من الطبيعي في فطرة الله تعالى التي فطر الناس عليها.. إن الروابط الأسرية ترتب حقوقا وواجبات بين أطرافها. والأصل أن هذه الروابط تظل قوية متينة كما نشأت منذ البداية . ولكن لما كان دوام الحال من المحال.. فإنه يطرأ عليها ما يعد خروجا على هذا الأصل.. بما يؤدي إلى ضعف هذه الروابط.. أو حتى قطعها في بعض الأحيان.. وذلك بوقوع أي نوع من الاعتداء على الحقوق والواجبات التي يتعين الوفاء بها فيما بين ذوي القربي.. بما ينجم عنه العديد من المشكلات التي تعترض مسيرة حياة الأسرة في المجتمع. حول هذه القضية المهمة.. يقدم لنا المستشار حسن حسن منصور كتابه الجديد: منهج الإسلام في علاج المشكلات الأسرية. يؤكد المؤلف في الباب الأول من الكتاب أن الأسرة تعيش داخل مجتمع الناس. ومن ثم فقد يحدث داخلها من احتكاك بالآخرين بعض المشكلات التي قد تؤثر على حياة أفرادها.. وربما كان مصدر هذه المشكلات أحد أفراد الأسرة أو أحد المرتبطين بها بثمة رابطة قوية أو ضعيفة.. أي أحد ذوي القربي. والمشكلات العامة التي قد تصادف حياة الأسرة كثيرة ومتنوعة منها ما يكون على درجة عالية من الخطورة.. قد تصل إلى درجة الجريمة المعاقب عليها شرعا وقانونا.. ومنها ما يكون مخالفا للأخلاق ووصايا الدين. وربما كان الحساب عليها عسيرا في الآخرة. ولعل جرائم الاعتداء على ذوي القربي.. تعد من أخطر المشكلات الأسرية على الإطلاق.. فقد جاءت شريعة الإسلام للتأكيد على أهداف كثيرة سامية.. من أهمها تقوية روابط القربى بين المسلمين حيث أمر الله تعالى في قرآنه المجيد بإعطاء ذوي القربي حقوقهم كاملة بقوله تعالى في سورة الإسراء: «وآت ذا القربي حقه.. » ولكن مع تغير الأحوال وضعف شعلة الإيمان في قلوب بعض المسلمين صار هؤلاء أصحاب الحقوق والقرابات محلا لجرائم الاعتداء عليهم.. وبلغ هذا الأمر إلى حد يشبه الظاهرة الاجتماعية التي تحتاج إلى العلاج الضروري لاعادة التوازن في الروابط بين أبناء الإسلام. والجريمة كما يعرفها رجال القانون: هي فعل غير مشروع صادر عن إرادة جنائية يقرر له القانون عقوبة أو تدبيرا احترازيا.. ولكن تعريف فقهاء الإسلام للجريمة أعم وأشمل.. فهي عندهم: إتيان فعل محرم معاقب على فعله أو ترك فعل معاقب على تركه، سواء كانت العقوبة دنيوية أو أخروية. وهي بهذا المعنى تتسع لمضمون التعبيرات الأخرى للدلالة على الفعل أو الترك غير المشروع كالمعصية والإثم والخطيئة والذنب وغيرها. والمقصود بالجريمة في هذا المجال.. ذلك الفعل غير المشروع الذي يقع من القريب على قريبة.. ويضع القانون أو الشريعة الإسلامية له عقوبة دنيوية أو أخروية.. ولهذا فإن جرائم الاعتداء على ذوي القربي متعددة ومتنوعه بتعدد وتنوع الأفعال غير المشروعة.. سواء في الشريعة الإسلامية أو القانون الوضعي. ومن امثلة جرائم الاعتداء على ذوي القربي: قتل الآباء والاخوه بسبب الميراث وغيره من الأموال التي تمثل تركة المتوفي.. اعتداء الأبناء بالضرب والجرح على الآباء والامهات.. جرائم السرقة بين الأصول والفروع وأيضا على شاكلتها جرائم التبديد وخيانة الأمانة والشيك بدون رصيد وغيرها.. هذا وغيره كثير. ويقول المؤلف في الغالب الأعم من هذه الجرائم ما تكون الأسباب الدافعة إليها متعلقة بأطرافها من الجناة والمجني عليهم. ولكن هذا لا يمنع أن هناك عوامل أخرى يمكن أن تكون هي المؤدية إلى إرتكابها.. ومن هذه العوامل. فقدان العدل بين ذوي القربي.. فالأب الذي لا يعدل بين أولاده لا ينتظر من ظلمهم إلا العدوان عليه. ومن الملاحظ أن معظم جرائم القتل والضرب والجرح والإيذاء بين الآباء والأبناء. سببها الرئيسي التفرقة بين الأبناء.. كأن يؤثر الأب أحد أبنائه على الآخرين في الميراث أو الأنفاق أو حتى في مجرد الكلمة.. وهذا خلافا لما أوصى به الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بقوله: «اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم». الأنانية الزائدة من بعض ذوي القربي مما تدفعهم إلى مخالفة أحكام الشرع الحنيف.. فالمسلم الذي اقتصرت هبة الله له من الذرية على البنات يضع بذور الشقاق بين ذوي قرباه إذا عمل على حصر ميراثه في بناته دون باقي ورثته الذين حددهم الشارع الحكيم. وقد ينتهي هذا الأمر بجريمة تقع من ذوى القربي.. وماذا عليه لو ترك الأمر كما هو حتى يطبق شرع الله؟! .. ولكنها الأنانية المفرطة بلا مبرر.. بعد أن يرحل المورث إلى دار الحساب. أيضا عدم الإلتزام بأوامر الدين الحنيف ونواهيه.. ولاسيما في وسائل تربية الأولاد وإختلاطهم ببعض.. فقد قال رسول الله صليى البه عليه وسلم: «مروا أولادكم بالصلاة لسبع، وأضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع..» والمقصود في هذا الحديث التفريق بين الذكور والإناث أثناء النوم وخاصة في سن الشباب والفوران العاطفي. وكثير من جرائم الاعتداء على العرض تقع نتيجة هذا الإختلاط العشوائي بين هذين النوعين من الأولاد.. وقد يقول قائل: ظروف أزمة الإسكان الحالية تحول دون توفير الأماكن التي تسمح بهذا التفريق.. فنقول: ليس معنى هذا التفريق أن يكون لكل ولد ولكل بنت حجرة مستقلة عن الآخر.. ولكن يمكن تحقيق ذلك بتخصيص سرير مستقل لكل منهم داخل حجرة واحدة أو حسبما تسمح ظروف كل أسرة. فضلا عن التفكك الأسرى الذي يجعل كل فرد في الأسرة يعيش في واد بعيدا عن الآخرين إلى درجة تفقده الإنتساب العضوي لأسرته.. ومن ثم ينعدم لديه الإحساس بالولاء لها.. الذي يمنعه من التفكير في الجريمة.. والتي قد تقع على واحد من ذوي قرباه.. فكثير من الجرائم أحد عواملها الرئيسية هو: التفكك الأسرى. والكسب الحرام. وفي الباب الثاني يتحدث المؤلف عن المشكلات الأسرية الخاصة بالعلاقات الزوجية.. موضحا أن الزوجية أساسها عقد الزواج الصحيح النافذ الذي استوفى مقومات صحته من الأركان والشروط.. بما يجعله يرتب كافة الآثار الشرعية.. تلك الآثار المتمثلة في الحقوق المتبادلة بين الزوجين والحقوق المشتركة بينهما. وهذه الحقوق إذا كانت مقرره لأحد الزوجين فهي في ذات الوقت تعتبر واجبات على الزوج الآخر.. وقد يقوم كل من الزوجين بأداء هذه الواجبات فتصل الحقوق إلى أصحابها.. وقد يتخلف أحدهما أو كلاهما عن الوفاء بهذه الحقوق والواجبات فتنشأ بعض المشكلات التي تصيب الأسرة وتعوق مسيرتها في الحياة.. بما يستوجب ضرورة التدخل لحل هذه المشكلات وإصلاح الخلل الذي إنتابها من جراء ذلك. ويجب لتحقيق العلاج المنشود للمشكلات الأسرية المتعلقة بالزوجية أن يعرف كل من الزوجين ماله من حقوق وما عليه من واجبات التي مصدرها دائما هو عقد الزواج الصحيح النافذ. وحقوق الزوج وأن كان مصدرها عقد الزواج الصحيح إلا أنها تستند إلى أساس متين وضعه الشارع الحكيم سبحانه لتقوم عله العلاقة الزوجية.. وهو حق الزوج في القوامه على الزوجه المقرر بمقتضى قول الحق سبحانه وتعالى في سورة النساء: «الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما انفقوا من أموالهم.. ».. كما قضت حكمه الله تعالى أن يرفع الرجل على المرأة درجة لقوله سبحانه في سورة البقرة: «ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة». وبموجب عقد الزواج تنشأ بين الزوجين ما يمكن تشبيهه بالشركة. ومن المعلوم أن أية شركة لابدلها من إدارة على رأسها مدير واحد.. حتى لا تتضارب القرارات التي تنظم سير العمل بهذه الشركة. ودائما ما يكون مدير الشركة هو الأقدر على القيام بأعباء الإدارة.. وقد تثبت من واقع الحياة أن الأقدر على إدارة شئون الأسرة هو الزوج.. ومن ثم كانت له القوامه على الأسرة كلها بما فيها الزوجة. وعن هذه القوامة تتفرغ حقوق الزوج الناشئة عن عقد الزواج الصحيح النافذ.. وهي: حق الزوج في قرار الزوجة في منزل الزوجية. حق الزوج في تأديب زوجته.. حق طاعة الزوج في أمور الزوجية. أما حقوق الزوجة على زوجها فهي كثيرة. وهي تتناسب مع طبيعة المرأة.. التي تجعلها أصلا تميل إلى القرار في منزل الزوجية بعيدا عن السير في مناكب الأرض. وإذا كانت الزوجة هي سكن لزوجها.. فإن حقوقها دائما تكون في مقابل ما توفره من مقومات هذا السكن. .ولهذا فإن معظم هذه الحقوق تتميز بأنه يغلب عليها الجانب المالي أكثر من الجانب المعنوي المتوافر لديها ويحتاجه الزوج منها.. ومن هذه الحقوق: الحقوق المالية للزوجة وهي الحقوق التي تستحقها الزوجة وتقوم بمال ويلزم الزوج بأدائها لها رضاء أو قضاء.. الحقوق غير المالية للزوجة، ويقصد بها تلك الحقوق التي للزوجة على زوجها ولا تقوم بمال معين كحق الزوجة في أن يعاملها زوجها بالمعروف ولا يلحق بها ضرر أو لا يظلمها في المعاشرة الزوجية أخذا من قول الحق «وعاشروهن بالمعروف». القاهرة ـ مصطفى علي محمود