التجديد في الفكر الإسلامي ليس ترفا وإنما هو ضرورة يقتضيها خلود رسالة الإسلام باعتباره خاتم رسالات السماء، وصلاحية الدين الحنيف لكل زمان ومكان، ولهذا يحتوي الدين الإسلامي على آليات ذاتية لتجديده، ولكن في مراحل التراجع الحضاري تتوه بعض معالم التجديد ويتم تقليص حدوده وتسود شعارات العجز الفكري والجمود العقلي، فتتعالى الأصوات ترى أنه في الإمكان أبدع مما كان، ويتم الترويج لشعارات أخرى من قبيل إغلاق باب الاجتهاد، وتغذيها مخاوف من كل ما يحمل التجديد، فضلا عن الخلط ربما غير المقصود بين الإبداع الفكري والابتداع في الدين الذي هو ضلالة بلا شك. أيضا لا يمكن إغفال كل التداعيات التي صاحبت دعوات ـ ربما تتقاطع مع دعوة التجديد ـ مثل: الحداثة والتغيير والنهوض، واختلاطها بمفاهيم التغريب. المحصلة النهائية لكل ذلك هي الجمود الفكري، انفصال وجفاء بين تعاليم الدين وواقع المسلمين، وأزمة في فهم القيم المعصومة في الكتاب والسنة، وتشويه لرسالة الإسلام، الذي للأسف أصبح يرتبط في ذهن الرأي العام العالمي ـ زورا ـ بالتخلف وربما العنف والإرهاب. وهكذا بتعطيل آيات التجديد اصبح الإسلام محجوبا عن العالم بالمسلمين، باستثناء قلة اعتمدت على جهودها الشخصية في التعرف على الدين الحنيف، وعندما استوعبت الرسالة واعتنقت الدين حمدت ربها أنها عرفت الإسلام قبل أن تعرف المسلمين!! من ثم تظهر الحاجة إلى بعث هذه الآلية التي ترتبط بصلاحية الإسلام لكل زمان ومكان؟، فما ابرز معالم التجديد في هذا العصر وآلياته وما هي أبعاده على المستوى الفقهي والفكري؟ في حياة الأمة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وقبل كل ذلك ما المقصود بتجديد الفكر الإسلامي، وما أبرز المفاهيم المطروحة على الساحة الإسلامية في هذا المجال؟. تساؤلات عديدة نطرحها من فوق منبر«بيان الصائم»، اغتناما للصفاء الروحي والذهني الذي يتواكب مع الصيام، ولا نزعم أننا سوف نقدم إحاطة شافية وكافية لكل أبعاد القضية، فالأمر ليس بهذه السهولة وإنما هي محاولة للاقتراب من هذه القضية وطرح أفكار للنقاش والمدارسة والحوار. بداية نقوم بتحرير القضية ونوضح مفهوم التجديد وإذا بحثنا عن أصول مفهوم تجديد الدين في القرآن الكريم والسنة النبوية، نجد أنهما احتويا على العديد من النصوص التي تشير إلى هذا المفهوم بشكل أو بآخر، غير أن هناك نصاً واحداً يشير إلى التجديد بشكل مباشر، هو الحديث النبوي الذي رواه أبو داود في سننه والحاكم في مستدركه عن أبى هريرة أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:«إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها». وهناك أحاديث نبوية أخرى تشير إلى طبيعة التجديد، منها قول المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله يزفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين». أما في القرآن الكريم فالبرغم من أن كلمة «التجديد بهيئتها أو فعلها» جدد «لم ترد فيه، إلا أن القرآن الكريم لا يخلو عن التعبير عن مفهوم التجديد وعن أهم محدداته بمعان كثيرة أخرى تسهم في تحديده وتفسيره مثل: الاصلاح، والإحياء، والتغيير، والنور، والتنوير. في تتبعه لهذه المحددات يوضح د. سيف عبد الفتاح في دراسته «التجديد السياسي والواقع العربي المعاصر، رؤية إسلامية» أن التجديد لا يعني تغيير جوهر الدين أو أصوله، وإنما يعنى إعادته إلى النقاء الذى كان عليه يوم نشأته حيث الأصالة الفكرية لأركانه وثوابته أى تجديد الايمان به والالتزام بتعاليمه الصحيحة بعيداً عما قد يعتريها من شوائب، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى يعنى تجديد الدين أيضا القدرة على استيعاب مستجدات العصر وما يحمله من قضايا لم تكن معروفة من قبل، وتحتاج إلى بيان موقف الشريعة منها، ويتم ذلك من خلال الاجتهاد وسواء كان فردياً أو جماعياً. وإذا كان التجديد لا يعنى تقليدا بلا بينة، فانه لا يعنى تبديداً للشرع تحت أى مسمى كان، كما أنه يجب ألا ينصرف معنى التجديد في هذا السياق إلى معانى التجديد في الدين والشرع ذاته بل هو في حقيقته تجديد وأحياء وإصلاح لعلاقة المسلمين بالدين والتفاعل مع أصوله والاهتداء بهديه. فالتجديد لا يعني المساس بثوابت العقيدة والعبادات ونصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة، إنما يعني إعمال العقل في المشكلات المعاصرة لاستنباط الأحكام الشرعية المناسبة والحلول الملائمة لوضع الأمة على طريق النهوض الحضاري. وليس بالضرورة أن يكون المجدد شخص بعينه، فيرى الدكتور يوسف القرضاوي أن المجدد قد يكون فردا، كالخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز، أو الإمام الشافعي، أو الإمام الغزالى، وهو ما اتجه إليه الاكثرون في فهم الحديث. وقد يكون المجدد جماعة متعددة، في قطر واحد، أو جملة أقطار، في مجال واحد،أو عدة مجالات، من كل من يقوم على ثغرة من ثغر الإسلام. وهو ما مال إليه ابن الأثير والذهبي وغيرهما. وقد يكون المجدد مدرسة أو حركة فكرية أو تربوية أو جهادية، تقوم بدورها في حركة الايقاظ والاحياء والتجديد. وهنا لا يكون دور المسلم أن يقول: متى يظهر المجدد؟ بل يكون قوله: ما دورى في حركة التجديد؟ ونحن نتناول التجديد ينبغي ألا نغفل الظروف والمتغيرات الدولية التي تحيط بعالمنا الإسلامي، مما قد يتطلب إعادة النظر في الكثير من الأمور التي رانت على قلب الأمة فعطلت مسيرتها وجعلتها تتخلف عن الركب الحضاري للعالم المعاصر، وإن كان الحديث عن التجديد لا ينطلق من أحداث عارضة أو ظروف وقتية إنما ينطلق من أسس إسلامية واضحة، جسدها الحديث النبوي المشار إليه، المحددات التي وردت في القرآن الكريم. ننبه إلى أن ما نعنيه بالتجديد يتعلق بالفكر الإسلامي وليس فقط بالفقه، فالأول أعم واشمل من الثاني، وهنا يحسن بنا التمييز بين النص الإسلامي والفكر الإسلامي، فالنص وهو القرآن الكريم السنة النبوية، يتسم بالثبات، غير أن ثبات النص لا يعني أن قراءته ثابتة، وإنما هي متجددة، فعطاء القرآن وفهمه واستيعابه يتجدد في كل عصر، وعلى سبيل المثال لم تتوقف الأمة عند التفسير الذي توصل إليه الجيل الأول من المسلمين وفق معطيات عصرهم، وإنما ظهرت تفسيرات أخرى، كالتفسير الدلالي والتفسير الموضوعي، والتفسير العلمي. وعلى ذلك ينحصر الثبات في نص القرآن، بينما يدخل تفسيره في الفكر الإسلامي الذى نعنى هنا بأمر تجديده. ومن ثم فإن الفكر الإسلامي يشمل كل العطاء المعرفي للمسلمين، فكل ما ينتجه الفكر انطلاقا من عقيدة الإسلام هو فكر إسلامي وان اختلفت مجالاته وتنوعت ميادينه. فينسحب مفهوم الفكر الإسلامي هنا على ما يتعلق بعلوم القرآن والسنة، وما يتعلق بالفقه، والمعاملات والاقتصاد، وما يرتبط بالفلسفة والسياسة والعلاقات الدولية، والاجتماع الإنساني بشكل عام، وغير ذلك من المجالات الأخرى. د. محمد يونس