ولا جدال في ان الحلي في بداية العصر الاسلامي كانت متأثرة في طراز زخارفها وأسلوب صناعتها بالنماذج الساسانية والبيزنطية ولكن الحق أنه من العسير تحديد المكان الذي صنعت فيه معظم الحلي الاسلامي أو تاريخ صناعتها تحديدا فيه قدر كبير من الثقة والاطمئنان. ونظرا للتشابه الفني في منتجات سوريا ومصر فان ثمة قطعا من الحلي ترجح نسبتها الى هذين الاقليمين بدءا من العصر الفاطمي وحتى نهاية العصور الوسطى. ورغم السمعة الطيبة التي حازتها الحلي الايرانية الا ان ما وصلنا منها ليس سوى نزر يسير ولعل أقدمها علبة تميمة من الذهب عليها كتابه كوفية مكررة نصها «الملك لله» ومن المرجح أنها صنعت في فارس أواخر القرن الرابع الهجري«10م». كما أظهرت صياغة الحلي في تركيا العثمانية حذقا واستيعابا كبيرين لتراث الحلي في آسيا الاسلامية وبخاصة في ايران والهند، وقد نالت منتجاتها الاعجاب الشديد من الأوروبيين خلال القرنين الحادي عشر والثاني عشر للهجرة «17-18م». أما الأندلس فان قطع الحلي المنسوبة اليها فنادرة للغاية ويبدو أنها كانت متأثرة بالتقاليد الفاطمية في مصر وشمالي أفريقيا وخاصة في مجال استخدام الزخرفة بالمينا المتعددة الألوان. وتعتبر الهند في عصر أباطرة المغول خير ممثل للحلي الاسلامية على مشارف العصر الحديث والحقيقة ان الاقبال على حلي الهند كان عظيما نظرا لنبوغ الهنود في صياغة الذهب والترصيع بالأحجار الكريمة. وقد وصلت الى المتاحف والمجموعات الفنية في أرجاء العالم قطع كثيرة من الحلي الهندية المصنوعة من الفضة والذهب والمرصعة بالأحجار الكريمة. ومن أهم الاحجار الكريمة التي أقبل الهنود على استخدامها في عمل الحلي خلال عصر الدولة المغولية الزمرد الأخضر «سيلكات البريللوم» وهو حجر كريم شفاف ذو لون أخضر جميل، وغالبا ما توجد بللورات الزمرد في أشكال منشورية بسيطة التكوين، ويعتبر الزمرد من الجواهر الصلبة.وكان الزمرد شائع الاستخدام في الحليات الوسطية التي تزدان بها أطواق الأذرع الشائعة لدى الهنديات، ومن أمثلتها حليتا وسط يحتفظ بهما متحف الكويت الوطني احداهما على هيئة شكل سداسي وقد حفرت بها زخارف نباتية مؤلفة من سيقان تنتهي بأوراق طولية. وقد شكلت بالقطع والتثقيب وأكبر عرض فيها 5.7سم وهي تزن 234 قيراطا ويعود تاريخها الى أواخر القرن العاشر الهجري«16م». أما الحلية الثانية فهي ذات هيئة شبه بيضاوية شكلت بالقطع والتثقيب وقد ازدانت في الوسط بشكل وردة ذات أربع بتلات واستخدام نفس الشكل في زخرفة بقية الحلية التي تزن 79.6 قيراطا ويصل عرضها الى 4.8 سم وهي تعود الى القرن الحادي عشر الهجري «17م». ومن نفس هذا الحجر الكريم نجد قلادة شكلت بالقطع والتثقيب وهي مؤلفة من كرات حفرت بها زخرفة مضلعة ويتناقض محيط كل كرة كلما ابتعدنا عن الزمردة الوسطى باتجاه طرفي القلادة ويبلغ طول هذه القلادة الفريدة الى 66 سم وتزن 530 قيراطا وهي الأخرى من انتاج الهند المغولية فيما بين القرنين الحادي عشر والثاني عشر للهجرة «17-18م». ولا يباري هذه القلادة في الجمال والفخامة سوى قلادة أخرى من انتاج الهند في نفس تلك الفترة ولكنها من الذهب الذي شكل على هيئة رقائق وأسلاك مستديرة رصعت بالماس وطليت بالمينا. ومن المعروف ان الماس هو سيد مملكة الأحجار الكريمة بل هو أصلها وتقدر صلابة الماس بعشر درجات هي قمة مقياس اتخذ لقياس الصلابة عامة يسمى مقياس «موه» وتجدر الاشارة الى ان الماس يوجد في الهند في الأحجار الرملية وفي حصى الأنهار وتوجد مناجمه على الجانب الشرقي لهضبة الدكن ويستخرجه الأهالي حتى اليوم بوسائل بدائية جدا لا تختلف كثيرا عن مثيلاتها منذ ثلاثمئة سنة مضت. ولهذه القلادة مدلاة من الذهب والماس على هيئة وريدة تتدلى منها زمردة خضراء لها شكل كمثرى بديع.وعرض هذه المدلاة 4.1سم. بيد ان أبدع هذه المجموعة التي نعرضها من حلي الهند المغولية هي تلك المدلاة التي صيغت من الذهب بواسطة رقائق وأسلاك على شكل كائر له ذيل وجناحان منشوران وقد رصعت هذه المدلاة بعدد من الأحجار الكريمة. فجسد الطائر وريشة وأجزاء من رأسه ومنقارة جميعها من الياقوت الأحمر، ومن المعروف ان هذا الحجر الكريم هو أحد مفردات الثروة المعدنية من عائلة اللافلزات من شعبة معدن القورند. ويعرف الياقوت الأزرق باسم «سفير» أما الياقوت الأحمر المستخدم هنا فيعرف باسم«روبي» وهو يلي الماس في الصلابة.وهذا اللون الأحمر المعروف بدم «الحمام» هو الذي يعطي للياقوت أعلى الأثمان وقد ذكر القدماء ان قيمة المثقال من الياقوت الأحمر «4.25جرامات» تقدر بثلاثة آلاف دينار ذهبي. ولابد من الاشارة الى ان حلي الياقوت كانت تلقي رواجا في الشرق ليس فقط لندرته وارتفاع اثمانه ولكن أيضا للروايات ذات الطابع الخرافي التي كانت تنتشر حول الياقوت. ومن أهمها القول بأن كل من حاز ياقوته براقة حققت له أسباب الأمن والوفاق مع الرجال ولذا فقد كان الياقوت مفضلا في حلي النساء، وذلك بالاضافة الى روايات تتحدث عن ان الياقوت يحفظ حائزه من جميع الأخطار والمهالك ويصد عنه عيون الحساد. والى جانب الياقوت فقد استخدم صائغ هذه المدلاة ماسة براقة جعلها في نحر الطائر ومن حولها اطار ذهبي مرصع بالبللور الصخري «أوكسيد السيليكون» وهو أرخص الأحجار الكريمة المستخدمة في هذه التحفة الفنية الرفيعة القدر والجمال. ولم يكتف الصائغ بذلك وانما استخدم أيضا أربعة من اللالئ تتدلي ثلاثة منها من ذيل الطائر بينما تتدلي الأخيرة من منقارة. ولم يفته أيضا ان يضع في نهاية السلك الذهبي الذي يخترق اللؤلؤ زمردة خضراء صغيرة الحجم ليكمل بها مجموعة الأحجار الكريمة المعروفة في صياغة الحلي.أ ن هذه المدلاة هي أصدق تعبير عن روح الثراء والترف التي كانت تعم شبه القارة الهندية اثناء الحكم المغولي وهي أيضا شهادة حية على مدى ما وصل اليه فن صياغة الحلي في بلاد الهند. د.احمد السيد محمد