ربنا تبارك وتعالى يقول لنبيه الكريم صلى الله عليه وسلم: «ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين بل الله فاعبد وكن من الشاكرين) (6566 الزمر). أي ان الحق تبارك وتعالى أوحى إلى نبيه كما أوحى إلى جميع الأنبياء والرسل السابقين عليه محذراً من الشرك في عبادتهم إياه، فإن هذا الشرك يحبط الأعمال ويفقدها وزنها عنده ومن ثم تكون غير ذات قيمة وبلا أجر، وإنما تعود عليهم بالخسران المبين. ومعنى هذا ان المخاطب بهذا التحذير أصلا هم قوم يقع في حسبانهم ويقينهم أن الله عز وجل موجود وأنه خالق مالك مسيطر فإن هذه القاعدة كامنة في فطرة الناس بعامة لا يشذ عنها أحد مهما كان مريضاً أو فاقداً للادراك والتمييز! حتى المؤمنين بتعدد الآلهة كالفراعنة في بعض عصورهم الوثنية أو الرومان أو عرب الجزيرة أو غيرهم كانوا يرون ان إلها كبيراً مالكا قاهراً مسيطراً هو خالق الكون كله، غير ان له آلهة تساعده وتشيرعليه وتصرف معه أمر الكون والناس، ولذلك كانوا يلجأون إلى هذه الآلهة ويتوسلون إليها بالقرابين والعبادات حتى تكون لهم حظوة وقربى عندهم ثم ينالون ما يريدون من الإله الكبير الذي يقبل فيهم شفاعة ووساطة مساعديه من الآلهة والأولياء الآخرين، وصدق ربنا تبارك وتعالى حين قال وصفاً لذلك: )إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين ألا لله الدين الخالص، والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار. لو أراد الله ان يتخذ ولداً لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار خلق السموات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ألا هو العزيز الغفار( «25 الزمر». ولقد تعددت مفاهيم هذه الأمم الضالة حول خصائص هذه الآلهة المزعومة التي ليس لهم بها سلطان من عند الله او علم موحى به، فهناك إله للمطر والخصب، وغيره للحرب والقتال وغيره للحب والعشق وغيره للرعد والبرق والزلازل وغيره لكذا وكذا، ولا تدري كيف نجح الشيطان في سرقة مشاعر الناس وتوجهاتهم من يقين بتفرد الله وحده بالتصرف في كونه وخلقه إلى التوجه إلى أسماء وهمية لا حقيقة لنفوذها أو أمرها، لأنها إن كانت ذات أصول فهي أصول مخلوقة، لا تملك من أمر نفسها شيئا، سواء كانت من الملائكة أو الجن أو البشر «له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ولله يسجد من في السموات والأرض طوعاً وكرها وظلالهم بالغدو والآصال. قل من رب السموات والأرض قل الله قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم، قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار» )الرعد: 14ـ 16(. ويقول عز من قائل: «لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد ان يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعاً، ولله ملك السموات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير» )المائدة: 17(. ذلك ان جميع من اتجه إليهم الناس بالعبادة إن كان لهم وجود حقيقي، ولم يكونوا وهماً مجرداً، أو أسماء لا ظل لها من واقع، هم عباد يخشون ربهم، ويتبرأون من أولئك الواهمين المخدوعين الضالين: )أيشركون مالا يخلق شيئا وهم يخلقون ولا يستطيعون لهم نصراً ولا أنفسهم ينصرون وان تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون، إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين( «الاعراف: 191194»، )واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزاً كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضداً( «مريم: 81ـ 82»، )وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق، إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب، ما قلت لهم إلا ما أمرتني به ان اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم، وأنت على كل شيء شهيد( «المائدة: 116ـ 117». ومن ثم فليس من المقبول أو المعقول ان يبذل الانسان عبادته وخضوعه وتذلله للخواء والفراغ والوهم ومن الخبل والضلال ان يربط الانسان مصيره بمن يتبرأ من هذا التعلق والارتباط ولذلك صور القرآن حالة المشرك بأقصى صور الضياع، حيث قال رب العزة: «ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه، وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق» «الحج: 31». علي عيد