المجتمع له أصول ثابتة يعيش في فلكها افراده ويتغذون بأفكاره منذ صغرهم فيسيرون بها ويتعامل بعضهم مع بعض على اساسها، وهذه الافكار قد تكون سائدة قبل وجود التدين وقد تكون متأثرة بالتدين، وقد تكون طبعاً أقره الدين ومشى عليه الناس يتناقلونه جيلا بعد جيل. والزواج أمر طبيعي ـ نابع من الطبع ـ يتعامل الناس به على أسس معروفة، خاصة في المجتمعات الاسلامية، فأقر الاسلام بعضها ونفى بعضها ووضع لها أسسا ثابتة كانت ومازالت هي الحصن الحصين للأسرة. وقد تشبع المجتمع الاسلامي بهذه الاسس حتى اصبحت مندمجة مع العادات والتقاليد لهذا المجتمع، فالاسرة والناس المحيطون بالاسرة، والشارع ومكان العمل، كل هؤلاء يتعاونون على تكوين هذه الفكرة عند الفرد. 1ـ فالصغير في البيت اذا كان غلاما يقال له حتى في الدعابة: عندما تكبر سنزوجك، والبنت الفلانية تصلح لك، والاخرى لا تصلح لك، حتى الام عندما تداعب ولدها تخاطبه بكلام يكون عنده فكرة الزواج وتظل هذه الفكرة في مخيلته إلى ان يكبر ويسعى لايجادها وتنفيذها، كما كانت هند بنت عتبة تداعب ولدها وتقول: لأنكِحَنّ بَبّهْ جارية حِدَبهْ تُحب حُب الكعبة ومازالت النساء تردد هذا المعنى، وتداعب اطفالها به، كل امرأة حسب درجة ثقافتها، وعندما يترعرع ويبدأ بالنظر إلى الفتيات، تقول له أمه ويقول له أبوه لا تنظر إلى فلانة فانها لا تنفعك، بل تنفعك فلانة، ولربما لا يسمون، ولكن يذكرون الاوصاف التي يجب ان تتوفر في زوجة المستقبل، وهذه الاوصاف غالبا ما تدور في فلك الحديث النبوي المشهور: «تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك»، والدين في المجتمع يمثل الخلق والشرف والالتزام بالمباديء والقيم فإذا رأوا فتاة تخرج عن هذا كله لا ينصحون الشاب بالزواج منها، فيعارضه الأهل والأصدقاء، فإذا خالفهم جميعاً ووقع فيما حذروه منه يصبح مثلاً يضر به المجتمع المحيط به ويحذرون أولادهم مما وقع فيه ذلك المخالف، وهذه المخالفات تكون رصيداً تحذيريا للشباب من قبل المجتمع. كما أن المجتمع يكوّن لدى الفرد مفهوم المسئولية، فالأبوان يحرصان دائماً على إذكاء روح المسئولية عند ولدهما وأول ذلك العمل، فهم دائما يفهمونه ان العمل هو اساس بناء البيت والاسرة، والناس لا يقبلون مهراً عاطلاً، ولا يقبلون صهراً عمله حقير، فيظل الغلام يسعى ليكون متميزا حتى يرضى ابنة الحلال التي سوف يتقدم اليها، فان كان عاملا يرغب ان يعمل في احسن المهن ويظهر في احسن المظاهر، وان كان موظفا يتقدم لأحسن الوظائف، وكل هذا يدور في فلك التفكير بالزواج، والذي يفرضه عليه المجتمع، وكذلك لو خالف هذه الاصول وتلك العادات الاجتماعية لرفضه الناس وحرموه من بناتهم فتكون في وجهه صفقة تأديبية تجبره لاعادة حساباته من جديد والعودة إلى الدائرة الاجتماعية التي يعيش فيها. وحتى لو كانت اخلاقه سيئة فإن الأم دائما تفكره بأن ابنة الحلال لن ترضيها هذه الاخلاق ولن تعيش معه لو ظل على ذلك، ولو عرف الناس ايضا عنه هذه الاخلاق لرفضوا ان يكون صهراً لهم، ولو انه خالف بذلك وتقدم لأخذ درساً جديدا في حياته، يعيد بعده حساباته من جديد، ولو ان احدا رضي به دون ان يختبره، فان زوجته ستعيش معه في جحيم وفي النهاية ستضطره إلى ان يطلقها وتصرخ في وجهه قائلة ان اخلاقه هذه لا تقبلها أية امرأة، وهذا المفهوم ايضا يدور في فلك الحديث القائل: «إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الارض وفساد عريض»، وهذه المخالفات ايضا ما هي إلا رصيد فكري لدى المجتمع يحذرون ابناءهم، حتى لا يكونوا مثل هؤلاء المخالفين الشاذين عن افكار المجتمع. فالمجتمع يريد شاباً عاملا مجدا وليس عاطلاً كسولا؟ لانه لن تقبل به الزوجة المقبلة، والمجتمع يريد شاباً سويا ذا اخلاق فاضلة، لان الناس لا يناسبون ولا يصاهرون إلا الإنسان السوي، وهكذا. 2ـ والفتاة في البيت والاسرة والمجتمع تتكون لديها فكرة الزواج من المجتمع الذي تعيشه فيه، ويتضافر البيت مع المجتمع لترسية هذه الافكار عند الفتاة، ابتداء من مداعبتها وهي صغيرة، فأمها تداعبها وتقول لها: لو دفعوا فيك كذا وكذا من المهر لا أعطيك إلا بكذا، وكل طبقة لها عدد تذكره، ويختلف باختلاف الأزمان، وهذا يعني انها تفهم الفتاة أنها هي المطلوبة وهي المرغوبة، ولا يجوز أن تكون هي الطالبة لأنها سترخص نفسها، ومن الضروري ان تشعر الفتاة في المجمتع بأنها انسانة لها قيمتها وانها مرغوبة دائما، فلو خالفت الفتاة هذا المفهوم لانهالت عليها كلمات اللوم في البيت، ولو تمادت ورضيت بأن تكون هي الراغبة الطالبة فان المجتمع سينظر اليها بأنها شاذة ولن يقبل عليها احد، ولو تجرأ احد وقبلها فإنها سوف تشعر بعد قليل انها رخيصة عند زوجها، ولو علمت بذلك وكانت معاملة زوجها تنبيء عن ذلك فإنها إما ان تعيش حياتها في ندم، وإما ان تطلب الطلاق وتقضي بقية حياتها ارملة، وهذا المفهوم يدور في فلك الآية التي تفرض المهور على الرجال: (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة) «النساء 24». حتى الغرب الذي تمرد على هذه الاسس الاجتماعية فانه يعاني من ويلات خروج المرأة ورخصها حتى اصبحت في متناول الايدي تتلقفها ايدي العابثين باسم الحرية والتكافؤ، وفي النهاية تجد ان هذا الرجل الذي باعته نفسها بثمن بخس تخلى عنها وذهب إلى ارخص منها ورماها هي وأولادها في الشارع، فخرجت لتعمل وتترك اولادها في البيت بدون شعور الامومة، أو في الحضانة لكي تكتشف في النهاية انها ليس بينها وبين أولادها أية عاطفة، هذا اذا بقوا عندها ولم يضيعوا مثل ما ضاعت هي، هذا من ناحية. ومن ناحية ثانية تدور الفتاة في فلك مجتمع يعلمها ان تكون مسئولة عن بيت وأسرة، ففي البيت يؤتي لها باللعب والاطفال لكي تلعب بهذه اللعب وتضم الاطفال إلى صدرها، كأنها ترضعهم بحنان، وتبني لهم بيتا صغيرا ترتبه وتنظفه ولا تسمح لاحد أن يدنو منه وترغبها الام في ذلك ويوفر المجتمع كله هذه اللعب، حتى الدولة توصي بأن ترفع الضرائب والجمارك عنها حتى لا ترتفع اثمانها. ثم إذا كبرت فان الام تعلمها اعمال البيت من طبخ وكنس وغسيل، وتفهمها ان هذا هو ما يرضي الازواج، وانها اذا خطبت فسوف يسأل عن مهارتها في هذه الاشياء، ولو انها لم تتعلم واهملت ذلك ثم جاءتها امرأة تخطبها لابنها وعلمت انها لا تجيد ذلك فسوف تخرج ولن تعود، ولو لم يُعرف ذلك عنها وذهبت إلى بيت زوجها لعاشت طول عمرها ضحكة لزوجها وأمه وأهله وجيرانها، ولربما يُكثر زوجها من تأنيبها فتسوء العلاقة بينهما، ويعرف انها خرقاء لا تجيد شيئا من اعمال البيت، ولابد ان ينتشر ذلك فتعيش أرملة لا يطرق بابها احد. وكذلك الأخلاق والدين والشرف وهذه أمور مهمة جدا يفرضها المجتمع على الفتاة كأفكار ثابتة من خرج عنها فإنه يكون شاذا في المجتمع، فذات الخلق والدين يحرص عليها اهلها ويحافظون عليها ويعلمونها ما يجوز وما لا يجوز، فالفتاة في البيت تمنع من الاعمال المشينة حتى ولو لم يرها احد حتى تتعلم، فلا يجوز ان تتعرى امام حد حتى ولو كان ابوها واخوها، ولا يجوز ان تقف في الشارع ولا ان ترفع صوتها ولا ان تضحك وهي ماشية لانه خروج عن الآداب والأخلاق، ولا يجوز أن تكلم غريباً ولو كانت صغيرة حتى لا تتعود الكلام مع الرجال فيؤخذ عنها انها غير ذات شرف، فلو خرجت عن هذه الآداب فخالطت الرجال وتكلمت مع القاصي والداني وضحكت في الشارع فإن الناس يعتبرونها سيئة السمعة لن يقبل أحد ان تكون زوجة له أو لأبنه أو لأخيه. فمن خلال هذه الافكار الاجتماعية الثابتة يكون المجتمع لدى أفراده مفهوم الزواج وبناء الاسرة، وهذه الافكار ما هي إلا نابعة من أسس هذا الدين الذي رضيه الله لعباده، والذي هو عنوان النجاح في كل شيء، وبعد هذا سوف نعرف التفاصيل وإلى اللقاء غدا إن شاء الله تعالى. د. حمزة أحمد الزين