شهدت اللغة العربية بمجيء الاسلام تغييرا كبيرا فقد انتقلت من لغة من لغات عامة لتصبح لغة امة جديدة عظيمة، وقد توسعت هذه اللغة توسعا عظيما حين صارت لغة القرآن الكريم، واحتوت الحديث النبوي الشريف، وظهر فيها ما دعاه اللغويون الكلمات الاسلامية. وتغلغلت المعاني الاسلامية في ألفاظها فأضافت الى خصائصها القديمة الاصيلة جديدا مهما لونها بلون جديد بالغ الأهمية. وقد تنبه بعض العلماء من اللغويين والمحدثين الى ألفاظ وردت في الحديث النبوي، هي في الاغلب الأعم لا تدخل المعاجم ـ الا في القليل ـ وهي ألفاظ استعملها رسول الله صلى الله عليه وسلم او شرحها لصحابته رضي الله عنهم ايضاحا لمراده منها، او المقصود الذي يراد. ومن المأثور النبوي قوله صلى الله عليه وسلم: «ما تعدون الصرعة فيكم؟» قالوا الذي لا يصرعه الرجال، قال: «هو الذي يملك نفسه عند الغضب» وبعد شرح لغوي وملاحظات اضافية قال ابن الاثير )وهو لغوي محدث( تعليقا على هذا المقصد، او المصطلح الدلالي الخاص: «وهذا من الألفاظ التي نقلها عن وضعها من التوسع والمجاز. وهو من فصيح الكلام، لأنه لما كان الغضبان بحالة شديدة من الغيظ وقد ثارت عليه شهوة الغضب، فقهرها بحلمه، وصرعها بثباته، كان كالصرعة الذي يصرع الرجال ولا يصرعونه». ولو اطلعنا على استعمال العرب قبل الاسلام لمادة )صارع( لما وجدنا هذا المعنى الذي بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا المعنى والايضاح لمعنى )الصرعة( هو توضيح نبوي ومعنى جديد يدخل في المصطلح الاسلامي وفيما علم رسول الله صلى عليه وسلم أصحابه، فرووه عنه، وصار بين يدي الناس: يفهمونه، ويأخذون به، ويضيفون الى معارفهم الاسلامية. وقد استفاد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الملمح الذي عرفوه من النبي الكريم. وقد اجتمع لدي عدد من هذه المصطلحات الدلالية الاسلامية التي نهج فيها صحابة النبي الكريم نهجه، وحذوا كما علمهم حذوه وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله: «ليس الفقير الذي لا مال له، إنما الفقير: الا خلق الكسب» يعني: الاملس من الحسنات الذي لم يقدم لآخرته شيئا يثاب عليه. أراد الفقر الاكبر انما هو فقر الاخرة وأن فقر الدنيا هو أهون الفقرين. وقيل لأبي هريرة رضي الله عنه: ما التقوى؟ قال: اجزت في ارض فيها شرك؟ قال: فكيف كنت تصنع؟ قال: كنت أتوقى. قال: فتوق الخطايا. وتزخر كتب الأدب والتراجم والمعارف العامة وغيرها بتعريفات تنسب الى بعض العلماء والفضلاء ممن جمعوا علم العربية الى العلوم الاسلامية وهي تجري المجرى الذي نحن بسبيله، فقد استفادوا ونهجوا على مثال المنهج، او قاربوا وشابهوا. روي عن عمر بن عبيد انه ذكر عنده الاسخياء )الأجواد( فاكثروا في عدهم وأطنبوا في وصفهم وهو ساكت، فقيل له كيف لا تتكلم في هذا الباب؟ قال: ما عسى ان اقول، وما ذكرتم من اليوم سخيا؟ انما السخي من جاد بماله وعف عن أموال الناس. وهناك اصل لهذا الملمح الذي نشير اليه، من وجود المصطلحات الدلالية الاسلامية )زيادة على الالفاظ الاسلامية( في القرآن الكريم. ومنه ـ والله اعلم ـ قوله تعالى )ان شانئك هو الأبتر( وكانت العرب تسمي من كان له بنون وبنات ثم مات البنون وبقي البنات انه ابتر. وقال بعض كفار قريش عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه أبتر ـ وساء ما قالوا ـ فأنزل الله تعالى الآيات الكريمة )وهناك في أسباب النزول والتفسير كلام موسع مطول(. أي الذي زعم هذا الكلام من الكفار هو الابتر، اي: المقطوع ذكره من خير الدنيا والآخرة. فهذا المعنى اسلامي، ولم يرد في كلامهم القديم ولم تسجله المعاجم من القدماء وهو مصطلح دلالي اسلامي. فحلقات )مصطلحات دلالية( ستتناول اطرافا من الكلام النبوي، وما جرى على نهجه، او سايره مما ورد في اقوال بعض الصحابة رضي الله عنهم في متابعات لغوية ومصطلحية اسلامية.