لم تكن تلك القيلولة التي حاولت اقتناصها من فم التعب سوى وبال عليّ. فلم ترمش عيني بالصحو إلا وجدت نفسي مطوقاً بالسيوف.. خمسة رجال يكاد السهر ينطق من أعينهم، وتكاد الابتسامة تبحث عن مخرج لها فلا تجده.. وجوه ترتسم بملامحها القاسية في تلك الصحراء الظامئة، وسيوف مسلطة على رقبتي المسكينة. قال كبيرهم.. أرى أنك غريب عن هنا، فثيابك البيضاء الناصعة تتكلم نيابة عنك.. إلتفت يمنة ويسرة فلم أجد الدكتور يوسف.. عاود كبيرهم السؤال.. من أين قدمت، وماذا تفعل هنا؟ سادت لحظات صمت.. بدا خلالها الخوف يتلبس وجهي.. ثم يسري في جميع أنحاء جسدي.. حاولت أن أجيب فلم يسعفني صوتي. ووجدتني أردد في داخلي: لقد دنا موتك على أيدي هؤلاء الصعاليك.. حتماً ستموت موتة الكلاب دون ان يدري بك أحد.. ستموت بعيداً عن التاريخ والجغرافيا والمجتمع ولن يذكرك أحد أو حتى يحس بك أحد.. لقد اخترت أن تدخل في تفاصيل هؤلاء الصعاليك الذين عاشوا وماتوا على هامش التاريخ.. ولك ما أردت. ان من يعبث بالنار عليه ان يتحمل حروقها.. وأنت حاولت ان تكون بطلاً على حساب التاريخ فَتَحمّل ضربات سيوف هؤلاء الصعاليك التي ستقطعك إرباً.. إرباً. وبينما الحوار الداخلي ممتد بيني وبين نفسي وإذ بصوت الدكتور يأتي من بعيد.. إلتفتنا جميعنا فرأينا عروة وبصحبته الدكتور مقبلين نحونا.. عندها تنفست الصعداء وأحسست بقشعريرة تنفض كياني وكأنها تنفض ظلال الموت التي طوقتني منذ لحظات غير مبالية بشعوري واحاسيسي. قال عروة.. لا عليكم أيها الرفاق.. لقد عرفت أن هذين الشخصين من زمن غير زماننا وقد قدما لكي يعرفا تفاصيل حياتنا، أو بمعنى آخر لكي ينصفاننا نحن معشر الصعاليك. هززت رأسي موافقاً، فتلاشت السيوف المسلطة على رقبتي ودخلت أغمادها، قال عروة بعد أن هدأ روعي.. أريد أن اعرفكما على الأخوة. وأخذ يؤشر بسبابته مفصلاً أشخاصهم فرداً فرداً.. عامر بن الأخنس، تأبط شراً، الشنفري، المسيب، وعمرو بن براقة.. تمعنت جيداً في تلك الوجوه التي كادت ان تفترسني وترميني لذئاب الصحراء قلت: أين بقية الأخوة الاعداء؟ نظر إليّ عروة بتعجب وذهول واستنكار قائلاً: الاعداء.. أعداء من؟ ابتلعت ريقي وأنا اتمتم في نفسي.. لسانك طويل حتى في التاريخ. ما الذي تريده وانت في زمن غير زمنك.. انه زمن الصعاليك ايها المتسرع.. قلت بهدوء مصطنع وابتسامة خبيثة ترتسم على محياي لا.. أقصد هؤلاء هم فقط الذين عاداهم التاريخ وجعلهم يعيشون على هامشه. نظر إليّ عروة من جديد وهو يضع يده اليمنى على غمده متحسسا، بينما يده اليسرى تعبث بأطراف لحيته التي خط سوادها نهار الشيب فقال.. ان صعاليك العرب كثر ولكن التاريخ كما عرفت منكم رصد بعضهم وترك الآخرين على هامشه دون ذكر.. وبالمناسبة هناك أخوة لنا لم يحضروا اجتماعنا هذا منهم السليك بن السلكة وابو خراش الهذلي. قلت: واين ذهبا؟ تدخل الدكتور خليف في حوارنا الدائر موجهاً دفة الحديث في اتجاه آخر وقد استشعرت بحدسي الصحفي ان الدكتور لم يعجبه هذا الحوار الثنائي لأنه لن يضيف إلى معلوماتنا شيئا يذكر. قال الدكتور موجها كلامه إلى عروة والصعاليك.. يقول مسجلو التاريخ ورواته ان أشعاركم جلها أخذت شعار الغزو والاغارة والسلب والنهب ولم تتورعوا في ذلك الأمر، فأنتم تتحدثون عن المغامرات حديث المؤمن بقيمتها في حياته، المعجب بها، الفخور ببطولته فيها أو بمقدرته على النجاة من اخطارها. فإلى أي مدى تؤمنون بعدالة قضيتكم وصدقها وانتم في نظر المجتمع قلة خارجة على قوانينه ونظمه؟ وغداً نكمل