على الدوام كان القرآن الكريم محل اهتمام وبحث الدارسين والمخصصين في الكثير من العلوم فهو كلام الله المعجز، ولذلك فأهل البيان يبحرون فيه باحثين عن الدرر البلاغية، والاعجاز البياني، وأهل التفسير الجهادي يبحرون في القرآن منقبين فيه عما يملأ القلب بالإيمان ويدفع الناس للجهاد، وأهل الحقيقة يبحثون عن أسرار واشواق وتجليات، أما أهل التفسير الحضارس ومنهم مؤلف الكتاب الذي بين أيدينا د. سيد دسوقي حسن فهم الباحثون عن الميزان القيمي في القرآن في هذا الميزان الذي نجده منثورا في آياته ظاهرة في بعض الأحيان ومكنونا كالدرة في تلافيف قصة قرآنية أو في إشارات مثل قرآني في أحيان أخرى، والكتاب يحمل عنوان نظرات حضارية في القصص القرآني. يقول المؤلف اننا عندما نقرأ على سبيل المثال المفسر في القرن الرابع الهجري لسورة الفلق سنجده يتحدث عن السواحر اللواتي يعقدن في عقد الخيط وينفثن فيها وذلك بالقطع كان سائرا في الحياة الجاهلية العربية، ولكننا اليوم وفي القرن الواحد والعشرين فيمكن أن يحتمل الأمر ما هو أكثر من ذلك .. السورة تقول أياتها «قل أعوذ برب الفلق، من شر ما خلق، ومن شر غاسق إذا وقب، ومن شر النفاثات في العقد، ومن شر حاسد إذا حسد» صدق الله العظيم .. فما أجمل فلق الصبح بعد ظلام الليل وكل إنسان يأمل في فلق، وكل شعب يأمل في فلق، ففلق الاصباح حيث الرؤية المستنيرة الواضحة التي تعين الفرد والجماعة على تجنب شرور المخلوقات، هذا الفلق هو النور الذي يملأ الصدور بالايمان والعقول بالعلوم، فإذا من الله عليك بالنور والضياء في حياة طيبة فأنت تستعيذ بالله من شر الظلمات التي ستدخل عليك كما يدخل الليل في النهار رويدا رويدا «غاسق إذا وقب». ولذلك لابد أن تنتبه وتصطنع من أدوات القياس ما يحذرك من قدوم الظلمات التي سوف تحيط بك في صمت وتزداد شدتها في هدوء، ثم يحذرك من شر هذه الأجهزة الرهيبة، أجهزة المافيا الشيطانية التي تتعرف على عقد الناس النفسية والاجتماعية النفاثات في العقد، ثم يحذركم من شر هؤلاء الذين يتمنون زوال النعمة عنكم حتى تنتبهوا وتدرسوا وتتعرفوا عليهم «حاسد إذا حسد» فالحذر واجب، فهذا بحار على شاطى سورة الفلق يعبر عن التفسير الحضاري في اكتشاف الموازين القيمية مندثرة في كلمات الكتاب في إعجاز رباني. وتحت عنوان تأملات حضارية في قصة إبراهيم عليه السلام مع قومه يشير المؤلف في موضع آخر من الكتاب إلى عدد من الآيات في سورة الصافات تبدأ من الآية 83 وحتى الآية 98، في هذه الآيات من خلالها توصل إلى عدة حقائق تتعلق بطبيعة الدعوة والدعاة وبالمسار الذي سوف يتعرضون له مع قومهم، منها أن مجئ الدين مع مجئ الإنسان فالأنبياء صف متواصل عبر الزمان، ونوح من أنبياء الله، ومن شعبته إبراهيم أي أنه جاء بنفس الرسالة وعلى نفس المنهاج والدين كله من عند الله، والحقيقة الأخرى وهي أن الداعية المصلح لابد أن يتجرد قلبه من كل هوى ويأتي بقلب سليم فكم من دعوات إصلاحية قامت على الحقد الاجتماعي أو الاقتصادي أو الجنسي، أما القومي، أو السياسي، كما أن الداعية يجب أن يبدأ إصلاحه في أهله وقومه، فهو أعرق الناس بأموالهم وهو شاهد أمين على أوضاعهم ونقطة بدء أي رسول هي في قومه، وعندما قال إبراهيم لأبيه وقومه «ماذا تعبدون أئفكا آلهة دون الله تريدون فما ظنكم برب العالمين»، فقد بدأ من حديثه حيرة قاتلة وشك مبين، لقد رأى آلهة كاذبة يعبدها الناس دون رب العالمين وهي ليست مجسدة في حجارة وتماثيل ولكنها مجسدة في سلوك اجتماعي يجسد الشرك تجسيدا، والصنم ليس مجردا فحسب فكل من يعبد هواه يعبد صنما والله يقول: « أرأيت من اتخذ الهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا». وحول الدروس الحضارية في قصة يونس عليه السلام، وتذكر الروايات أن يونس ضاق صدرا بتكذيب قومه فأنذرهم بعذاب قريب وغادرهم مغضبا آبقا فقاده الغضب إلى شاطئ البحر حيث ركب سفينة مشحونة وفي وسط اللجة قادتها الرياح والأمواج وكان هذا إيذانا عند القوم بأن من بين الركاب راكبا مغضوبا عليه لأنه ارتكب خطيئة وأنه لابد أن يلقى في الماء لتنجوا السفينة من الغرق، فانتزعوا على من يلقونه من السفينة فخرج منهم يونس وكان معروفا عندهم بالصلاح ولكن سهمه خرج بشكل أكيد فالقوه في البحر أو ألقى نفسه فالتقمه الحوت وهو مليم أي مستحق للوم لأنه تخلى المهمة التي أرسله الله بها وترك قومه ؟ قبل أن يأذن له الله. يقول المؤلف في التفسير الحضاري لهذه القصة أن لكل إنسان في هذه الحياة رسالة تمليها عليه أمور عدة عقيدته، شريعته، إمكانياته الذهنية والروحية والجسدية والعلمية، خريطة المهام المطلوبة في المجتمع بأولوياتها، كل هذا يحدد في النهاية لكل إنسان واجب وقته ومكانه ويحتاج المؤمن إلى أمرين مهيمن يستعين بهما على تحديد رسالته أو واجب وقته ومكانته أولا : أن يخلص لله ويتجرد من كل الهوى وثانيا أن يحصي كل إمكانياته الخيرية وكل ما حباه الله من قدرات خاصة أي يحصى ما بيمينه، وعلى الإنسان متى عرف واجبه أو ظن اليقين أنه يعرفه فعليه أن يستعين بالله ويستمسك به مهما أوذى فى سبيل ذلك ومهما كانت وعثاء الطريق وكآبة المنظر، ولا يتولى بعيدا عنه كما تولى يونس الذي أبق إلى الفلك المشحون. ويضيف المؤلف أن كل إنسان يركب فلكه الذي قدره الله له لتحقيق رسالته لابد وأن يصبر على الأذى الذي يحيط به من كل جانب ولا يصرفن بصره إلى أفلاك أخرى، ربما تبدو له مشحونة بالنقص الذي يعتريه في ملكه، فإن في فلكه نقص في المال أو الثمرات وبدا له في فلك آخر أنه مشحون بالمال والثمرات فلا يأبق من فلكه الذي يحمل معه واجبه ويأوي الى الفلك الآخر هربا من هذا الواجب المقدس، فالهجرة من فلك إلى فلك لا يكون إلا واجبا، ونحن هنا لا نقول برمزية قصة، يونس عليه السلام، وإنما نقول لها أشباها ونظائر في حياتنا فبطن الحوت الظلمة شديدة الظلمة أو أشد منها وقد تكون الظلمة داخل النفس لا خارجها. القاهرة ـ مكتب «البيان»