لابد لنا ان نشير إلى سبب أساسي من وراء الغلو والانحراف في فهم الدين قديماً وحديثاً وهو: اتباع المتشابهات من النصوص وترك المحكمات البينات، وهذا لا يصدر من راسخ في العلم وإنما هو شأن الذين في قلوبهم زيغ «فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله». وأعني بالمتشابه: ما كان محتمل المعنى وغير منضبط المدلول وأعني بالمحكم: البين المعنى الواضح الدلالة المحدد المفهوم. فترى الغلاة والمبتدعين من قديم يجرون وراء المتشابهات يملؤون بها جعبتهم ويتخذون منها عدتهم معرضين عن المحكمات وهي التي فيها القول الفصل والحكم العدل. وانظر إلى غلاة اليوم تجدهم يعتمدون على المتشابهات في تحديث كثير من المفاهيم الكبيرة التي رتبوا عليها نتائج خطيرة بل بالغة الخطر في الحكم على الأفراد والجماعات وتقويمهم وتكييف العلاقة بهم من حيث الولاء والعداء والحب والبغض واعتبارهم مؤمنين يتولون أو كفاراً يقاتلون، وهذه السطحية في الفهم والتسرع في الحكم وخطف الاحكام من النصوص خطفاً دون تأمل ولا مقارنة نتيجة لترك المحكمات البينات واتباع المتشابهات المحتملات هي التي جعلت طائفة الخوارج قديماً تسقط في ورطة التكفير لمن عداهم من المسلمين وتقاتل رجل الإسلام العظيم علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقد كانوا جنوداً في جيشه مستندين إلى أفهام عجيبة بل أوهام غريبة في دين الله تعالى. قبل علي كرم الله وجهه التحكيم في النزاع الذي بينه وبين خصومه حقناً لدماء المسلمين ومحافظة على وحدة جيشه، حيث كان فيه من يرى وجوب القبول فظهر هؤلاء الحمقى يتهمونه وهو الذي نشأ في نصرة دين الله منذ صباه بالخروج من الدين لأنه حكم الرجال في دين الله، ورددوا كلمتهم المعروفة «لا حكم إلا لله» معتمدين على ظاهر القرآن الكريم يقول: «إن الحكم إلا لله» وكان رد الإمام علي عليهم بكلمته التاريخية المأثورة «كلمة حق يراد بها باطل»! ذلك ان رد الحكم إلى الله وحده سواء كان حكماً كونياً أو شرعياً بمعنى ان التدبير لله والتشريع لله وحده لا يعني ابطال تحكيم البشر في القضايا الجزئية التي يتنازع الناس فيها ما دام تحكيمهم في إطار حكم الله وتشريعه. وقد ناقش حبر الأمة عبدالله بن عباس رضي الله عنهما هؤلاء القوم وحجهم بما في كتاب الله في صور التحكيم من ذلك التحكيم بين الزوجين لحل عقدة الخلاف بينهما: «وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما» ومن ذلك التحكيم في تقدير «مثل الصيد» يقتله محرم متعمداً «يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هدياً بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين...» فمن لم يحسن الفهم على الله ورسوله فيما جاء من آيات أو من أحاديث ولم يقف طويلاً عندها دارساً فاحصاً متأملاً متفقهاً جامعاً بين أولها وآخرها وموفقاً بين مثبتها ونافيها ومقارناً بين خاصها وعامها أو بين مطلقها ومقيدها مؤمنا بها كلها محسناً الظن بها جميعاً ـ محكمها ومتشابهها ـ من لم يفعل ذلك فما أسرع ما تضل راحلته ويعمى عليه طريقه وتضيع منه غايته فيشرق مرة ويغرّب أخرى على غير بصيرة ويخبط خبط عشواء في ليلة مظلمة. وهذا هو الذي وقع فيه دعاة التكفير حديثاً ووقع فيه الخوارج قديماً والسبب الأساسي لهذا الغلو كما ذكر الإمام الشاطبي هو الجهل بمقاصد الشريعة والتخرص على معانيها بالظن من غير تثبت أو الأخذ فيها بالنظر الأول ولا يكون ذلك من راسخ في العلم ألا ترى إلى الخوارج كيف خرجوا عن الدين كما يخرج السهم من الصيد المرمي؟ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفهم بأنهم «يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم» يعني ـ والله أعلم ـ انهم لا يتفقهون به حتى يصل إلى قلوبهم لأن الفهم راجع إلى القلب فإذا لم يصل إلى القلب لم يحصل فيه فهم على حال وهذا يقف عند محل الأصوات والحروف فقط وهو الذي يشترك فيه من يفهم ومن لا يفهم وما تقدم أيضاً من قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً» إلى آخره، وبالله التوفيق.