ها أنا أتصعلك وأدخل في أزمنة غابرة عبر هذا الواقع الافتراضي دون ان أتهيأ أصلاً لهذا الدخول العجيب، لقد سمعت كثيراً عن تقنيات وبرامج الواقع الافتراضي الذي يتم تشغيله عبر شبكة الانترنت ولكني لم أتواصل معه أو أتعاطاه نهائياً، ورغم ذلك أجدني امسك مقود الطائرة في اشارة لدخول مجال المعلومات المتدفقة وأدير محرك المؤشر على الشاشة، ولكن إلى أين؟ سؤال مهم طرحته على نفسي.. هل أتجول في معرض الواقع الافتراضي المقام في لندن وأي قاعة أبدأ بها؟ هل أبدأ بقاعة التجارة الالكترونية أم بقاعة تنظيم الوثائق وتصنيفها.. إن الشاشة ترسم بوضوح ما يحتويه هذا المعرض وتأمرني بالضغط من خلال المؤشر على إيقونة محددة لأتجول في فيض المعلومات والصور التفصيلية عن المنتجات إذا ما رغبت.. لكنني أجد الان أن الدخول بهذه الطريقة لا يتناسب ووضعي المتصعلك، لذا علّي أولا أن أبحث عن أصدقائي الصعاليك وأفضل أن ألتقي من كتب عنهم وعن أخبارهم ومن ثم أجالسهم وأتواصل معهم. اذن علّي أن أدير السهم على من كتب عنهم.. ها هو اسم الدكتور يوسف خليف يرتسم أمام كتاب له حول الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي وها أنا أجد نفسي أمام دكتورنا الجليل في مكتبه بجامعة القاهرة بمجرد لمسة زر لهذا الجهاز العجيب. لقد رتب المكتب الكبير المصنوع من خشب الزان بعناية فائقة وبدت على أطرافه حواشٍ جميلة منقوشة بدقة، تشير فترة صناعته إلى أنه صنع في الخمسينات من هذا القرن، وتبدو وراء الكرسي الذي يجلس عليه الاستاذ نافذة تطل على حديقة الجامعة بينما تدلت ستارة خضراء على جوانب النافذة تدل حياكتها على تناسق تام في رسم أطرافها المكحلة بخطوط سوداء.. على يمين الدكتور يوسف خليف بدت مكتبة نقشت في الحائط تكدست الكتب على رفوفها حتى كادت أن تغص. إلتفت للدكتور يوسف مبتسماً ثم وجهت نظري للمكتبة قائلاً: رفقاً بها؟ ـ وماذا ستقول لو رأيت المكتبة التي سرقت أكثر من ربع منزلي؟! إنه الكتاب يا دكتور.. أمامه المغرمون يقفون احتراماً وسلاماً. ـ إنه قدرنا لذا علينا أن نتواصل معه وبه.. ولكن من أنت؟ أنا واحد من الشباب الذين وجدوا في عالم التقنية متعة وعلماً فأردت أن أجرب حظي وأخوض مغامرة المعلومات فوجدت نفسي متصعلكاً، عندها قررت أن أبحث عن الصعاليك من أمثالي فلم تدلني معلومات الشبكة التي اقتحمتها عنوة إلا على عنوانك كمفتاح للدخول إلى عالم الصعاليك. يقولون بأنك صديق الشعراء الصعاليك.. بمعنى أنك أفنيت كثيراً من عمرك تبحث عن اخبارهم في الكتب والمراجع والمخطوطات، ويشير البعض إلى أنك ألبست الشعراء الصعاليك ثوباً جديداً أو مصطلحاً لم يكن موجوداً وهو ما يسمى اشتراكية الصعاليك؟ ـ نعم تعمدت أن أؤكد في ابحاثي فكرة اشتراكية الصعاليك وفسرت في ضوئها هذه الثورة الاجتماعية والاقتصادية التي شهدها المجتمع الجاهلي، وخاصة عند عروة بن الورد الذي تراءى لي داعية من دعاة الاشتراكية في هذه المرحلة المبكرة من تاريخ الانسانية، فقد ذهب بعض الباحثين إلى أنني تعسفت في تفسير الشعر الجاهلي هذا التفسير الاقتصادي، وانني حملت النصوص والأخبار القديمة ما تنوء به من مصطلحات حديثة ترتبط في أذهان الناس بمفاهيم خاصة لم يعرفها العصر الجاهلي، ولم تدر في خلد هؤلاء الشعراء القدماء. بعيداً عن الجدل الذي ذهب إليه بعض الباحثين تعال بنا ندخل في عالم هؤلاء الصعاليك عبر برنامج الواقع الافتراضي المتاح لنا بواسطة شبكة الانترنت، خاصة وانت خير من يخاطبهم لأنك تعرفهم عن قرب.. ـ لا أجد مانعاً من خوض هذه التجربة التقنية خاصة إذا كان الأمر يتعلق بالصعاليك.. هكذا وجدت نفسي أدخل هذا العالم بصحبة الدكتور يوسف خليف باحثاً عن تجربة صادقة لواقع عاشه الشعراء الصعاليك وبلمسة زر كنت قبلها قد حددت دائرة الصعلكة وبالتحديد اسم عروة بن الورد وجدنا أنفسنا في زمن آخر.. فضاء ممتد وصحراء واسعة مترامية ورجل ملتح جميل الوجه، عريض الجبهة، مفرود الثنايا، طويل القامة، حلو الطلعة.. واقف وهو ممسك بلجام خيله.. وما أن رآنا حتى أقبل نحونا فأخذ يتفرس في وجهينا ثم بادرنا بالسؤال: من انتما وماذا تفعلان هنا؟ ـ نحن غريبان وقد أتينا من زمن آخر، كل ما نريده هو الدخول إلى عالمكم كي نتعرف على تفاصيل حياتكم، بعد أن ظلمكم مجتمعكم فعشتم على هامشه! وماذا تعرفون عنا؟ ـ قرأنا عنكم في كتب التاريخ وقد جاء ذكر اخبار وقصص الكثير منكم امثال الشنفري والسليك بن السالكة وتأبط شراً، ولكنك كنت أوفرهم حظاً من الشهرة وأكبرهم قسطاً من النبل، فقد حظيت بإعجاب مختلف طوائف الناس من أمير وخفير حتى ان عبد الملك بن مروان قال في حقك: ما يسرني أن أحداً من العرب ولدني إلا عروة بن الورد لقوله: اني امرؤٌ عافي، إنائي شركةٌ وانت امرؤٌ عافي اناءك واحد أقسِّم جسمي في جسوم كثيرة وأحسو قراح الماء والماء بارد اتهزأ مني ان سمِعت وان ترى بجسمي مسَّ الحقِّ والحقُّ جاهد إذن، هذا ما قاله عبدالملك بن مروان عني بعد سنين طويلة من موتي. ـ بل قال أكثر من هذا، فقد ذكرت كتب التاريخ ان عبدالملك بن مروان قال: من زعم أن حاتم الطائي أسمح الناس فقد ظلم عروة بن الورد، وكان يبدي تعجبه من أن الناس ينسبون الجود والسخاء إلى حاتم ويظلمونك. ايه أيها الاعزاء. يريح عليّ الليلْ أضياف ماجد كريم، ومالي سابحاً مالُ مقترِ ايهلك معتمٌّ وزيدٌ ولم أقم على ندب يوماً ولي نفس مُخطِرِ وفي لمح البصر اختفى عروة من أمامنا وكأن الأرض قد ابتلعته. وغداً نكمل