أنعم الله سبحانه وتعالى على المخلوقات بالماء، فهو المصدر الاساسي للحياة كما قال تعالى: «وجعلنا من الماء كل شيء حي افلا يؤمنون» 30 الانبياء، فهي مصدر الحياة، ومنها خلقت المخلوقات التي على الارض كما قال تعالى «والله خلق كل دابة من ماء» 45 النور، ولم يجعل الله الماء من الارض فقط، فقد يتحكم فيه الظلمة والطغاة فترة من الزمن فجعل الله مصادر المياه اصلها في السماء. ولولا نزولها من السماء لما وجدت في الارض قال تعالى «الم تر ان الله انزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الارض» 21 الزمر، وقال ايضاً «وانزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الارض وانا على ذهابه لقادرون» 18 المؤمنون، فهو بيده سبحانه، لأن الانسان الذي يتحكم في الماء مهما تجبر فلن يصل الى السماء. ولذلك يتحدى الله الجبابرة ويأمر عباده ان يتحدوهم بكلامه «افرأيتم الماء الذي تشربون» كل الماء «أأنتم انزلتموه من المزن ام نحن المنزلون» 68 ـ 69 الواقعة. ويفسر لنا الرسول صلى الله عليه وسلم طابع الارض التي تمسك الماء فيقول فهذه الماء اصبحت انهاراً في اماكن معينة من الارض بأمر الله كما قال تعالى «وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بامره وسخر لكم الانهار» 32 ابراهيم، وبين الرسول صلى الله عليه وسلم ان بعض الانهار من الجنة ايضاً فقال «النيل والفرات وسيحون وجيحون من انهار الجنة». اخرجه مسلم. لكن حتى هذه الانهار التي لا تتوقف قد تتوقف اذا ظلم اهلها، كما قال تعالى «الم يروا كم اهلكنا من قبلهم من قرون مكناهم في الارض مالم نمكن لكم وارسلنا عليهم مدراراً وجعلنا الانهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وانشأنا من بعدهم قرناً آخرين» 6 الانعام، وهي اشارة الى ان الجزيرة العربية كانت كلها جنات وانهاراً قبل الاسلام. فظلموا فغارت المياه. فقد اكتشفوا مؤخراً ان صحراء الربع الخالي كان يجري فيها نهران، عظيمان ويصبان في بحيرة عظيمة، وعلى ضفاف هذه البحيرة ينبت ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد. كما بين سبحانه وتعالى مصادر المياه: العيون التي تنبع على وجه الارض. وانها نعمة من الله عظيمة لم يتعب فيها الانسان. قال تعالى «وآية لهم الارض الميتة احييناها واخرجنا منها حباً فمنه يأكلون. وجعلنا فيها جنات من نخيل واعناب وفجرنا فيها من العيون» 33 ـ 34 يس، ولذلك يوصينا الله تعالى ان نشكر هذه النعم، ولا نعصي الله لانها بيده، «واتقوا الذي امدكم بما تعلمون. امدكم بأنعام وبنين، وجنات وعيون» 132 ـ 134 الشعراء، ولكن اذا ظلم البشر وطغوا وتحكموا في ما هو خاص بالله عاقبهم بحرمانها «كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك واورثناها قوماً اخرين» 25 ـ 28 الدخان. لكن المطلوب من الانسان ان يحافظ اولاً على هذه المصادر التي بيد الله تعالى وهو الذي استخلفنا فيها، ومن علينا بهذه النعم، فقال تعالى «وانزل من السماء ماء فأخرجنا به ازواجاً من نبات شتى. كلوا وارعوا انعامكم ان في ذلك لآيات لأولى النهى» 53 ـ 54 طه، وجعل هذا الماء مباركاً لأن اصله من السماء كما تقدم «ونزلنا من السماء ماء مباركاً فأنبتنا به جنات وحب الحصيد، والنخل باسقات لها طلع نضيد. رزقاً للعباد واحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج» 9 ـ 11 سورة ق. نهانا الله سبحانه وتعالى ان نتحكم به لنحرم منه خلق الله تعالى فإن الانسان اذا فعل ذلك فكأنما يستعجل الساعة. وعندما يظن الانسان نفسه تحكم في الارض استحق عقاب السماء وانتهى عمره على وجهها. فالفرات سوف يتحكم فيه الظلمة والطغاة اخر الزمن، وسوف ينحسر عن ارض كثيرة، لكنه عندما ينحسر عن المناطق الجبلية التي يمر منها، فسوف ينحسر عن جبل او جبال من ذهب، فيندم الظلمة ويحاولون السيطرة على هذا الذهب مرة اخرى فيقتتلون عليه فيفنون بعضهم. قال عليه الصلاة والسلام «لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب فيقتتل عنده الناس فيقتل من كل مئة تسعة وتسعون كل واحد يظن انه سينجو» اخرجه مسلم. لكنها هي عقوبة نتيجة تحكم الظالم في الماء الذي خلق الله الناس فيه شركاء. كما قال عليه الصلاة والسلام «الناس شركاء في ثلاث. في الماء والنار والكلأ» لأن البشر ليس له يد في صناعتها فلا ينبغي ان يمنعها، فاذا منعها حرمه الله منها. ثم بعد ان يحرمهم الله منها يذكرهم بجريمتهم. كما يقول تعالى «وان لو استقاموا على الطريقة لاسقيناهم ماء غدقاً» 16 الجن، وقال ايضاً «ولو ان اهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون» 96 الاعراف ثم ان الماء يحتاج الى شمس ودفء وحرارة وضياء لكي ينضج الزرع. د. ابو بكر علي الصديق