«الشيخوخة بين القرآن والسنة والعلم الحديث».. هو موضوع البحث العلمي الذي أعده د. أحمد شوقي ابراهيم. زميل كلية الأطباء الملكية بلندن ورئيس لجنة الاعجاز العلمي للقرآن والسنة بالمجلس الأعلى للشئون الاسلامية.. حيث يقول ان جسم الانسان يمر في حياته بأطوار مختلفة من أطوار الخلق.. فهو يخرج من بطن أمة طفلا لا يعلم شيئا من أمر الدنيا ثم ينمو جسمه شيئا فشيئا وتبدأ حواسه في العمل ثم يكبر الجسم ويصير الانسان شابا قويا ثم يصير كهلا.. وفي طور الشيخوخة يضعف الجسم شيئا فشيئا وتهاجمه الأمراض البدنية المختلفة في كل مكان. وفي ذلك يقول الله تعالى «الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير». وجسم الانسان يمضى في الربع الأول من حياته في نمو وزيادة بينما يمضى الثلاثة أرباع الأخرى في شيخوخة تدريجية ومستمرة. وليس للشيخوخة عمر محدد فبعض الأجسام تشيخ في عمر مبكر والبعض الآخر لا يشيخ الا بعد عمر طويل.. فليست الشيخوخة معتمدة على العمر فقط وانما على عوامل أخرى كالوراثة والبيئة والأمراض العضوية التي تصيب الجسم كما تعتمد على صحة الشرايين. مع مرور الزمن تصل المرأة الى منتصف العمر الذي هو بين الأربعين والخمسين وفي آخر هذه المرحلة ينقطع الطمث بسبب عجز المبيض عن افراز الهرمونات وقد يصاحب ذلك أعراض تشعر بها المرأة مثل الاحساس بالسخونة في الجسم والضيق النفسي والتوتر العصبي ونزول العرق وتفقد قدرتها على الانجاب.. أما الرجل فلا تتوقف عنده القدرة على الانجاب الا بعد ان يدخل في الشيخوخة. ومثال ذلك قصة نبي الله ابراهيم عليه السلام وزوجته في سورة هود «وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها باسحق ومن وراء اسحق يعقوب، قالت يا ويلتي أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا ان هذا لشيء عجيب» قال بعض المفسرين.. فضحكت أي حاضت تحقيقا لبشارة الملائكة «وامرأته قائمة وضحكت فبشرناها باسحق ومن وراء اسحق يعقوب» وقال بعض المفسرين: ضحكت أي ضحكت فعلا.. تعجبا.. أو ضحكت من خوف زوجها من ثلاثة نفر وهو في حزمة وحشمه. ولا نتفق في تفسير الآية الكريمة مع الطرفين. فليس معنى ضحكت حاضت ـ وان كان ذلك صحيحا لغويا ـ كما أنه من غير المعقول ان تضحك من اضطراب زوجها وخوفه من قوم قدموا اليه زائرين فهذا لا يكون من امرأة نبي. ولكنها ضحكت فعلا تعجبا ودهشة وهي عجوز عقيم لا تحيض وقد أحست بتحرك الجنين في بطنها فلو كان المعنى أنها حاضت تحقيقا للبشارة لسألت عما هو بعد الحيض وهو الحمل ولقالت يا ويلتا أحمل وأنا عجوز .. ولكنها وقد أحست بتحرك الجنين في بطنها سألت ضاحك مندهشة عما سيكون بعد الحمل وهو الولادة قال تعالى يحكي على لسانها «قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا ان هذا لشيء عجيب». وقولها هذا اشارة الى موجود واضح وهو ان بعلي شيخا.. أي ان زوجها هذا الذي هو أمامي شيخ لا ينجب. وحدوث الحمل الذي أحس به شيء عجيب. ولا ندري لماذا غاب عن بعض المفسرين هذا المعنى في الآية الكريمة مع وضوحه. مع تقدم العمر تحدث تغيرات بيولوجية في خلايا الجسم. ومن ذلك الجلد والشعر فتقل مرونة الجلد ويضمر ويرتخي ولذلك تتغير ملامح الوجه. كما ان الشعر يجف ويتساقط ويشيب الرأس. ففي سورة مريم يقول الله تعالى «ذكر رحمة ربك عبده زكريا، اذ نادى ربه نداء خفيا، قال رب إني وهن العظم مني وأشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك ربي شقيا». ولقد أشارت الآية الكريمة الى ضعف العظام في جسم الانسان في طور الشيخوخة. ونفهم ان تضعف الذاكرة وتضعف العضلات ويضعف الجلد ولكن كيف يضعف العظم وهو جسم صلب لا يلين الا اذا مرض بمرض لين العظام وهو مرض غير متعلق بالشيخوخة؟. جاء لنا التقدم العلمي بتفسير قول الله تعالى «وهن العظم مني». في أثناء الشيخوخة يحدث ما يسمى بتخلخل العظام أو هشاشة العظام فتتناقص كتلة العظم تدريجيا. وتعمل الهرمونات الجنسية في كل من الرجل والمرأة على انشاء الأنسجة البروتينية في العظام.. فاذا أقبلت الشيخوخة قلت تلك الهرمونات وبالتالي يقل بناء الأنسجة البروتينية في العظام فيحدث تخلخل بالعظام وضعف بها ووهن وتصير سريعة الكسر. وفي الشيخوخة يحدث ضعف آخر في العظام بسبب تآكل الغضاريف وما يصاحبها من التهاب مزمن بالمفاصل أي الاعتلال العظمي المفصلي. وتصاب المفاصل الكبرى والصغيرة على السواء كما تصاب مفاصل العمود الفقري. والمهم هنا ان نفهم ان مع الشيخوخة تضعف عظام الجسم جميعها وبلا استثناء.. وفي الوقت نفسه فان الآيه القرآنية تقول «قال ربي إني وهن العظم مني» أي ان الوهن قد أصاب عظم الجسم كله.. وهذه حقيقة علمية فالهيكل العظمي في الجسم بناء واحد اذا دب الضعف في بعض العظام أثناء الشيخوخة فان جميع عظام الجسم يكون قد دب الضعف فيه أيضا. الشيخوخة طور من أطوار العمر تزعج الانسان المقبل عليها وتكدر الانسان الذي هو فيها. لذلك اهتم الناس منذ آلاف السنين بهذا الموضوع.. وبذلوا الكثير من الجهد في البحث عن شفاء للشيخوخة أو حتى علاج يعيد جانبا من شباب الجسم أو يدفع عجز الشيخوخة. والانسان في هذه المحاولات يريد ان يخرج من نسق التغير الى نسق الثبات ويحيا في شباب دائم بلا شيخوخة. وهذا أمر مستحيل الوقوع. لان ذلك لو تحقق وقف الزمن. والزمن لا يتوقف أبدا في الحياة الدنيا انما يتوقف في الحياة الآخرة. وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عن الجنة «ان لكم ان تصحوا فلا تسقموا أبدا. وان لكم ان تشبوا فلا تهرموا أبدا» وفي الحديث أيضا ان الاعراب سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الساعة فنظر الى أصغر انسان فيهم وقال «ان يعيش هذا لا يدركه الهرم قامت عليكم ساعتكم».. ولا يكون ذلك في عالمنا هذا وانما في العالم الآخر حيث تقوم الساعة ونفهم من الحديث النبوي أيضا ان كل انسان طال به العمر لابد ان يدركه الهرم لان الزمن يجري في الانسان والانسان يجري في الزمن لا يتوقف أبدا في هذه الدنيا. ولا يتوقف الزمن الا في الحياة الأخرة.. ولذلك فان فيها الخلود ولا يهرم الناس فيها أبدا. ولو تدبر الناس ما جاء في الحديث النبوي في هذا الموضوع ما أضاعوا كل هذا الجهد وما خسروا كل تلك الأموال في البحث والعناء فيما لا طائل من ورائه. عن علاج أو شفاء للشيخوخة.. ففي الحديث «قالت الاعراب لرسول الله أنتداوى؟ قال: نعم عباد الله تداووا فان الله لم يضع داء الا وضع له دواء الا داء واحدا قالوا: وما هو. قال الهرم» أي ان الشيخوخة لا دواء لها. ما زال سر الشيخوخة غامضا ومعقدا. وهناك نظريات كثيرة تشير الى أسباب تتعلق بالخلية وأسباب تتعلق بالنظام الوراثي وأسباب تتعلق بالزمن البيولوجي بالأجسام. وتؤثر على كل هذه العوامل عوامل البيئة وعوامل المرض وعوامل معاناة الحياة. ويكمن سر الشيخوخة في كل تلك الأسباب مجتمعة. وفي الشيخوخة يخشى الناس من ضيق الشرايين في القلب لأنها تؤدي الى حدوث الذبحة الصدرية والى جلطة الشرايين بسبب انحطاط في وظائف الأعضاء الأخرى فضيق الشرايين الكلي يؤدي الى ارتفاع في ضغط الدم وفشل كلوي، وضيق شرايين المخ يحدث تدهورا بوظائف المخ تدريجيا وتضعف الذاكرة تدريجيا للأحداث القريبة وتظل قوية للأحداث البعيدة.. ويفقد الانسان القدرة على التكيف مع الظروف المحيطة به. ويظهر عدم التناسب في سلوكه واضحا مع رد الفعل المطلوب والمناسب. كما يحدث تغير في عواطف وشخصية المسن ويدخل في حالة العتة الشيخوخي ويعيش في الماضي ويرفض التغيير والتكيف مع الحياة الحديثة. وهناك أيضا شيخوخة الرئتين والعين والسمع وأجهزة الجسم الأخرى ـ وليست الشيخوخة متعلقة بالسن وحده فهناك ما يسمى بشيخوخة الأطفال وهي مرض نادر حيث يكون الطفل طبيعيا عند ولادته ولكن يبطئ نموه البدني بعد السنة الأولى من عمره حتى يصير نحيل الجسم قزما. وتنم ملامح وجهه عن كبر السن.. ويدب الصلع في الرأس بعد خمس سنوات وتبدو العينان جاحظتين. ويضمر الجلد ويتأخر ظهور الأسنان.. الخ. القاهرة ـ السيد أبو داود