«ونحن نكتب سطور هذه النهاية، قد يكون من المهم ان نعكف على تأمل جوهر ما تعنيه النهاية. ولم لا؟ أليس يعلمنا الجنيد ان النهاية هي الرجوع الى البداية؟ الم يقل بعض أهل الحقيقة: إنما أراد الرجوع الى الله تعالى لأنه مبدأ كل شيء؟ ألم يقل غيرهم: إنما اراد الرجوع الى الصفاء الذي كان في عالم الأرواح؟ فليت عودتنا من النهاية الى البداية تكون على جسر من صفاء!». بهذه الكلمات اختتمنا الجزء الأول من هذه الموسوعة عن «المساجد واحات لجماليات المكان» الذي تألف من حوالي مئة الف كلمة تقريبا، كانت اقرب الى استهلال، او مصافحة اولى في محاولة سبر هذا الموضوع، الذي لا ينقصه الثراء ولا العمق ولا التعقيد أيضا. ها نحن، على جسر من الصفاء، كما أدعو الله، نطل في مستهل هذا الجزء الثاني من الموسوعة، عودا على بدء، محاولين استكناه المزيد من اسرار هذا الموضوع الجميل والجليل، قاصدين وجه الله، الذي اليه الرجوع لأنه مبدأ كل شيء، حقا وصدقا، كما قال أهل الحقيقة، الذين نرفع الأكف الى الله جل وعلا، ان يجعلنا نحرز شرف السير على دربهم، لعلنا نجترح ذات يوم نوراني المطالع المشي على المقامات بحالنا، لا بعلمنا، على أمل أن يكون العلم لنا عينا. لكن أي زاد نحمله في رحلتنا الوعرة هذه ونحن نضرب في صحراء البحث عن الحقائق المتعلقة بجماليات المكان في حالة المساجد؟ من أين نبدأ؟ والى أين نمضي؟ وأي المحطات نقصد على امتداد هذه الطريق الصعبة؟ في مواجهة هذا الفيض من علامات الاستفهام، وهناك غيره كثير فما اعظم الحيرة التي تستبد بنا، لا نملك الا ان نعود الى اساتذتنا الكرام، الذين اهتموا بجانب مما قلنا في الجزء الأول من هذه الموسوعة، وتكرموا فتعرضوا له بالمناقشة والنقد، واني لمدين لهم بوافر الشكر وعظيم الامتنان. ويعلم الله كم تمنيت لو أنني عرضت ما كتبته على استاذنا المغفور له باذن الله دكتور حامد عبدالله ربيع، فقد كان الرجل عالما بارزا من علماء النظرية السياسية، لكن ذلك لم يمنعه من الاعتزاز بكتابه الذي يحمل عنوان «الروح». وأحسب انه لو كانت في عمره بقية لاهتم اشد الاهتمام بـ «موسوعة الموت» التي اعكف على انجازها بالتوازي مع هذا الكتاب، آملا أن أفوز في السباق مع الزمن، فأفرغ من سطورها الاخيرة قبل ان يحين الاجل. ما علينا، أو لا علينا، كما تقول العرب. الخارطة الصعبة كان جوهر الانتقاد الاساسي الذي طرحه اساتذتنا الكرام الذين شرفوني بقراءة الجزء الأول من هذا العمل انتقادا منهاجيا، هيكليا، لا أملك الا أن اصفه بأنه كان على جانب كبير من الوجاهة والعمق. فقد ذهب قائلهم الى انني في غمار الحرص على تبسيط مناقشة المقصود بجماليات المكان كمنظور اناقش المسجد من خلاله اعتمدت بصفة أساسية على رؤية المهندس حسن فتحي في غمار مناقشته لفلسفة جماليات المكان الى جانب الاستعانة بدراسة جاستون باشلار المعروفة «جماليات المكان» واطروحات يوري لوتمان عن المكان الفني، ودراسات أ.مول وإ.رومير عن الحيز وجمالياته. من منظور اساتذتنا الكرام، فان هذا الاعتماد ادى، في حقيقةالامر، الى رؤية تتسم بالضيق النسبي لمفهوم جماليات المكان، وهو مفهوم محوري وبالغ ضمن هذا الكتاب، واشار بعض هؤلاء الأساتذة الكرام الأهمية انه حتى في اطار التيار الهندسي ـ الجمالي الذي ينتمي اليه المهندس حسن فتحي، فان هناك اجتهادات اخرى جديرة بالاهتمام حقا، مثل اجتهادات المهندس عبدالواحد الوكيل، الذي صمم ثلاثة عشر مسجدا في شبه الجزيرة العربية، كلها رأت النور، ومعظمها يحظى باهتمام الباحثين والدارسين لمنجزات التيار الذي ينتمي اليه الوكيل. ويضيف هؤلاء الأساتذة الكرام انتقادات شتى، لابد لي من ان اقدم ثبتا كاملا بها ذات يوم، اذا قدر لهذا العمل أن يرى النور في صورة كتاب يتيح المجال للملاحق والملاحظات والاشارات واثبات الاعتراضات على المتون في الهوامش. اما الآن فلا بد لنا من معالجة هذا الانتقاد المنهجي، بل في الواقع لابد لنا من تأصيل معمق لمفهوم جماليات المكان، لاننا بسبيلنا الى النظر الى مكونات المساجد ـ التي نقدمها على أنها واحات لجماليات المكان ـ بمزيد من التدقيق، لن نتردد معه في التفكيك التحليلي لجوانب من مكوناتها، وفي التشريح الضافي لابعاد ما يعتبر أبرز مقومات جمالياتها. ان هذا كله يعني، بالضرورة، اننا بحاجة الى اطار أوسع لمناقشة جماليات المكان، من ناحية، والى تحليل اكثر ايغالا في العمق للمقصود بهذه الجماليات ودلالاتها ومقوماتها وخصائصها وينابيع ابداعها، من ناحية اخرى. من المنطقي، تماما، ان هذا يفرض علينا التساؤل: في أي أرض تضرب مناقشتنا للمساجد كواحات لجماليات المكان جذورها؟ الاجابة التي تحضرنا، على الفور تقريبا، ونحن نحاول أن نقدم تأصيلا شاملا لمفهوم جماليات المكان، هي أن هذه المناقشة تضرب جذورها، في واقع الأمر، في صميم معطيات علم الجمال نفسه، من دون أن تعنى الاستعانة بهذه المعطيات الوقوع في الفخ المنهاجي، المتمثل في استدراج القارئ الى تفاصيل لا نهائية، تبتعد به عما يهمه في ما يتعلق بجماليات المكان وصلتها بالمساجد. لكن هذه الاستعانة بمعطيات علم الجمال، كما لا يخفى على أحد، لا تعنى الاغراق في الجانب النظري وتجاهل الجانب العملي، حيث يضرب هذا الجانب الأخير جذوره بدوره في صميم التجربة المعمارية، كتجربة تاريخية معاشة ونابضة بالحيوية وبالعناصر المثيرة للجدل والخلاف، الامر الذي يفرض علينا ان نلقي نظرة على تطور العلاقة بين المدينة والدين وانعكاس هذا التطور على المساجد. بديهي أن هذا الاطار العام لمحاولة فهم طبيعة العلاقة بين المدينة والدين يظل ابعد ما يكون عن التكامل والتماسك، ما لم نضع النقاط على الحروف بداخله على طبيعة القيم الجمالية الاسلامية ومدى عمق اختلافها عن نظيرتها الاوروبية، في سياق الحديث عن العمارة بشكل عام وعمارة المساجد بشكل خاص. لست احسب انه يغيب عن القارئ، في الوقت نفسه، ان مناقشة القيم الجمالية الاسلامية في السياق المعماري ليست ترفا يقصد لذاته، وانما هي، في واقع الأمر، احد المداخل المناسبة للانطلاق الى مناقشة، ربما يتصور البعض انها تتصف بالتعقيد، لكنها لابد منها اذا اريد لمناقشتنا التفصيلية للابعاد الجمالية في مكونات المسجد ان تقوم على أساس ركين، فالواقع انه لابد لنا من التوصل الى رؤية منهاجية نقدية لمناقشة المساجد في السياق المعماري، وايضا في السياق الاقتصادي ـ الثقافي. أخيرا، لابد لنا من أن نلاحظ ان هذه الرؤية المنهاجية النقدية، التي اشرنا اليها حالا، لابد لها من أن تشمل في أحد منعطفاتها العودة الى طروحات المهندس حسن فتحي، باعتبارها تشكل احد جوانب الرؤية الفلسفية لجماليات العمارة الاسلامية وهكذا تكون دائرة الرؤية التي حاولنا تحقيق حد ادنى من الوضوح فيما يتعلق بها قد اكتملت. فلنتابع معاً، اذن، هذه الابعاد، التي تبدو لي أقرب الى خارطة كنز أكثر منها أي شيء آخر. لكنها شأن أي خارطة كنز تقتضي في غمار متابعتها الكثير من الحرص، وأيضا غير قليل من الحذر، تجنبا للمخاطر والمزالق واحتمال أن نضل الطريق. مطاردة الجمال من المؤكد أن قولنا الذي ذهبنا الى التشديد عليه في النقاط الخمس السابقة، التي اعتبرناها بمثابة خارطة كنز معرفي، من أن مناقشتنا للمساجد كواحات لجماليات المكان تضرب جذورها في صميم معطيات علم الجمال نفسه، يثير انزعاج البعض، من الناحية المنهاجية. هذا البعض قد يبادر الى القول إن طرح المسألة بهذا الشكل يعني أن علينا أن نرتحل الى آفاق جد بعيدة، قد تؤدي الى تخلخل دقة البؤرة التي ننظر الى الموضوع عبرها، فالجميل والجمال باعتبارهما موضوعين بارزين من موضوعات علم الجمال يجري تأملهما ربما منذ فجر التاريخ الانساني، وعلى الصعيد الفكري يمكن رد تأملهما بقدر من الوضوح الفلسفي الى افلاطون نفسه. فهل الأمور كذلك حقا؟ قبل التصدي لعلامة الاستفهام هذه، دعنا نحاول ان نفهم بوضوح، وباختصار، ما الذي يعنيه علم الجمال الذي نقول إن مناقشتنا للمساجد كواحات لجماليات المكان تضرب جذورها في معطياته. يوضح لنا دكتور عبدالرحمن بدوي في ملحق موسوعته الفلسفية الصادر عام 1996 ان التعريف التقليدي لعلم الجمال هو أنه «علم الاحكام التقويمية التي تميز بين الجميل والقبيح». غير أنه، في الوقت نفسه، يحرص على اطلاعنا على التعريف الماركسي لعلم الجمال، وهو أنه: «المعنى الشامل لعلم ونظرية النشاط الجمالي للانسان. والمضمون الجوهري للنشاط الجمالي هو تشكيل العالم وفقا لقوانين الجمال. وهذا يفترض حتما معرفة هذه القوانين وتكوين وتحقيق تصورات تقويمية تملك أهمية توجيهية للسمو بعملية الحياة الفردية والاجتماعية.. وعلم الجمال، بوصفه علما، مهمته هي تقرير قوانين النشاط الجمالي وأشكاله المختلفة وأحوال تطورها، وكيفيات تحقيقها ومنظورات تطورها. وعلم الجمال العام يبحث في النشاط الجمالي بوصفه ملكة خلاقة عامة عند الانسان، من حيث هي تعمل في ارتباط كل ظاهرة )الطبيعة والمجتمع(. ويتميز عن القسم من علم الجمال الذي يعنى بالأشكال الخاصة للنشاط الجمالي، التي تعمل على شكل مخروطي في تطور عملية الحياة الاجتماعية: الرقص، الشعر، الموسيقى، الفنون التشكيلية، المسرح، الفيلم السينمائي.. الخ». هكذا، إذن، يطرح علينا دكتور عبدالرحمن خياراً صعباً بين تعريف شديد العمومية لعلم الجمال وبين تعريف آخر لا ينقصه التعقيد قد لا نقر الاساس النظري الذي يستند إليه. فاذا انتقلنا الى دكتور زكي نجيب محمود، محرر «الموسوعة الفلسفية المختصرة»، فاننا نجد أنه لا يقدم تعريفا واضحا ومحددا لعلم الجمال، وإنما يحيل الى موضوع هذا العلم، فيقول إن علم الجمال: «يستمد موضوع دراسته من حقيقة واقعة، هي أن الناس يحكمون دوماً على الأشياء، سواء كانت أشياء طبيعية أو من منتجات الفنون الجميلة أو غير ذلك من مصنوعات الانسان بأنها، جميلة، أو جليلة، أو فاتنة، أو دميمة، أو مثيرة للسخرية، أو ذات جلافة، يضاف إلى ذلك انهم يحاولون ان يؤيدوا مثل هذه الاحكام أو ان يتشككوا فيها، وانهم يشتبكون في الجدل بصددها، وانما تنشأ المشكلات الفلسفية الخاصة بعلم الجمال عن التفكير في هذه المعلومات الأولية». غير ان محاولة هذا نصها للتعريف بعلم الجمال لا تزيدنا إلا حيرة، فدعنا ننتقل إلى مرجع درجنا على مر السنين عى لالنظر اليه على انه دلالة الحائرين في المشكلات التي تعرض لنا في الفلسفة، وهو «موسوعة الفلسفة» الصادرة عن دار ماكميلان من تحرير بول ادواردز، حيث يقدم لنا جون هوسبرز تعريفا لعلم الجمال في الجزء الأول من الموسوعة، قوامه القول ان: «علم الجمال هو ذلك الفرع من الفلسفة الذي يعنى بتحليل المفاهيم وحلول المشكلات التي تثور عندما يتأمل المرء موضوعات جمالية، وهذه الاخيرة بدورها تشمل كل موضوعات التجربة الجمالية، وهكذا فان المرء لا يستطيع أن يحدد فئة الموضوعات الجمالية إلا بعد أن يحدد بشكل كاف خصائص التجربة الجمالية وسماتها». مئة عام من الجمال لا يتردد الكثير من الباحثين في القول ان كلمة «استاطيقا» المرادفة لعلم الجمال، وهي كلمة مستمدة من أصل يوناني يعني «الادراك الحسي» ونجدها هي نفسها بالمعنى نفسه وبرسم متقارب في الألمانية والفرنسية والانجليزية والايطالية، لا يتجاوز عمر توظيفها في هذا السياق القرن إلا بقليل. ويحرص غيرهم على تذكيرنا بأن أول من دعا إلى ايجاد هذا العلم هو أ.ه. باومجارتن، وذلك على وجه التحديد في عام 1735 في كتابه «تأملات فلسفية في موضوعات تتعلق بالشعر» وانه ألقى أول محاضرة له في علم الجمال في جامعة فرانكفورت في عام 1742، ثم نشر في عام 1750 كتابا بعنوان «الاستاطيقا» غير ان المرء لا يحتاج إلى أن يكون متخصصا في دراسة علم الجمال ولا متعمقا في متابعة تاريخه لكي يدرك انه في التقاليد الغربية بدأ تاريخ التفلسف المنهاجي فيما يتعلق بالفنون بافلاطون، لكن انجازه العظيم سبقه، ومهد له، حشد من التطورات في القرنين اللذين سبقاه، لا نعلم عنها، بل ولا نستطيع أن نخمن بشأنها إلا في نطاق بالغ الضيق. هكذا فاننا نستطيع القول ان الحكم الجمالي الوارد في الانشودة الثامنة عشرة من «الالياذة» عن الصورة المرسومة على ترس أخيل بأنها «ذلك كان عملا فنيا رائعا» يومئ إلى بداية التساؤل حول التقليد، أو ان شئت فقل حول العلاقة بين الموضوع وتقليده أو تمثيله، بين المظهر والواقع. ويلقي أفلاطون الضوء على النتائج الجمالية لتفكير ديموقريطس وبارمنيدس في هذه المسألة. فضلا عن ذلك فان رفع هوميروس وهزيود الى مرتبة الحكماء والعرافين والمعلمين الاخلاقيين والدينيين قد أدى إلى اثارة نزاع حول صدق الشعر، عندما تصدى للهجوم عليهما اكسانوفون وهيرقليطس لجهلهما الفلسفي واساءة طرحهما للقيم الروحية. المدهش حقا ان هوميروس وهزيود قد اثارا مشكلة مصدر الهام الفنان، وهو المصدر الذي رده هوميروس الى قوة الهية، على نحو ما يؤكد في الانشودة الثامنة من «الاوديسة» ورده هزيود الى هذه القوة عينها في «الثيوجوني». ولم يتردد بندار في نسبة هذه الموهبة الى مصدر الهي بدوره، غير انه سلم بأن الشاعر يستطيع عبر جهوده الخاصة تطوير مهارته. ولكي لا نغرق في تفاصيل تبدأ ثم لا تنتهي حول تناول موضوع علم الجمال، دعنا نشر الى ما يمكن أن نصفه بالمحطات الممتدة عبر هذا الدرب الطويل، قبل أن ننتقل الى ما يعنينا حقا، وهو المعمار والمكان وعلم الجمال. تكمن المشكلة الحقيقية، في هذا الصدد، في اننا يمكن أن نجد أنفسنا أمام عدد لا نهائي تقريبا من المحطات على هذا الدرب، الذي يشكل تاريخ الفكر الانساني نفسه، ومن هنا تأتي ضرورة الاكتفاء بأبرز هذه المحطات وحدها، التي يمكن أن نوجزها فيما يلي: ـ في التقاليد اليونانية، لابد من التوقف عند افلاطون وارسطو وافلوطين، ذلك ان افلاطون وقف من الفن موقفين متعارضين، فالفن عنده سحر، لكنه سحر يحرر من كل سطحية، وهو جنون وهذيان، كما يتبدى لنا من محاورة «فايدروس» لكنه ينقلنا الى عالم آخر، هو ميدان الصور والماهيات. والجمال لا يقوم في الموضوع والجزئيات، بل هو الشرط في بهاء المرئيات، وهو المثل الأعلى الذي ينبغي على الفن أن يقترب منه، ومن هنا جاءت فكرة المحاكاة. غير انه يجعل الفن في مرتبة ثانية بالنسبة الى الحقيقة والى الخير، بل يؤكد ان الجمال لا يتفق مع الحق ولا مع الخير، لانه يتجلى في المحسوسات، والمحسوس عند افلاطون في مرتبة دنيا بالنسبة الى المعقول الذي ينتسب اليه الحق والخير، غير انه يعود فيقلل من شدة ادانته للفن في محاورة «النواميس» فيقول عنه انه لهو غير مؤذ. أما ارسطو فينتقص آراء أفلاطون، ويشيد بالمحاكاة، ويقرر ان الفن يحاكي الطبيعة كما تتجلى وتظهر، لكن وفقا لمعيار كلي عقلي، ولا يتردد في ابراز المأساة كوسيلة للتطهر من الانفعالات الضارة. أما افلوطين فيمضي في «التساعات» عائدا الى افلاطون ليذكرنا بأن الجمال يكمن في الصورة العقلية ويؤكد ان «الجميل هو المعقول المدرك في علاقته بالخير، انه الانتقال من الواحد الى الآخر، والحد الاوسط الذي بفضله يتعرف الخير في الصورة العقلية والحب في الفكر». ـ في العصور الوسطى، سنجد ان آباء الكنيسة الأوائل على جانب من التشكك فيما يتعلق بالجمال والفنون، فقد تخوفوا من ان الاهتمام الكبير بالأمور الدنيوية قد يعرض الروح للخطر، خاصة وان الأدب والدراما والفنون التشكيلية وغير ذلك مما عرفوه في هذا المجال ارتبط عن كثب بثقافتي اليونان وروما الوثنيتين، ولكن على الرغم من هذه المخاوف والشكوك أصبح النحت والتصوير فنين مقبولين كأداتين مشروعتين للتعبير عن التقى والورع، وتم تقبل الأدب كجزء من التعليم في اطار الفنون المتحررة، وعلى الرغم من ان الاهتمام بالمشكلات الجمالية لم يكن جانبا بارزا من فلسفة القرون الوسطى إلا اننا نرصد بعض الخطوط المهمة في أعمال القديس أوغسطين والقديس توماس الاكويني. أما في العالم الاسلامي فان الانطلاقة الحضارية الكبرى التي شهدها ما كان يمكن الا ان تترك بصمتها على علم الجمال بدوره، وسوف نطل على جوانب من هذه البصمة لاحقا. ـ رأينا كيف برز باومجارتن كمؤسس لعلم الجمال، ولن يغيب عنا ادراك الاسهام الكبير الذي أنجزه ج.ف.ماير عبر كتابه الذي يقع في ثلاثة أجزاء بعنوان «الأساس لكل العلوم الجميلة الصادر بين عامي 1748 و1750. وبدوره شكل كتاب فنكلمان بعنوان «تاريخ فن القدماء» نقطة تحول مهمة في مفهوم علم الجمال، فلم يعد الامر محصورا في وضع نظريات تتعلق بالشعور بالاحساس والجمال، بل تركز الاهتمام في الآثار الابداعية، وكان من نتائج هذا التحول حدوث توسع في النظرة الى الفنون فلم يعد النظر مقصورا على اليونان والرومان وأوروبا بعامة، وانما امتد الى الهنود والمصريين والصينيين وغيرهم من الشعوب. وفي عام 1790 تبرز دعامة قوية في بناء علم الجمال مع صدور كتاب «نقد ملكة الحكم» لامانويل كانت، حيث ترك تأثيرا عميقا في الدارسين والباحثين اللاحقين، وخاصة اصراره على ان الحكم الجمالي يرتد الى أصول سابقة على تكوين التصورات الذهنية، وتستمر مناقشة كانت صورتها المحكمة من وجهة نظره، التي مؤداها ان الاحكام تختلف من حيث الكم والكيف والنسبة والجهة بحيث تنحصر مشكلة علم الجمال أساسا في ان نحدد كيف تختلف الاحكام الجمالية، من هذه الجوانب الأربعة، عن غيرها من الاحكام. ـ اذا كان كانت قد اخرج مناقشة الجمال خارج نطاق المينافيزيقا، وجعل علم الجمال مستقلا عنها، فان هذا هو ما سيتم تطويره والمضي به قدما الى آفاق لم يكن يحلم بها أحد على يد مورتس وفريدريش شلر وجيته، ليبلغ الأمر أوجه عند شلنج وهولدرلين وهيجل. بداية ونهاية ـ تبرز في العصر الحاضر مجموعة من الخطوط التي تنطلق عليها الجهود المبذولة لتطوير نظريات متماسكة في اطار علم الجمال، ومن أبرز هذه الخطوط ما يلي: أ ـ النظريات الميتافيزيقية: ربما كانت أشهر نظرية جمالية في القرن العشرين هي تلك التي طرحها بنديتو كروتشة في كتابه «الاستاطيقا» وذلك على الرغم من انه عاد في وقت لاحق واقترح ادخال تعديلين مهمين على مبدأ الحدس المحوري الذي قال به، حيث يرى ان العمل الفني حدس حسي لعاطفة بعينها جاء ذلك العمل الفني تعبيرا كاملا عنها، فاللوحة والكلمات المكتوبة والاصوات ليست سوى مساعدات سببية تعين الآخرين على ان يحدسوا الحدس نفسه. ويلفت نظرنا الشبه الكبير بين نظرية كروتشة وبين نظرية ر.ج. كولنجوود على نحو ما طرحها في كتابه «أصول الفن»، حيث قام بتوسيع نطاق وجهة نظر كروتشة وايضاحها. وتعد نظرية الحدس التي قدمها هنري برجسون مختلفة تماما، ولكن الكثيرين من الباحثين في علم الجمال بادروا الى الاهتمام بها، وهو يذهب إلى القول ان الحدس هو الذي يمكننا من التوغل الى الحقيقة المطلقة التي من المحتم أن عقولنا تشوهنا. ب ـ النزعة الطبيعية: شدد الفلاسفة العاملون في اطار تقليد النزعة الطبيعية الأمريكية على استمرارية الاستاطيقا مع بقية نسيج الحياة والثقافة، فعلى سبيل المثال يجادل جورج سنتيانا في المجلد الرابع من كتابه «حياة العقل» ضد الفصل الحاد بين الفنون «الجميلة» و«النافعة» ويقدم تبريرا قويا للفن الجميل باعتباره مثالا ومكونا أساسيا في حياة العقل. وربما كان أقوى التعبيرات وأكثرها اكتمالا عن الجماليات الطبيعية كتاب «الفن باعتباره تجربة» لجون ديوي الذي قدر له أن يكون له تأثير هائل على التفكير الجمالي المعاصر، حيث يتناول الفن باعتباره «تتويجا للطبيعة» وليس الاكتشاف العلمي إلا وصيفة له. وعمل عدد من الكتاب، محققين نتائج جيدة، على امتداد خطوط تفكير مماثلة، ومنهم على سبيل المثال د. و.برال في كتابيه «الحكم الجمالي» و«التحليل الجمالي» وكذلك سي. لويس في كتابه «تحليل للمعرفة والتقويم» وستيفن بيبر في كتبه «النوعية الجمالية» و«أساس النقد في الفنون» و«العمل الفني». جـ ـ المناهج السيميولوجية: لما كانت السيميولوجيا، بمعناها العريض، قد شكلت أحد الاهتمامات الاساسية للفلسفة المعاصرة وكذلك للعديد من ميادين الفكر الأخرى، فقد كان من ا لطبيعي ان يعمد الفلاسفة العاملون في هذا الاطار الى بحث امكانية تطبيق نتائجهم على المشكلات الجمالية، ومن هنا جاء العمل الرائد الذي أنجزه سي.ك. أوجدون وآي. ايه. ريتشاردز والذي حمل عنوان «معنى المعنى» والذي شدد فيه المؤلفان على تميزهما بين الوظيفة «الارشادية» و«الانفعالية» للغة، وأعقبت هذا الكتاب الرائد أعمال أخرى لها تأثيرها، مثل كتب ريتشاردز اللاحقة، وكتاب جون هوسبرز «المعنى والحقيقة في الفنون» وكتاب تشارلز ستفنسون «التحليل والتقويم في علم الجمال». د ـ الماركسية اللينينية: عمل فلاسفة كثيرون على تطوير المبدأ الجمالي الأساسي المتضمن في طروحات كارل ماركس وفردريك انجلز، وهكذا تتابعت جهود جورجي بليجانوف، وخاصة في كتابه «الفن والحياة الاجتماعية». وأعطى اندريه جرانوف للواقعية الاشتراكية صياغة أشد صرامة. وتوقف الكثيرون طويلا عن مساهمات جورج لوكاتش وستيفان مورافسكي. هـ ـ الظاهراتية والوجودية: شهد القرن العشرون تشديدا قويا على استقلالية العمل الفني وخصائصه الموضوعية، كهدف في حد ذاته منفصل عن مبدعه وعن متلقيه، وقد طرح هذا الموقف بقوة ادوارد هانسليك في كتاب «الجميل في الموسيقى» وكتاب «الرؤية والتصميم» لروجر فراي وكتاب «الفن» لكليف بيل. وتجلى هذا الموقف كذلك بصفة خاصة في حركتين أدبيتين، هما الشكلانية الروسية التي برزت كذلك في بولندا وتشيكوسلوفاكيا وحركة النقد الجديد البريطانية ـ الأمريكية، ودعمت السيكولوجية الجشتالتية هذا التشديد على استقلالية العمل الفني وكذلك دعمتها الظاهراتية التي طورها في أول الأمر ادموند هوسرل. وتشير «الظاهراتية الوجودية» التي قال بها هيرجر وسارتر الى امكانات فلسفة فن وجودية، قدر لها أن تلقى اهتماما كبيرا. النزعة التجريبية: يشدد منظرو هذا التيار على أهمية التصدي للمشكلات التقليدية للفلسفة من خلال حسمها في اطار نوعين متميزين من المشكلات، النوع الاول يدور حول المسائل المتعلقة بالحقيقة والتي يتعامل معها العلم التجريبي، وفي حالة الاستاطيقا يتعامل معها علم النفس على وجه التحديد، والمسائل المتعلقة بالمفاهيم والمناهج والتي يعالجها التحليل الفلسفي. الآن، مع انتهاء هذا الخط الأول من الخطوط الخمسة في خريطة كنزنا المعرفي، لا نملك إلا ان نعود الى تأمل معاني البداية والنهاية في لغة أهل الحق، فالبداية عندهم التحقق بالأسماء والصفات وهو البرزخ الأول من برازخ الانسان، كما يعلمنا التهانوي. أما النهاية فهي ـ كما رأينا ـ الرجوع إلى البداية كما قال الجنيد. ألا ما أكثر الحيرة على الجسر بين البداية والنهاية وما أقل الصفاء!