منذ فجر التاريخ مارس الإنسان ألوانا من العبادات والطقوس مزج فيها بين الحق والباطل كأنما كان يبحث عن مجهول يفك أسراره ويجلي غوامضه فكانت رعايه الله تعالي لهذا الإنسان وعنايته به أن أرسل اليه الرسل وأنزل معهم الكتب والتعاليم والشرائع تهدي البشرية وتنقذهم من الظلمات الى النور. ومن بين هذه العبادات والفرائض تأتي فريضة الصوم عبادة يتقرب بها الى الله تعالى مع اختلاف في الأداء والكيفية من أمة لأمة كل بحسب رسالته وشريعته يقول الله تعالي «يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون» فليس الصوم خاصا بالمسلمين من أمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بل هو فريضة ربانية إلهية ألزم بها الأنبياء والمرسلون في زمن دعواتهم ومما يرويه الناس في أحاديثهم ما يسمى بصوم الأيام البيض قيل سميت بذلك لأن آدم عليه السلام حين أهبط من الجنة اسود جلده فأمره الله بصيام هذه الأيام فلما صام اليوم الأول ابيض ثلث جلده وفي اليوم الثاني ابيض ثلث جلده الثاني وفي اليوم الثالث ابيض بقية الجلد هذا الحديث بالرغم ما فيه من أمور تستوقف الباحثين أخرجه البغدادي في اماليه وابن عساكر في تاريخ دمشق من حديث ابن عباس مرفوعا من طريق وموقوفا من طريق آخر والقاعدة الشرعية تقضي في مثل هذه الموضوعات أن نتعامل مع الأحاديث الموقوفة كما لو كانت أحاديث مرفوعة اذا كانت تتعلق بقضايا غيبية او مسائل يصعب الاجتهاد فيها ما لم يرد نص قاطع بدلاته في حكمها. كما أخرج الحديث ابن الجوزي في موضوعات بطريق مرفوع وفال انه حديث مرفوع وقال انه حديث موضوع وفي اسناده جماعة مجهولون لايعرفون. وقد آشار القرآن الكريم في بعض آياته الى ألوان من الصوم عرفتها البشرية فرادى وجماعات فقال في صوم مريم عليها السلام حين وضعت عيسى عليه السلام (فكلي واشربي وقري عينا فاما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوماً فلن اكلم اليوم إنسيا). وقد حدثتنا كتب السير والتاريخ أن الامم والشعوب عرفت الصوم ومارسته شعيرة أو طقسا أو رمزا يتقربون به من الالهة كي تسمو نفوسهم وتتطهر أبدانهم ففي الحضارة المصرية القديمة مثلا يذكر التاريخ ان المصريين الفراعنة كانوا يصومون أيام الاعياد وفاء لنهر النيل الذي اعتبروه مصدر الرزق والخير لهم كما صاموا أيام الحصاد وجني الثمار أما رجال المعبد فكانوا يصومون ستة أسابيع في العام يبدأون صومهم من طلوع الشمس الى غروبها ويمتنعون خلاله عن الطعام ومباشرة النساء ويقضون لياليهم في النسك والتطهر والعبادة. كذلك عرف اليونان والرومان الصوم ومارسوه لغايات وأهداف فقد كانوا يصومون قبل الحرب ليعتادوا على الصبر والتحمل راجين من ذلك النصر. أما رجال الدين عندهم فقد كانوا يمتنعون عن تناول اللحوم والأسماك والطيور مدى حياتهم كلها. وعند المجوس وعبدة النار فقد بالغوا في ممارسة الصوم بإذلال النفس وإتعاب الجسد لدرجة أن بعض فرقهم سميت (الصيامية) حيث كانوا متجردين كلياً للعبادة والنسك ، فأمسكوا عن جميع الطيبات من الرزق وعن أكل السمك والطيور وعن النكاح والذبائح وكل ما من شأنه أن يحدث لذة في النفس أو بهجة في الخاطر، واعتبروا الزهد في كل ذلك وسيلة للإصلاح والتطهير. وأما الهنود فكانوا يصومون زهداً فاتّخذوا من الانطلاق والسير في البراري وسيلة لذلك حيث كانوا ينشدون اتحاد أرواحهم بـ (براهما) ، وهذا أغلى ما كان يتمناه الواحد منهم ، فيضني جسمه ويتعب نفسه ويحيي الليالي في تأمل دائم لا يعرف الراحة ولا السكينة. وفي صومه يتحتم على الهندي أن لا يقتل حياً ولا حتى الهوام وأن يكون حذراً يقظاً في تجواله وانتقاله كي لا يطأ برجله حشرة صغيرة فيقتلها، وأن ينظر في الشراب الذي يشربه كي لا يشوبه شيء حي ، ولا يأكل من ذي روح. وقد روت الكتب المقدسة للهندوس تعاليم العبادة عندهم، ومما جاء فيها: وليكن طعامك مما تنبته الأرض وتثمره الأشجار، ولا تقطف الثمر بنفسك بل كل منه ما يسقط من الشجرة بنفسه وعليك بالصوم تصوم يوماً وتفطر يوماً. وقد غالت بعض المعتقدات الهندية حتى جعلت عبادتها في التقشف والرياضة الشاقة والزهد والتشدد في العيش حتى سميت هذه الديانة بدين الانتحار حيث كان بعضهم يصوم حتى الموت. أما العرب في الجاهلية فقد عرفوا الصوم أيضاً ومارسوه لأسباب وغايات، بعضها ارتبط بالتدين وبعضها الآخر بالتأثر بأهل الكتاب لا سيما اليهود منهم. ومما كانوا يصومونه يوم العاشر من المحرم، كذلك كانوا يصومون عن مباشرة النساء عند الحروب كي تستعد نفوسهم لملاقاة العدو بعيداً عن اللذة وشهواتها. هذه صور من الصوم عند أمم وشعوب لم تتقيد بتعاليم الأنبياء والرسل ولم تتبع شريعة إلهية وإنما مارسته بدافع العادة. أما في الرسالات السماوية الكبرى فقد ذكرت الكتب المقدسة هذه الفريضة ومارسها الأنبياء والرسل عليهم السلام امتثالاً لأمر الله تعالى. فعند اليهود ذكرت التوراة الصيام وكان فريضة ملزمة، ولا يزال اليهود المتدينون منهم يصومون حتى اليوم رغم بعض الاختلافات في توقيته وعدد أيامه. ولقد كان سيدنا موسى عليه السلام يصوم أربعين يوماً في العام. ومن ألوان الصيام عندهم الصوم عن الكلام وعن العمل يوم السبت. أما الصيام عن الطعام فكان يؤدى بشكل فردي وأحياناً بشكل جماعي. فهم يصومون إفرادياً عند الحزن أو التكفير عن خطيئة أو ذنب اقترف. وجماعياً يصومون للاضطهاد والتشريد الذي حل بهم أو عند القحط ورداءة المحصول والهزائم في الحروب. والعجب أن اليهود في زماننا اليوم قد نبذوا كل مظهر للصوم إلا ما يقوم به بعض رجال الدين عندهم ، ولا يعدو عن كونه صوراً ومظاهر فارغة لا تحمل أي معنى من معاني العبادة أو النسك أو التطهر. وأما النصارى فالصوم عندهم توجه اختياري لا إجباري ، أى أن الإنسان حر في ممارسة هذه العبادة وله مطلق التصرف بها. ويبدأ الصوم عندهم من الليل حتى منتصف النهار حيث يمتنعون عن أكل الطعام الدسم وسائر المشتقات الحيوانية، ويقتصرون فقط على تناول البقول والنبات وما شابه. وأثناء فترة الصوم لا يعقد النصارى الزواج لأنه مظهر للفرح واللذة، وهم يصومون يوم الأربعاء المسمى عندهم بيوم المؤامرة التي انتهت بالقبض على عيسى عليه السلام بحسب زعمهم وكذلك يصومون يوم الجمعة وهو اليوم الذي صلب فيه كما يعتقدون. وهناك صوم الميلاد والصوم الصغير وعدده أربعون يوماً، والصوم الكبير وعدده خمسة وخمسون يوماً قبل عيد القيامة إقتداءً - حسب معتقداتهم - أن عيسى عليه السلام صام أربعين يوماً، وقبلها أسبوع يسمى أسبوع الاستعداد وبعدها أسبوع يسمى أسبوع الآلام. والملاحظ في كيفية الصوم عند هذه الأمم والشعوب عدم الإذعان للأوامر الإلهية وتحكيم الغرائز والشهوات البشرية في صياغة العادة والباسها ثوب الطهر والعفاف، بحيث غدت ضرباً من الاجتماع النفسي، بعيداً عن فلسفة العبادة الصحيحة.أ ما الصوم في الإسلام فهو فريضة من الله تعالى جعله ركناً ركيناً وحصناً حصيناً من دعائم الإسلام لا يصح الدين بدونه. فهو ركن من أركان الإسلام يكفر جاحده ويفسق تاركه لغير ضرورة. شرعه الله تعالى على المسلمين في السنة الثانية من الهجرة النبوية الشريفة بعدما حولت القبلة إلى الكعبة، وكان ذلك بعد مضي حوالي ثمانية عشر شهراً من الهجرة. د. علي فريد دحروج