في الأحاديث الذائعة المشهورة، حديث نبوي يرد كثيرا على ألسنة الوعاظ وفي أحاديث العلماء، وهو حديث يلفت اذهان الناس الى تكامل مقاصد الشريعة في بناء شخصية المسلم، وفي تحمله المسئولية عما يفعل في الدنيا، وملاقاة اعماله الدنيوية في حساب يوم القيامة. وفي الحديث ملمح مهم في معنى الافلاس الذي عرفه الناس في قضايا المال والاقتصاد، والمذخور من عرض الدنيا، وفي توجيه دلالة الافلاس الى مقصد اسلامي لم يرد من قبل على ألسنة العرب ولا في خواطرهم، ولم يستعمله احد قبل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. روي عن ابي هريرة رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أتدرون من المفلس»؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع! فقال: «ان المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة. ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا: فيعطي هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل ان يقضي ما عليه اخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار». مادة (ف ل س) في المعاجم قليلة، وقد تناولتها بالمعالجة كتب اللغة، وكتب الفقه، ومعاجم المصطلحات، ولم يجل فيها ابن فارس جولاته المعهودة في مقاييس اللغة، واكتفى باليسير مما في المعاجم الاخرى. والفلس عملة يتعامل بها، مضروبة من معادن غير الذهب والفضة، وكانت قديما تقدر بسدس الدرهم قال في المعجم الوجيز: وهي تساوي جزءا من ألف من الدينار. (كالدينار الكويتي مثلا). ويجمع الفلس جمع قلة على أفلس، وجمع كثرة على فلوس. وبائعها كان يسمى الفلاس. وفعل افلس فلأن اي صار صاحب فلوس بعد ان كان صاحب دراهم ودنانير. وقالوا: افلس افلاسا اي صار مفلسا كأنما صارت دراهمه (أمواله المنقولة من النقد) فلوسا او زيوفا (مزيفة لا تصلح للتداول) وهذا من جهة اللغة كقولهم: أخبث فلان اي صار اصحابه خبثاء. وفي شعر يزيد بن الطثرية من حماسية: ونفعي نفع الموسرين وإنما سوامي سوام المقترين المفالس قال المرزوقي شارح الحماسة: الافلاس كلمة عربية وان كثر التداول لها في ألسنة العامة. قال: وتفليس الحاكم (لأحدهم) معروف، وهو من هذا، كأنه ينسبه الى ذلك. يقول ان نفعه لمن خوله نفع المكثرين وان كان ماله مال المفلسين المقترين. وفي الموسوعة الفقهية (5:300) الافلاس ان يكون الدين الذي على الرجل اكثر من ماله سواء كان غير ذي مال اصلا ام كان له مال الا انه اقل من دينه. والتفليس اصطلاحا: جعل الحاكم المدين مفلسا بمنعه من التصرف في ماله. واختصر الكلام في معجم لغة الفقهاء فقال هو عجز الانسان عن وفاء ما عليه من حقوق مالية لكون خرجه اكثر من دخله. وفي اللسان فلسه الحاكم تفليسا: نادى عليه انه أفلس ويبقى تعريف المفلس ووصفه للمقصد الوارد في الحديث النبوي المذكور اضافة الى مقاصد الكلمة، في ظل مصطلح دلالي نبوي يدخل في المعاني الاسلامية والتنبيهات الشرعية.