذي يجب عليه ان يحققه، هكذا فانه بفضل المعمار تجري في العالم اللاعضوي عملية تطهير، تتم وفقا لقواعد التماثل (او السيمترية) فيقترب من الروح، ويبرز معبد الله وبيت امته. ـ يفصّل هيجل القول في خصائص مختلف الفنون، ومن بينها المعمار والنحت والتصوير والموسيقى والشعر، ثم يتطرق الى تحديد علاقتها بالزمان والمكان ويهمنا هنا ان نحقق اطلالة موجزة على تصوره لعلاقة المعمار بالمكان، حيث يشير الى ان الزمان والمكان هما الشكلان العامان للعالم المحسوس، فهما تجريدان عامان للمحسوس، واذا نظرنا الى الفنون من هذه الناحية، فان المعمار يتخذ من المكان ذي الابعاد الثلاثة مادة لامتثاله، لكن بحيث يكون للتحديدات الاساسية للمكان، من زوايا وسطوح وخطوط انتظام يفرضه عليها الذهن، والاشكال هنا هي تبلورات خلت من الروح، فالهرم لا يحتوي الا على اله غائب، اما النحت فيعطي المكان كله شكلا عضويا، ثم تأتي الفنون الرومانتيكية فيبدأ المكان في ان يصير مجردا، فالتصوير يعمل في السطوح الممتدة وتشكيلها، وهذا المكان المجرد ينتهي بان يختزل الى نقطة تصير نقطة الزمان، والعنصر المحسوس للزمان هو عنصر الموسيقى. اما في الشعر فان هذه النقطة تناظر الزمان ايضا، هكذا فان التقسيم الذي يعتمده هيجل يقوم على علاقات الفنون، بالزمان والمكان، غير ان هذه العلاقات مجردة، حيث يصير المعمار هو التبلور، ويغدو النحت هو الشكل العضوي للمادة، ويصبح التصوير هو السطح والخط، اما في الموسيقى فان الزمان يرد الى النقطة، واخيرا نجد انه يحدث في الشعر تحديد آخر، فعند هذه النقطة العليا يتجاوز الفن نفسه ويصبح نثرا وفكرا. ـ يحرص هيجل على ان يلفت نظرنا الى ان ماتحققه الفنون الجزئية في كل عمل فني، منظورا اليه على حده، هو الاشكال العامة للفكرة من خلال الجمال وهو في غمار النمو والتطور. والفن يبدو كما لو كان بمثابة «بانتيون» او مجمع للآلهة، مهندسه المعماري هو روح الجمال وهي تدرك ذاتها، وكذلك عامل البناء فيه، ولن يتم هذا البناء الا بعد الوف السنين من التاريخ الكلي. هكذا تكلم الغزالي يحدثنا هيجل طويلا، في اطار رصده للمثل الجمالي الاعلى، عن انه لما كان الشكل في الجمال الطبيعي مجردا فانه محدد، وهو ينظم التنوع الخارجي تبعا لهذا التحديد، وهو يسمي هذا التحديد انتظاما، وتماثلا، واذا اعتبرناه خاضعا لقوانين فاننا نسميه انسجاما، وهذه المفاهيم الثلاثة، اي الانتظام والتماثل والانسجام لابد ان تشغلنا طويلا في غمار تأملنا للجمال. غير ان هذا التأمل لابد ان يقطعه سؤال مؤرق يفرض نفسه بقوة: اذا كانت هذه الرحلة عبر محطات تطور علم الجمال واذا كنا قد توقفنا عند جانب من اسهام هيجل كنموذج يمكن تكراره بالنسبة لاي محطة من هذه المحطات فأين ملامح الرؤية الاسلامية للجمال؟ الواقع ان الاجابة عن هذا السؤال ستظل تشغلنا على امتداد كل سطر من سطور هذا الكتاب، بحكم طبيعة موضوعه، ولو اننا توقفنا لنقدم اجابة تفصيلية عليه، لكان معنى ذلك ان نجد انفسنا بازاء كتاب مواز عن الاسهام الحضاري الاسلامي في تفهم الخبرة الجمالية. مع ذلك، فإنني سأقبل التحدي، المتمثل في طرح مجموعة من الافكار العامة بأوسع المعاني حول الرؤية الجمالية الاسلامية، مع الاعتراف والتأكيد على ان هذه النقاط ليست الا افكاري انا، في هذه اللحظة وهنا، مطروحة بشكل عام، وعابر، وعلى مسئوليتي، وليست محاولة من اى نوع لتأصيل موضوع على هذا الجانب من الاهمية والتعقيد، فان وفقت فقد حققت لهذا التقويم جانبا من تكامله الضروري، وان اخفقت فاللوم يقع على كاهلي، وليس على كاهل احد غيري. ـ اولا: اي اطلالة على المساهمات الفنية الاسلامية لابد للقائم بها من ان يرصد، على الفور تقريبا، حرص الفنان المسلم على تحقيق التناسق العام والتوازن بين الاجزاء وكمال التكوين الفني، وهي جوانب نجدها في كل ابداعات الفن الاسلامي، الامر الذي يدفعنا الى اعتبارها اهم العناصر الاسلامية في هذا الصدد، ومن هنا ليس من قبيل الصدفة ان نجد الامام الغزالي لايتردد في القول في كتابه «كيمياء السعادة» عبر نص فاتن، شديد الدلالة، يتحدى النسيان ان: «كل شيء جماله وحسنه في ان يحضر كماله اللائق به الممكن له فاذا كان جميع كمالاته الممكنة حاضرة فهو في غاية الجمال.. والخط الحسن كل ما يجمع ما يليق بالخط من تناسب الحروف وتوازيها واستقامة ترتيبها وحسن انتظامها، ولكل شيء كمال يليق به، وقد يليق بغير ضد، فحسن كل شيء في كماله الذي يليق به فلا يحسن الانسان بما يحسن به الفرس ولا يحسن الخط بما يحسن به الصوت. ولا تحسن الاواني بما تحسن به الثياب وكذلك سائر الاشياء». ـ ثانيا: على الرغم من صعوبة التعميم في مجال على هذا القدر من الدقة الا انه يتضح من مجمل ابداعات الحضارة الاسلامية ان المسلمين توصلوا الى الاحساس بالتناسق الداخلي في الاعمال الفنية على اربعة مستويات اساسية: أ ـ المستوى الاول: الجاذبية الجمالية، هذا المستوى الذي قد يعده صاحب الرؤية الميتافيزيقية ادنى المستويات، ليس بالوسع تجاهله، وفي هذا الصدد يقول جلال الدين الرومي في الجزء الاول من المثنوي بوضوح استثنائى: «كل ما كان جميلا رائق الحسن صنع من اجل الاحساس السليم الذي يدركه ويتذوقه». ويوضح الغزالي بدوره جوهر هذا المستوى في ايجاز بالغ الدلالة حيث يقول في الجزء الرابع من «احياء علوم الدين» ان «كل ما ادراكه لذة وراحة فهو محبوب عند المدرك». ب ـ المستوى الثاني: مخاطبة الحساسية الانسانية ـ هنا نجد ان تصميم العمل الجمالي يلبي حاجة نفسية ملحة، او ان شئت فقل انه يخاطب الحساسية الانسانية، التي يزعجها ما يحيط بها من المناظر الطبيعية التي لم تمسها يد التهذيب، والمشاهد التي لاترتاح اليها النفس في شوارع القرى والمدن المتداخلة ذات الالتواءات والمنعطفات فيأتي الرد على هذا كله في صورة التناسق الشكلي الخطي الذي قد تكون خطوطه مستقيمة في حالة الاعمال المعمارية والحدائق ثم يزداد جمالا باغنائه بالالوان التي تعتبر اسلوبا فنيا لمواجهة الملل والرتابة الماثلين في الرمال او الصخور التي تملأ الافق. من هنا فليس من قبيل الصدفة ذلك الحرص الدائب على التغطية المعمارية للجدران باشكال لاحصر لتنوعها على نحو ما نجد في الآجر الفارسي والفسيفساء القيشاني والقطع الفنية المتخذة من الطين المحروق في وسط اسيا وكذلك في كسوة الجدران بالرخام ذى الالوان المتعددة في مصر والشام واستخدام الزليج اي مربعات القيشاني الملونة، على امتداد الاندلس والمغرب العربي. ج ـ المستوى الثالث: النظرة الاخلاقية ـ هذه نظرة اخرى مختلفة الى العمل الفني، غالبا ما يتبناها ذوو الطبائع التأملية، حيث يمنحهم تأمل الفن بصورة اعمق سرورا داخليا ومن هنا يأتي القول بالنظرة الاخلاقية للفن، لان اصحاب هذه النظرة يرون الفن على انه صورة للفضيلة. ومرة اخرى يعبر الامام الغزالي بدقة في الجزء الرابع من «احياء علوم الدين» عن هذه النظرة بقوله: «فمن رأى.. حسن نقش النقاش وبناء البناء انكشف له من هذه الافعال صفاتها الجميلة الباطنة، التي يرجع حاملها عند البحث الى العلم والقدرة». د ـ المستوى الرابع: الادراك الاسمى للحقائق ـ ذلك هو اعلى المستويات في تأمل الفن في الحضارة الاسلامية، ويتبناه من ينظرون اليه نظرة ميتافيزيقية وبصفة خاصة بعض الصوفيين، وهي نظرة تصل في جوهرها الى استبصار اسمى، يتجاوز بكثير المظهر السطحي للاشياء، ويتمثل ذلك في الجزء الرابع من «احياء علوم الدين» حيث يقول الامام الغزالي: ان الجمال ينقسم الى جمال الصورة الظاهرة المدركة بعين الرأس والى جمال الصورة الباطنة المدركة بعين القلب ونور البصيرة، والاول يدركه الصبيان والبهائم والثاني يدركه ارباب القلوب، ولا يشاركهم فيه من لا يعلم إلا ظاهراً من الحياة الدنيا، وكل جمال فهو محبوب عند مدرك الجمال، فإن كان مدركا بالقلب فهو محبوب القلب. ـ ثالثا: الكمال الفني، كما ادركه الفنان المسلم، هو في جوهره امتداد ونظير للانسان الكامل، وتجد هذه الفكرة اقوى تعبير لها عند محيي الدين بن عربي، الذي يرى في الانسان الكامل كائناً يجمع في نفسه صورة الحق جل وعلا وصورة العالم، وهو وحده الذي تتجلى فيه الذات الالهية بكل الصفات والاسماء، بما فيها الجمال وهو المرآة التي تنكشف له فيها ذاته. ـ رابعا: يلفت نظرنا حقا ان اتجاه الفن الاسلامي الى المحافظة على انسجام نمطي عام جعل هذا الفن اقرب الى لغة مشتركة يفهمها ويدركها ويتذوقها المسلمون، ويستمتعون بها، ويستحضرونها في كل مكان، ومن هنا جاء التأثير الكبير لهذا الفن في حياة امة ذات رسالة كفاحية، التقشف منهاجها، وان لم يعن ذلك قط افتقارها للحساسية الانفعالية. ـ خامسا: في اطار الرؤية العامة للفن الاسلامي، لابد من التوقف عند خاصية بعينها في العمارة الاسلامية، فمن الثابت انه كان لبعض المتصوفة المسلمين، بما اوتوا من روحانية وعلم باطني، في عمارة المساجد معتقدات لها رموزها عندهم، ومن هنا درجوا على املاء تلك الرموز والاسس على البارعين من رؤساء البنائين والحرفيين، واعتاد هؤلاء بدورهم على تبسيطها في صورة اعمال واشكال للصناع والعمال فينفذها هؤلاء رموزاً واشكالا تربط بين تلك الحكمة الخفية والمظاهر الجلية، وبهذا تأكدت على مر الزمن ديمومة الاشكال والرموز وما بها من تشابه في البلاد الاسلامية عامة ولهذا، بالضبط، فإنه له ليس من قبيل الصدفة ان يجد القارئ المقولات الصوفية تنتشر في هذه الموسوعة انتشار النسغ في النبات. هذه القيم الجمالية ما اشرنا اليه حالا في النقطة الرابعة التي اوردناها قبل قليل من اتجاه الفن الاسلامي الى المحافظة على انسجام نمطي عام لا يعني بالضرورة امكانية التسليم بالوحدة التامة في العمارة الاسلامية خلال الفترة الممتدة بين عامي 650 و1700 ميلادية والمثير للدهشة حقا اننا نجد ان بعض المستشرقين يعجزون عن التمييز بين طرز العمارة الاسلامية المتغيرة على مر العصور وبين تطور كل من فنى العمارة والزخرفة ولا يترددون في ادراج العمارة الاسلامية ضمن الفنون الجامدة. ويعزو دكتور ثروت عكاشة في كتابه «القيم الجمالية في العمارة الاسلامية» هذا الحكم الجائر الى ان هذه الفئة من المستشرقين لم تدرك غير الوحدة العامة في الطابع التي يتميز بها فن العمارة وفنون الزخرفة الاسلامية بما فيها الكتابة، وعجزت عن ادراك التنوعات الدقيقة في التفاصيل واغفلت اهم خصائص العمارة والفنون الزخرفية الاسلامية، وهي تحاشي تكرار الصيغ الزخرفية حتى في المبنى الواحد. وهو يقدم لنا مثالاً جديراً بالاهتمام حقا، وهو مثال تحاشي التكرار على نحو مذهل في جامع ابن طولون، ففي هذا المبنى الفريد نجد ان نوافذه الجصية التي يبلغ عددها مئة وثماني وعشرين نافذة تختلف كل منها عن الاخرى في تصميمها وزخارفها وينقل عن المهندس فريد شافعي وصفه لهذه النوافذ بأنها «ألواح من الحجر أو الرخام او الجص، زخارفها فراغات تحيط بها اطارات ذات اشكال هندسية او نباتية او كتابية، وبعد ان كانت تلك الالواح مفرغة تماما تطورت الى وضع قطع من الزجاج الملون تسد الاجزاء المفرغة يتجلى جمالها اذ شوهدت من داخل الاماكن التي وضعت في جدرانها، واطلق على هذا النوع من الزخارف اسم السمسيات او القمريات» . وفي هذا المثال، يلفت نظرنا كذلك الى ان تحاشي تكرار الصيغ لا يقتصر على النوافذ، وإنما يمتد الى العقود التي تتنوع بطونها في الرواق الغربي لجامع ابن طولون، حيث لا تتكرر اي صيغة زخرفية على الاطلاق، وبالتالي يتحقق التنوع المطلوب من الناحية الجمالية، وهكذا تتكامل العمارة والزخرفة في ابراز القصد الفني. هذه النقطة، على وجه التحديد، من شأنها ان تنقلنا الى التساؤل عن طبيعة القيم الجمالية في العمارة الاسلامية. ولابد من ان نلاحظ على الفور تقريبا ان هذه القيم تختلف عن القيم الجمالية في العمارة الاوروبية الامر الذي لا يجوز معه تطبيق القواعد الجمالية الاوروبية على العمارة الاسلامية. هكذا، فإننا نستطيع الحديث عن العديد من القيم الجمالية في العمارة الاسلامية، وفي مقدمتها الضخامة او الصرحية، الاتساق، الوحدة، الرصانة والجلال، وغيرها كثير، فدعنا نحاول القاء بعض الضوء على جانب من هذه القيم: ـ الضخامة: او ان شئت تسميتها بالصرحية، عنصر ذائع ومنتشر في العمارة الاسلامية، وهو لا يقتصر على المساجد وحدها، وإنما ستجده في القصور والمجموعات الجنائزية وغيرها من تجليات العمارة الاسلامية، لكن المساجد هي ـ بالطبع ـ الساحة التي تبرز فيها هذه القيمة كأوضح ما تكون. ولعلنا لاننسى هنا ما لفت المهندس حسن فتحي نظرنا اليه من ان المعماري المسلم الذي ابدع اعمالا صرحية هائلة لم يهمل المقياس الانساني، حيث عمد الى تجزئة عناصر المبنى وتوزيعها بطريقة منطقية تجمع بين وحدة التصميم وتعدد العناصر، التي ينبغي ان تنشأ عند تزايد الحجم مع الاحتفاظ بالمقياس الانساني. وقد سبق لي ان ضربت مثلا محددا في هذا الصدد، وأحسب انني سأعود اليه مرارا وتكرارا، وهو جامع السلطان حسن ومدرسته، وقد كان السلطان حسن نفسه يتباهى بأن ايوان مدرسته يفوق ايوان كسرى ارتفاعا. وإذا كنا بحاجة الى من يوضح لنا سحر جماليات هذا العمل المعماري الجريء فإن المستشرق جاستون فييت في كتابه «مساجد القاهرة» يوضح لنا جانبا منه، مستعيرا تعبيراته من قاموس الموسيقى فيقول اننا لا نملك تجاه هذا الاثر الفريد الا ان نحس بأننا بين يدي سيفونية كاملة، اشترك فيها الاوركسترا بكافة عناصره في عناية ودقة بالغين، وباحساس مرهف مدرك للفروق مهما دق شأنها فليست هذه التحفة مجرد تآلف بين عدد غير محدود من النغمات او ربط بين مجموعة محدودة من الألحان فحسب، بل انها شيء يفوق ذلك كله، فبفضل جاذبية التوافق الهارموني وسحر التوزيع الاوركسترالي يرتفع العمل ككل واحد الى ذروة التعبير الفني، فلقد عرف المعماري كيف ينقل تأثيره الى اعماق النفس باخضاع العناصر الزخرفية للمفهوم المعماري ككل، بحيث تصبح خادمة له، ساعية بين يديه. ـ الاتساق: لا يبرز الاتساق في العمارة الاسلامية في شيء قدر بروزه في الزخارف، التي حرص الفنان المسلم على ان تملأ ما أمكن من الفراغات فوق الاسطح الظاهرة. ويلفت دكتور ثروت عكاشة نظرنا في هذا الصدد الى ان قواعد التصميم في توزيع المسطحات المزخرفة في العمارة الكلاسيكية التي تقوم على اساس نظام الاعمدة الحاملة والاعتاب المحمولة تختلف عنها في العمارة التي تقوم على اساس «نظام الجدران» كالعمارة الاسلامية والرومانية، فعلى حين توزع الزخرفة في الاولى على الاجزاء المحمولة من دون الحاملة، نجدها في الثانية حيث الجدار موحد السطح غير مقسم الى حامل ومحمول قد تشغل المسطح كله من دون ان توهن قوة المبنى من قيمه الجمالية. القدرة على الصمود ـ الوحدة: المقصود بها اتسام اعمال العمارة الاسلامية في تصميمها بالوحدة العضوية، اي تكامل عناصر على نحو محكم يحاكي تكامل اعضاء الجسد الواحد بنسب ثابتة. غير انه ليس بين ايدينا، ربما بحكم النكبات التي عرفها التاريخ الاسلامي على امتداده او بحكم تعدد الجوانب الغامضة في نظام الطوائف في المجتمع الاسلامي، من المخطوطات او الوثائق ما يوضح لنا على وجه الدقة الى اي حد كان المعماريون والبناؤون والصناع والحرفيون المسلمون على علم بتلك الآراء المنطقية والمجردة التي تعد العمارة علما يقوم على نسب معينة، والتي كان المعماريون في العصر القوطي ثم في عصر النهضة، من أمثال بالاديو والبيرتي يكشفون عنها في أعمالهم. ويلاحظ انه بالاضافة إلى الوحدة في التصميم، فقد حرصت الأجيال المتتابعة من المعماريين والبنائين والحرفيين المسلمين على الحفاظ على وحدة الطابع وتشابه الروح حتى في المبنى الواحد، الذي كان من الحتمي أن تمتد اليه الايدي بالترميم والتجديد عبر القرون، ويبدو ذلك الحرص كأوضح ما يكون في المسجد الجامع بقرطبة، الذي استغرق انشاؤه وانجاز الاضافات والتجديد مئتي عام بمشاركة مئات من الحرفيين، الذين ينتمون الى أجيال متعاقبة، ولم ينل هذا القدر الهائل من العمل من الوحدة المعمارية للمسجد. والأمر عينة نلحظه في مسجد ابن طولون بالقاهرة ذي الطابع الفريد من نوعه، فقد ظل محتفظا بوحدته المعمارية على الرغم من العدد الهائل من عمليات الترميم والتجديد التي كان موضوعا لها، والتي كان أهمها ما أوصى به حسام الدين لاجين بعد اربعة قرون من تشييد المسجد من عدم الخروج على عمارته الأصلية أو تغيير طابعها العراقي، لا سيما عند اعادة تشييد المئذنة الملوية على غرار ملوية سامراء. ـ القدرة على الصمود: أدت عناصر عديدة الى فناء جانب ليس باليسير من نتاج العمارة الاسلامية، منها الكوارث الطبيعية، الغزوات، الحروب، استخدام مواد بناء كفيلة بقصر عمر المباني، كالطوب اللبن، غير ان العمارة الدينية شكلت الاستثناء البارز، فالمساجد والمدارس والمجموعات الجنائزية حظيت على الدوام بالحجارة كعنصر للبناء وبالعبقرية المعمارية وسيطا للابداع، وبالاوقاف وسيلة للاستدامة واطالة العمر والترميم والتجديد. هكذا حظيت مساجد عديدة على امتداد دار الاسلام بالقدرة على الصمود في وجه عاديات الزمن. وعلى الرغم من ان تاريخ العمارة الاسلامية قد عرف كوارث حقيقية فيما يتعلق بهذا البعد بالذات اي القدرة على الصمود زمنيا، يحضرنا منها بصفة خاصة انهيار احدى مآذن مسجد السلطان حسن بعد سنتين فحسب من انتهاء بنائها، وكذلك تحول مسجد علي شاه في تبريز الى حطام بعد بنائه بخمس عشرة سنة فقط، الا ان هذا كان الاستثناء الذي يؤكد القاعدة، فلا حصر للمساجد التي شيدت منذ مئات السنوات وظلت صامدة، ويكفي ان نشير في هذا الصدد الى ان العديد من مآذن القاهرة التي يقترب عمرها من ألف عام أو يزيد ظل صامدا حتى في مواجهة الزلزال العنيف الذي ضرب المدينة في تسعينيات القرن العشرين. أخيرا، لابد من القول ان هذه الاطلالة على معطيات علم الجمال وعلى قيم العمارة الاسلامية لا تعني تجاهل الجانب العملي الذي يضرب جذوره في صميم التجربة المعمارية كتجربة تاريخية، الأمر الذي يحتم علينا ان نتلمس تضاريس العلاقة بين المدينة والدين، وهي تضاريس لا ينقصها التعقيد ولا الخشونة ولا الغموض.