أول مايجب على شبابنا ان يصنعوه هو تصحيح نظرتهم وتقويم أفكارهم حتى يعرفوا دينهم على بصيرة ويفقهوه عن بينة ونقطة البداية في هذا الفقه المنشود هي سلامة المنهج الذي يجب ان يسلكوه في فهم الاسلام والتعامل مع أنفسهم ومع الناس والحياة على أساسه. ولهذا اهتم علماء الأمة بوضع القواعد والضوابط اللازمة لحسن الفهم والاستنباط فيما نص عليه الشارع أو فيما لا نص فيه، ومن هنا نشأ علم «أصول الفقه» ليضبطوا به فقههم ويعنون بالفقه: التفكير الاسلامي في استنباط الاحكام العملية من أدلتها التفصيلية ومن هنا كان بحثهم في الحكم والحاكم والمحكوم به والمحكوم عليه وبحثوا في الأدلة الأصلية والتبعية وبحثوا في الأمر والنهي والخاص والعام والمطلق والمقيد، والمنطوق والمفهوم وبحثوا في مقاصد الشريعة وما جاءت به وحاجية وتحسينية إلى آخر ما جاء به علم أصول الفقه على تنوع طرق التأليف فيه وهو علم من حق المسلمين ان يفخروا به لأنه لا يوجد له نظير عند الأمم الأخرى. على ان هناك قواعد وضوابط قد لا تضمها كتب الأصول الرسمية وإنما توجد منثورة في كتب أصول التفسير وعلوم القرآن أو في كتب علوم الحديث ومصطلحه التي يطلق عليها أيضاً «أصول الحديث». وهناك غير هذه وتلك قواعد وضوابط متناثرة في كتب أهل التحقيق قد نجدها في كتب العقائد أو التفسير أو في شروح الحديث أو في كتب الفقه أو غيرها يلحظها من كان له بصر بالشريعة وأسرارها المهم إذن هو الفقه الواعي لدين الله، الفقه الذي لا يعتمد على قراءات فجة ولا فهم سطحي لنصوص الشرع يخطف الآيات والأحاديث خطفاً دون تبصر وتعمق لأسرارها ومقاصدها إنما نريده فقهاً رشيداً متكاملاً يقوم على منهج سديد هذا الفقه الذي ننشده لأجيالنا المسلمة الصاعدة يجب ان يراعي عدة أمور. إن معرفة الشريعة لا تتم بمجرد معرفة نصوصها الجزئية متفرقة متناثرة مفصولاً بعضها عن بعض، بل لابد من رد فروعها إلى أصولها وجزئياتها إلى كلياتها، ومتشابهاتها إلى محكماتها وظنياتها إلى قطعياتها حتى يتألف منها جميعاً نسيج واحد مرتبط بعضه ببعض متصل لحمته بسداه ومبدؤه بمنتهاه، أما ان يعثر على نص من آية كريمة أو من حديث نبوي شريف يفيد ظاهره حكماً فيتشبث به دون ان يقارنه بالأحاديث الأخرى وبالهدي النبوي العام وبهدي الصحابة والراشدين بل دون ان يرده إلى الأصول القرآنية نفسها ويفهمه في ضوء المقاصد العامة للشريعة فلن يسلم من الخلل في فهمه والاضطراب في استنباطه وبذلك يضرب الشريعة بعضها ببعض ويعرضها لطعن الطاعنين وسخرية الساخرين. ولهذا اشترط الإمام الشاطبي في موافقاته تحقيق الاجتهاد في الشريعة المعرفة بمقاصدها وكلياتها، قال: إنما تحصل درجة الاجتهاد لمن اتصف بوصفين: أحدهما: فهم مقاصد الشريعة على كمالها. والثاني: التمكن من الاستنباط بناء على فهمه فيها. وهذا لا يتأتى إلا بسعة الاطلاع على النصوص وخاصة الأحاديث والآثار والتعمق في معرفة أسباب ورودها وملابسات وقوعها والغايات المتوخاة منها والتمييز بين ما هو عام خالد منها وبين ما بني منها على عرف قائم أو ظرف زمني موقوت أو مصلحة معينة فيتغير بتغيير العرف أو الظرف أو المصلحة. فحين ندعو إلى استئناف حياة إسلامية حقيقية يقوم عليها مجتمع إسلامي متكامل تقوده دولة إسلامية معاصرة تتعامل مع عالم متشابك العلاقات متعدد المذاهب تقاربت فيه المسافات والحواجز حتى أصبحكأنه بلد واحد يجب علينا ان ندرك ان فيه المجتمع القوي والضعيف والرجل والمرأة والشيخ والطفل وفيه الظالم لنفسه بجوار المقتصد والسابق بالخيرات فيلزمنا ان نراعي هؤلاء في التوجيه والافتاء والتشريع. والذي أؤكده هنا: ان تشديد المرء على نفسه في سلوكه الشخصي يمكن ان يحتمل وان يقبل ولكن الذي لا يحتمل ولا يقبل ان يفرض هذا على المجتمع كله بجميع فئاته وتنوع مستوياته وعلينا هنا ان نتمسك بالتوجيه النبوي الكريم: «من أمَّ الناس فليخفف فإن فيهم الضعيف والمريض وذا الحاجة» هذا وإن ورد في إمامة الصلاة فإنه بفحواه دليل هاد لمن قاد الناس في أي جانب من جوانب الحياة.