ان الله تعالى لما خلق الخلق تكفل برزقهم وتأمين قوتهم، ولو أننا تدبرنا آيات القرآن الكريم لأطمأنينا على أرزاقنا ولما خشينا فقرا أو جوعا لأن الله تعالى قبل ان يخلق الخلق قدر اقواتهم في هذه الارض التي استعمرهم فيها. قال تعالى: «قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الارض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين، وجعل فيها رواسي من فوقها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين». 910 فصلت. فخلق الأرض في يومين وقدر أقواتها في يومين، فجاء تقدير الأقوات في زمانه معادلا لخلق السموات أو الارض. فكيف يخاف الانسان على رزق تكفل به رب العالمين. ثم بعد ان قدر في هذه الارض اقواتها يبين لنا كيف يسير لنا رزقنا ويؤمن لنا مواردنا مهما تحكم المتحكمون واغتصب الغاصبون، فالى أي مكان هرب الانسان فان الرزق يكون من فوقه ومن تحت اقدامه، اما من فوقه فقد سخر له الريح والشمس والمطر، فان الرزق يكون من فوقه ومن تحت اقدامه، ومن تحت اقدامه ارض مذللة قابللة للنبات، لكنها تحتاج الى عمل. وكل رزق جعل الله له سببا يجب ان نأخذ بأسبابه وهو السعي كما ذكره تعالى في القرآن «هو الذي جعل لكم الارض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه» 15 الملك. فهو الذي ذلل الارض وحلل الرزق، وقسمه بين عباده، ثم ان هذه الارض مع اختلاف طبائعها قابلة للرزق بأي نوع من أنواع الرزق صحراء كانت أم جبالا. فكم من صحراء انقلبت الى جنان، اليس صحراء الربع الخالي كانت في يوم من الايام بلدا لم يخلق مثلها في البلاد، وهي التي عنى بها ربنا سبحانه وتعالى في كتابه «ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد». 68 الفجر. وكم من صحراء اخرجت النفط والذهب كما هي بلاد الخليج وغيرها اليوم، وكم من صحراء استصلحت فاصبحت جنات، وكم من جبال ذللت وشجرت أو اخرج الله منها ذهبا ومعادن. لكن كل ذلك يحتاج الى عمل قال تعالى: «وآية لهم الارض الميتة احييناها واخرجنا منها حبا فمنه يأكلون، وجعلنا منها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون. ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون» 3335 يس. اما النبات والثمر فيحتاج الى الهواء ـ او كما يقولون الاكسجين ـ للتنفس والتلقيح وما كان الانسان ليستطيع ذلك، فخلق الله الرياح لتداعب هذا النبات فتعطيه ما يحتاج وتساعده على النمو والتزاوج قال تعالى: «والارض مددناها والقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون، وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين، وان من شيء الا عندنا خزائنه وما ننزله الا بقدر معلوم، وارسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فاسقيناكموه وما أنتم له بخازنين» 1922 الحجر. فما أروع هذا التسخير الالهي لهذه المخلوقات التي لا يمكن أن يتحكم فيها ابن ادم لولا تسخير الله تعالى. وقال ايضا «ومن آياته ان يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته ولتجري الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون» 46 الروم. ويبين لنا كيف يسير كل هذا لنا ايضا «الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء، ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فاذا اصاب به من يشاء من عباده اذا هم يستبشرون» 48 الروم فالى اي مكان يهرب الانسان من ظالمه يجد مكانا ليستطيع ان يزرع ويأكل ويرعى لكن لابد من عمل، فكما ان الارض لا يستطيع ان يتملكها كلها احد فكذلك الريح ليست بيد احد، فالموارد الغذائية بيد الخالق، فكما انه قادر على ان ينبت الارض الجرز قادر على ان يفني الارض الصالحة للزراعة وان يجفف الماء التي تجري «اولم يروا أنا نسوق الماء الى الارض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه انعامهم وانفسهم أفلا يبصرون» 27 السجدة. وقال في مقابل ذلك «قل أرأيتم ان اصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين» 30 الملك. وقال كذلك: «ألم تر ان الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالابصار» 42 النور. ومهما قيل عن حركة الرياح وبخار الماء والضغط الجوي والبرودة والسخونة المسببات لنزول الامطار فان الامر يبقى دائما بيد الله ييسره كيف يشاء ويزيد فيه من عنده ما يشاء. د. ابو بكر علي الصديق جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا