عرف هذا المسجد عند تشييده باسم المسجد الجامع أو مسجد الشاه (تيمور لنك) ولكنه عرف اليوم باسم مسجد (بيبي خانم) نسبة إلى زوجة تيمور لنك المفضلة (السيدة الأولى) واسمها (سراي ملك خانم) وان عرفت باسم (بيبي خانم) لأن قبرها ملحق بهذا الجامع. وثمة روايات شفاهية تواتر نقلها عبر العصور حول تسمية المسجد باسم بيبي خانم، وهي تدور حول رغبة هذه الزوجة في تشييدها لمسجد تخليدا لذكرى عودة تيمور من الهند، ولذا فقد عهدت إلى أفضل معماري بالبلاد ليقوم بإنجازه قبل عودة زوجها، وحدث أن فتن هذا المعماري بجمال السيدة الأولى ووقع في حبها، وعندما كان تيمور على وشك العودة قال المعماري انه سيكمل البناء فقط إذا ما سمح له بالحق في تقبيل بيبي خانم، وأخيرا استسلمت السيدة أمام توسلاته ولكنها غطت وجهها بيدها، وحتى مع ذلك الاحتياط تركت حرارة القبلة علامة على خدها المتورد كالكمثرى. وعندما عاد تيمورلنك نظر إلى الجامع واستحسنه ولكنه غضب بشدة عندما رأى أثر القبلة على خد زوجته الحبيبة، وخاف المعماري على نفسه من بطش الغازي الكبير فصنع لنفسه زوجا من الأجنحة، وصعد إلى قمة مئذنة وطار إلى مدينة مشهد الإيرانية، والحقيقة أن هذه الرواية ليست سوى أسطورة لأن تيمورلنك هو الذي شيد هذا المسجد كما أسلف القول من غنائمه في حروبه بالهند. ويقع مدخل المسجد في منتصف الواجهة الشمالية الشرقية وهو عبارة عن كتلة معمارية تبرز عن سمت الواجهة حتى تبدو وكأنها إيوان مهيب، الإرتفاع(22 مترا) بوسطه فتحة الباب التي توجت بعقد مدبب هو في حقيقة الأمر تكرار لعقد الإيوان الضخم وقد سجل تيمور لنك تاريخ الإنشاء على لوح رخامي يعلو المدخل مباشرة وقد حرص على أن يورد فيه نسبه الذي ينتهي إلى جنكيزخان. وعلى جانبي المدخل توجد مئذنتان مثمنتان عظيمتا الحجم والارتفاع، وهما مع كتلة المدخل عبارة عن سيمفونية رائعة الجمال تتردد فيها أصداء فن الفسيفساء الإسلامي بزخارفه وتكويناته ذات الطابع الهندسي ويصل ارتفاع كل مئذنة إلى حوالي 37 مترا. وهناك أيضا أربع مآذن أخرى بواقع مئذنة لكل ركن من أركان المسجد الخارجية وهي مآذن مستديرة مثل تلك التي نقابلها في أغلب المدن الآسيوية ويتم الوصول إلى درجات سلالمها من داخل المسجد. تخطيط المسجد : يحتل مسجد بيبي خانم مساحة مستطيلة طول ضلعها 167 مترا أما العرض فيصل إلى 109م وهو بذلك أكبر من الكاتدرائية القوطية التي شيدت بميلانو في نفس العام.وينقسم المسجد إلى صحن أوسط مكشوف كانت تغشيه فيما مضى الواح من الرخام والفسيفساء الخزفية وبوسط الصحن توجد فوارة مياه للوضوء، وفي كل من جوانب الصحن الأربعة يوجد إيوان يفتح بكامل عقده المدبب على الصحن. ولا يداخلنا شك في أن معماري هذا المسجد قد اختار في عمله تصميم المدارس ذات الإيوانات الأربعة المتعامدة على الصحن الذي ساد العالم الإسلامي بدءا من العصر السلجوقي، وأن في جوهره تحوير معماري لنظام المساجد الجامعة ذات الصحن الأوسط والظلات الأربع الذي كان عليه المسجد النبوي بالمدينة المنورة. وأكبر الإيوانات وأهمها هو بالطبع إيوان القبلة الذي يقع في الناحية الجنوبية الغربية، وهو مغطي بقبو طولي يطل على الصحن بعقد مدبب هائل من النوع المعروف بالعقود الفارسية KeelArch ، وعلى جانبي عقد الإيوان توجد مئذنتان تكملان عدد المآذن الثماني بالمسجد، وكل مئذنة منهما ذات بدن مثمن. وجدار القبلة في هذا الإيوان مغطى بزخارف فسيفسائية هندسية الطابع وقد تم تنفيذها باستخدام قطع صغيرة من الأجر المطلي بالمينا الزرقاء، وبنفس هذه المواد تم تنفيذ الكتابات الكوفية التي تحوي آيات من القرآن الكريم وتدور حول أعالي الجدران وكان في مقدمة هذا الإيوان كرسي كبير من الرخام محمول على تسع دعامات صغيرة وكان مخصصا لجلوس قارئ القرآن، وتشير زخارفه البنائية وكذلك كتاباته المسجلة بخط «النستعليف» الفارسي أنه صنع بأمر من أولدج بيك حفيد تيمورلنك وعقب زلزال ضرب سمرقند في سنة 1875م، نقل هذا الكرسي إلى صحن المسجد خشية انهيار بناء إيوان القبلة، الذي تضرر بشكل واضح من أثر هذا الزلزال. ويقابل إيوان القبلة، إيوان المؤخرة في الناحية الشمالية الشرقية وهو أيضا مغطى بقبو له عقد مدبب مشابه لعقد إيوان القبلة ولكنه أقل اتساعا منه. أما الإيونان الجانبيان فهما متساويان في المساحة وقد جاءا أقل مساحة من إيوان القبلة أيضا، وقد اختلفت تغطيتهما عن الإيوانين السابقين، إذ غطى كل واحد منهما بقبة مزينة ببلاطات القاشاني المزدانة بالزخارف النباتية والهندسية والكتابية، ويغلب على ألوانها جميعا اللون الأزرق الفيروزي. وليس ذلك هو الاختلاف الوحيد في تصميم إيواني المجنبتين ولكنهما أيضا لا يفتحان على الصحن بكامل اتساع عقديهما وإنما بباب في وسط الإيوان ويعتقد أن درجات الحرارة المنخفضة أثناء فصل الشتاء الجليدي في هذه المدينة ذات المناخ القاري المتطرف هي التي أملت هذا التصميم سواء لاستخدام الإيوانين في أداء الصلوات الخمس خلال فصل الشتاء أو لجلوس الطلاب لتلقي دروس العلم فيهما. وقد عمد المعماري إلى الإفادة من الفراغات المحصورة بين الإيوانات الأربعة فجعلها (غرفا) مختلفة المساحات لتستخدم في أغراض شتى مثل القاء الدروس على طلبة العلم وإقامة الأساتذة والطلاب وأعضاء الهيئة الوظيفية العاملين بالمسجد. ويجاور إيوان القبلة من كل جانب أربع غرف فقط نظرا لاتساع مساحته بينما يجاور الإيوان المقابل له من كل جانب سبع غرف ويصل العدد إلى تسع غرف على جانبي كل من الإيوانين الجانبيين، وأمام كل الغرف من جهة الصحن مساحات مغطاة بأقبية وهي تبدو كما لو كانت إيوانات صغيرة تشرف على الصحن مباشرة بدون حواجز بصدرها أبواب تؤدي إلى تلك الغرف التي يبلغ عددها الإجمالي 58 غرفة ترتكز اسقفها على أربعمئة عمود رخامي. وقد لجأ المعماري إلى استخدام هذه الأعمدة لتتحمل ثقل بناء الطابق الثاني الذي يعلو هذه الغرف، وتطل غرف الطابق الثاني على صحن بعقود مدببة بينما غطيت الغرف العلوية بقباب خوذاتها مفصصة وهي الأخرى مغطاة بالقيشاني الأزرق. أما قبر (بيبي خانم) فيقع خلف إيوان القبلة وهو عبارة عن مربع شيدت فوقه قبة هائلة لعلها أجمل القباب السمرقندية التي تبدو أشبه ببيض الدجاج لأنها تقوم على رقبة طويلة بينما تتخذ الخوذة هيئة مدببة بعض الشئ ويبلغ نصف قطر هذه القبة (20 مترا) وارتفاعها (40 مترا) ، وقد كسيت هي والرقبة ببلاطات القاشاني ذات اللون الازرق الفيروزي. وقد كان جمال هذا القبة من مصادر الإلهام في الأغاني الشعبية الاوزبكية حتى أن إحداها تقول كلماتها (وقبته كان من الممكن أن تكون فريدة ما لم تقلدها قبة السماء). ومن أسف أن العجلة التي تميزت بها أعمال تشييد هذا المسجد الضخم قد جاءت على حساب متانة بنيانه وزاد الطين بلة الزلازل التي كانت ومازالت تضرب أواسط آسيا وقد تأثرت قباب ودعائم وجدران المسجد بمادة الكوارث الطبيعية وبخاصة زلزال عام 1897م (1315ه) الذي أدى إلى انهيار بعض أجزاء المدخل وقد أجريت عدة ترميمات في العهد السوفييتي وبعده للحفاظ على هذا المسجد الذي لو بقي على حالته لكان أحد معجزات فن العمارة الإسلامية. د. أحمد السيد محمد