الاسلام دين ودولة.. يعكس منظومة من القيم والأخلاقيات التي تحكم سلوك افراده.. وعندما استوعب أتباعه هذه المبادئ الخالدة سادوا أرجاء الدنيا وساسوا العالم.. ولأن بقاء الحال من المحال.. فقد دارت الدائرة على الشعوب الاسلامية وجاء اليوم الذي أصبحوا فيه هدفا لحملات التغريب والابعاد عن منظومة القيم المتوارثة. ولأن الغرب الأكثر إدراكا للقوى الكامنة في الاسلام فانه سارع بالتحرك لتكريس حالة التغييب والتغريب التي تعيشها الشعوب الاسلامية.. حفاظا على تفرده وضمانا لنهب ثروات العالم الاسلامي مهما اختلفت المسميات والشعارات. ومن هنا تأتي أهمية العمل نحو السعي إلى العودة إلى منابع الدين الاسلامي الحنيف وإحياء قيمه وأخلاقياته إذا اردنا الخير لأتباعه.. وحول هذه القضية يقول: د. محمد ابراهيم الفيومي أستاذ الفلسفة الاسلامية بجامعة الازهر وعضو مجمع البحوث الإسلامية ان ظاهرة التغرب ظهرت بعد ما نجح الغرب في استعمال شعوب العالم الاسلامي وبسبب هذه السيطرة بدأت لوائح المؤثرات الغربية تنبت وتنتشر حتى غدا التغرب من أكبر عوامل التبدل والانقلاب في العالم الاسلامي. والتغرب كما يعرفه الغربيون أنفسهم هو التخلق بأخلاق الفرنجة والتشبه بهم أخذهم في طراز المعيشة وأساليب الحياة ويشمل ذلك الادوات المستخدمة في معيشتهم وكذلك اقتباس الأفكار والآراء الاجتماعية والسياسية وقد تطورت ظاهرة التغرب من كونها تقليدا غريبا فقط إلى إنشاء علم يتخصص كرد فعل لعلم الاستشراق الذي تخصص في دراسة الشرق بعاداته وتقاليده وأعرافه وآرائه وأفكاره وتوجيهاته السياسية والاقتصادية وعلاقاته الاجتماعية غير أن علم التغرب أو الاستغراب لايزال في بداياته. اذا كانت ظاهرة التغرب في مضمونها تهدف الى حمل الشعوب الاسلامية على تقمص الشخصية الغربية فكرا وسلوكا.. فما مدى نجاح اصحاب هذه الدعوة في بلاد الشرق الاسلامي؟ هذه الدعوة الاستغرابية باءت بالفشل حيث رفض العالم الاسلامي سيطرة الغرب عليه واستغلاله لمقدراته كما كان للسياسات الاستغلالية الغربية الجائرة أثر كبير في شيوع مظاهر الرفض الشعبية لسلوك هؤلاء المتغربين ومحاولتهم الانتقاص من القيم والمثل والاخلاق والفكر الاسلامي على نحو يجعل من المسلمين الأدنى ومن الغربيين الأعلى ومن ثم فقد رأينا أن الأمم الاسلامية لم تقبل على انتحال الأفكار والآراء الغربية انتحالا شديدا مأخوذا به إلى حد امتزاجه بطبائعها وأخلاقها مثل اقبالها على استعمال الادوات المادية للحضارة الغربية ولاسيما ان كان من شأن ذلك توفير الرفاهية والرخاء. ولكن كيف ترى ما ذهب اليه بعض المستشرقين من أن ظاهرة التغرب في الشرق الاسلامي قد نجحت من خلال الاعلام والمدارس في إضعاف تأثير الدين الاسلامي على سلوكيات العامة؟ يوضح د. الفيومي: مما لاشك فيه أن انفتاح الشرق الاسلامي على الغرب من خلال الاعلام أو الاحتكاك المباشر قد ترتب عليه انتشار ثقافة جديدة بين الشعوب الاسلامية أثرت بدرجة ما على مدى التزامهم بقيم وقواعد الاسلام فإلى وقت قريب كان الدين هو كل شيء في حياة الفرد المسلم يعيش من خلاله ويرى كل شيء من خلاله أما الآن فقد انفسحت مهامه في الأمم التي أصابت حظا من التقدم ولم يبق نشاطه محددا بالدين حيث يعرض له الكثير من المواقف والقضايا لا علاقة لها بالدين ولا تناقش فيها وجهة نظر الدين وغالبا ما يكون الحكم فيها لنظريات ومباديء لا علاقة لها بالدين وبذلك نرى أن سلطة الاسلام عليه في حياته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية قد خفت وتراجعت وتكاد تكون محصورة في مجال العبادات فقط. وماهو السبب في هذا الواقع المزدوج الذي يعيشه المسلم المعاصر؟ ـ من أهم الاسباب ـ والكلام للدكتور محمد الفيومى ـ هو حالة الجمع الفكري التي عاشتها المجتمعات الإسلامية خلال العصور الوسطى وما سادها من تقليد اعمى وانتشار الخرافات والأوهام ومن ثم فقد سعى المسلم المعاصر إلى كسر أغلال هذا الجمود والتخلف الذي عاشه أجداده وارتمى في أحضان الفكر الغربى بمدارسه المختلفة ولكن حتى في هذه الحالة فقد أخذ ينهل ويقلد بدون وعى وتمييز مالا يلائمه ويتوافق مع مصلحة مجتمعه حتى ادرك مؤخرا أن الحضارة الغربية ليست كلها خيرا بعدما لمس أن هذه الحضارة وذاك التقدم يقوم على نضال اقتصادى عنيف لا يعرف هوادة ولا يقف في وجهه اعتبار من قواعد الخلق أو من الاخاء الانسانى أو من المودة والرحمة. نضال في سبيل المادة بين أهل البلد الواحد وبين الدول المختلفة هو الذي كان مثار الحروب لأهل الغرب انفسهم لكل ذلك لم يجد المسلم المعاصر طريقا إلا العودة الى تراث السلف لاصلاح ما أفسدته حضارة الغرب. في ضوء محاولات البعض إثارة روح العداء ضد الشعوب الاسلامية ووصمها بالارهاب ومعاداة التقدم والمدنية.. ما هو السبيل الى اقامة حوار حضاري بين الشرق المسلم والغرب المسيحي؟ قبل الانطلاق في أى حوار ثقافي او فكرى متبادل علينا ان نحاول تصحيح المفاهيم الخاطئة والحقائق المشوهة عن الاسلام والمسلمين التي تعمل وسائل الاعلام الغربية على اشاعتها واقناع الرأي العام الغربى بها. كما يتعين العمل على ايجاد مشترك للمفاهيم التي يستعملها كل طرف من الاطراف في هذا الحوار الحضاري.