أول امرأة خلقها الله وثاني خلقه بعد آدم عليه السلام لذلك تعتبر أم البشر ولقد خلقها الله في الجنة لتؤنس آدم فيها ولتتمتع بنعيمها مثله ثم ليسكن إليها آدم ومن نسلها تكون البشرية وتعمر الأرض بهم وذلك قوله تعالى: (هو الذى خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها) «الأعراف: 189» خلق الله حواء من أحد ضلوع آدم اليسرى وصورها فى جسم أنثى وبقدرته صارت مكتملة الجسم الإنسانى لحما ودماً وروحاً فيما يقرب من حجم آدم وهناك قول بأنها خلقت من قطعة من لحم آدم من جنبه الأيسر انفصلت عنه ونمت وصارت حواء بقدرة الله وسميت كذلك لأن أصلها من لحم ودم حى من آدم وجاء أيضاً في القرآن الكريم أن الغاية من خلق حواء هو الاستقرار النفسى للجنسين معاً الذكر والأنثى وأن هذا التآلف الروحى بينهما هو بإرادة الله عز وجل فكل منهما متمم للآخر يسكن إليه. وقد قضى الله عز وجل لآدم وحواء بسكن الجنة فامتثلا للأمر الإلهى وفى الحقيقة لا يعرف مكان هذه الجنة فهذا غيب عن الغيب من الغيب الذى استأثر الله تعالى بعلمه وعلم بحكمته أنه لاجدوى للبشر فى معرفة طبيعتها وكنهها فلندع الغيب لله وحده وحسبنا ما يقضى لنا بالقدر الذى يصلح فى حياتنا. دخل آدم وزوجته الجنة وأباح لهما الله أن يأكلا منها حيث شاءا وأطلق لهما العنان فى اجتناب مايريدان من ثمارها قال تعالى )وأوحى الله عز وجل إلى آدم أن أذكر نعمتى إذ خلقتك وسويتك بشراً سوياً على مشيئتى ونفخت فيك من روحى وافضت عليك من علمى وأسجدت لك ملائكتى وهاهى دار الخلد جعلتها لك منزلاً ومقاماً وهذا إبليس قد أيأسته من رحمتى ولعنته حين خرج عن طاعتى( قال تعالى )إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى( سورة طه: 117 ثم إن الله سبحانه وتعالى نهاهما أن يقربا شجرة من أشجار الجنة ولزيادة التأكيد أشار إليهما وحددها لهما قال عز وجل )وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغداً حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين( «سورة البقرة: 35». ثم إن الله عز وجل وعد آدم وحواء أن يمد لهما فى أسباب النعيم إن اجتنبا الشجرة التي نهاهما عنها فلا يشعران بجوع ولا يمسها عرى ولا ينالهما ظمأ ولا نصب ماداما في الجنة وقال عز وجل )إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لاتظمأ فيها ولا تضحى( «سورة طه: 118، 119». وإلى حواء يرجع الفضل فى إنجاب البشرية ونسلها ولولا خلقها بهذه الصورة لتكون وعاء للتوالد ما كان هناك أحد من بنى آدم يدب على الأرض. قال تعالى )يا أيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء( )النساء: 1(. ومن المؤكد فى القرآن الكريم أن الله عز وجل خلق آدم وزوجته حواء عليهما السلام من أصل النوع الإنسانى أما كيفية الخلق ومدته وتفاصيله الدقيقة فأمره عند الله تعالى. وإنما هو قول رب العالمين )كن فيكون(. كانت حياة آدم وحواء فى الجنة حياة البراءة المطلقة التى ليس لها حدود وعرف آدم معاني السعادة والارتياح حين أصبح مع حواء في الجنة ولم يعد يشعر بالوحدة ولا يحس بالملل صار يتمتع بما فى الجنة من كل شيء تشتهيه الأنفس وتلذ به الأعين ولعله كان يتحدث مع حواء كثيراً ويسمعان لتسبيح كل شيء بحمد الله الذى أحسن كل شيء خلقه ومنهم آدم وحواء إنهما فقط ممنوعان من الأكل من هذه الشجرة ولعلهما فهما ذلك على سبيل الإرشاد والإعلام والنصيحة لا على سبيل نهى التكليف فكانا كلما اقتربا منها تباعدا عنها مسرعين. وكان إبليس - لعنة الله عليه - يتربص بآدم وحواء فبسبب آدم طرد من رحمة الله عز وجل وفكر كيف يطرد آدم وزوجته مثله وراح يوسوس لآدم بالخبث والمكر ولم يقبل منه آدم ذلك فكرر محاولاته فقال تعالى )فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لايبلى( ثم قال إبليس له ولحواء )مانهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين وقاسمهما إنى لكما لمن الناصحين، فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة( «الأعراف: : 20-22». وأما الشجرة الممنوعة فليس من شك فى أن ذلك قد كان تنفيذاً لإرادة الله سبحانه وتعالى وذلك لتنشأ حياة الإنسانية على الأرض وليتم ماأراده الله من ذلك الذى كان قدراً مقدراً وهناك رأى يقول إن المسألة لم تكن معصية حقيقية وإنما كانت صورة ليرى بنو آدم كيف يفعلون إذا وقعوا فى المحظور كما أن الشجرة كانت مظهراً فقط لارتكاب المعصية أو الخطيئة، قال تعالى )فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ربه فغوى، ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى، قال اهبطا منها جميعاً بعضكم لبعض عدو( )طه: 121: 123( إن من فضل الله تعالى على آدم أن ألهمه سرعة التوبة والاستغفار فتاب الله سبحانه وتعالى عليه إنه هو التواب الرحيم ولو أن آدم هبط إلى الأرض بدون التوبة والغفران لظل عاصياً هو وذريته من بعده مثلما عليه إبليس وذريته الآن. ولكن رحمة الله سبحانه قريبة من المحسنين. إن حواء هى أول أنثى خلقها الله سبحانه وتعالى وهي أيضاً زوجة أول نبى ذكره الله عز وجل فى كتابه وذكره المصطفى صلى الله عليه وسلم فى حديثه. وهى أول امرأة تعيش على الأرض من عالم النساء. وبعد هبوطها من الجنة عرفت أنها ودعت السلام وفى الأرض كانت مع زوجها عليه السلام آدم يواجهان الشقاء كما أخبرهما الله تعالى وفى الأغلب علم آدم صنعة الحديد وأمده بالحرث فحرث الأرض وزرع وأغلب الظن أنها شاركته فى البداية فى كل عمل قام به للأكل أو للملبس إلى جانب قيامهما معاً فى بناء الكعبة بإشارة إليه علوية قامت تساعده فى بناء أول بيت وضع فى الأرض للعبادة. قال نبى الله صلى الله عليه وسلم «بعث الله جبريل عليه السلام إلى آدم وحواء فقال لهما ابنيا لى بناء فخطه لهما جبريل عليه السلام فجعل آدم يحفر وحواء تنقل حتى أصابه الماء نودى من تحته: حسبك يا آدم فلما بنياه أوحى الله تعالى إليه أن يطوف به وقيل له أنت أول الناس وهذا أول بيت ». ثم تناسخت القرون حتى نوح ثم تناسخت القرون حتى رفع سيدنا إبراهيم القواعد منه. حواء... هى أم البشرية وأم النساء والرجال على ظهر الأرض وأم كل الأمهات الأخريات وهى أول زوجة فى تاريخ البشرية وأول امرأة تلد على وجه الأرض «فكانت لا تحمل إلا توأمين أنثى وذكر فولدت لآدم أربعين ولداً لصلبه من ذكر وأنثى فى عشرين بطنا وكان يحل زوج ابن البطن الأولى من البطن الثانية». كما شاركت حواء وخاضت مع آدم بداية كل شيء على الأرض من ممارسة واقعية الحياة خاضت معه وشاركته فى كل المشاعر التى اعترتهما بعد الإنجاب من فرحة الأبناء. ومحنة القربان ثم القتل الأول على الأرض وكانت هى أم القاتل والمقتول والحاسد والمحسود تناوبتها مشاعر السعادة وآلام الشقاء وهذا هو حال الحياة فكل ممارستها وإحساسها بالشعور كانت الأولى فيه والقدوة للتصرف لجميع بناتها حتى يرث الله الأرض ومن عليها لقد رفع القرآن الكريم عن المرأة لعنة الخطيئة الأبدية حين بين أن الزوجين كليهما قد وسوس لهما الشيطان فوقعا فى الخطأ معاً ثم ندما معاً فتابا معاً ولعل لحظة الضعف البشرى من أصدق المواقف الفعلية المرتبطة بدرجة الوجدان وقوته فى النفس البشرية انطلاقاً من أن الإنسان الرجل والمرأة فى بوتقة من صراع ينشأ بين محورين هما القوة والضعف.