عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم». في هذا الحديث الشريف يوضح الرسول صلى الله عليه وسلم ، موقف الإسلام من آفتين من شر الآفات، يترتب عليهما هلاك الإنسان وضياعه في الدنيا وفي الآخرة، فحذر الرسول صلى الله عليه وسلم أمته منهما. وبين ماتشتمل عليه كل آفة منهما، من شر وهلاك، وحاربهما الإسلام بوسائل شتى، كاشفا عما ينطويان عليه من خطر داهم، وفساد يستشري في المجتمع، فنفر الرسول صلى الله عليه وسلم من الظلم حين أمر باتقائه، فقال «اتقوا الظلم» وآثر التعبير بكلمة اتقوا، دون غيرها، ليصور بشاعة هذه الآفة، وأنه أولى بالمسلم أن يحذرها ويبتعد عنها بالتزامه طريق العدل الذي أمر به الله تعالى، قال سبحانه : )إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون(. وبين الله تعالى أن نتيجة الظلم أليمة، وعاقبته وخيمة، أما نتيجة الظلم في الدنيا، فقد صورها القرآن بأنها تنتهي بأصحابها إلى الهلاك، قال تعالى : )فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا(. وأما في الآخرة، فإن الظالم يلقى ظلمات متتابعة إذا خرج من ظلمة دخل في غيرها وهكذا يلقى أمامه مظالم العباد ظلاما في آخرته، فهى ظلمات متراكمة بعضها فوق بعض، فتكون الظلمات على هذا محمولة على ظاهرها وحقيقتها، في قوله صلى الله عليه وسلم «فإن الظلم ظلمات يوم القيامة» ويحتمل أن يكون كناية عن الهول والشدة في الآخرة بالنسبة للظالمين، فهو تصوير لسوء العاقبة بالنسبة لهم، كما قال تعالى : )ماللظالمين من حميم ولاشفيع يطاع(. وأما الآفة الثانية : فهى الشح، ويعتبر سببا للظلم، فالشح هو الحرص الشديد على المال وجمعه بشتى الوسائل، وعدم إنفاقه في وجوه الخير فيظلم الإنسان بهذا التصرف أصحاب الحقوق، ويغبنهم، فيكون من الظالمين. وقد يراد من الشح أشد البخل الذي يلازم الحريص على المال. فحذر الرسول صلى الله عليه وسلم من الشح وأمر باتقائه، حتى لا يتهالك الناس على الدنيا، ثم بين السبب في هذا التوجيه، وهو : أنه كان سببا في إهلاك من كان قبلكم، وهم بنو اسرائيل، ويحتمل أن يكون هلاكا معنويا بموت القيم الرشيدة، والأخلاق السديدة، والفضائل المثلى، ويحتمل أن يكون الهلاك على ظاهره وحقيقته بأن يكون هلاكا حسيا، وهذا ما نرجحه، لأنه، بعد ذلك : حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم، فسفك الدماء وإراقتها، إنما يكون بقتل بعضهم لبعض، وهو الهلاك الحسى، كما حملهم على تحليل ماحرم الله عليهم، فقد حرم الله تعالى عليهم الشحوم، في قوله تعالى : )ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما( فأذابوها وباعوها؛ وأكلوا أثمانها، وعندما حرم الله تعالى عليهم الصيد يوم السبت، حبسوا السمك في الحفر التي حفروها في هذا اليوم، ليصطادوه في الأيام المقبلة، فهم أحرص الناس على الحياة وعلى المادة، كما قال تعالى : )ولتجدنهم أحرص الناس على حياة(. هذا مايترتب على كل من آفتي الظلم، والشح، وهما رذيلتان من أخطر الرذائل التي حذر منها الإسلام؛ وحاربها في جميع صورها، ولننظر الآن الى ضدهما، وبضدها تتميز الأشياء : وهما فضيلتا العدل، والسخاء :أ ما العدل : فهو إعطاء الحق لصاحبه، ماديا كان هذا الحق أو معنويا. وقد عنى القرآن الكريم بتوضيح مكانته، وتجلية نتائجه في جميع الجوانب، قال تعالى : )ان الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا(. وللعدل جوانب واسعة في كل جانب منها محاربة للظلم في مختلف صوره وأشكاله، فهناك العدل في العمل، والعدل في القول، والعدل في الشعور والإحساس. 1 ـ أما العدل في جانب العمل فهو أوسع المجالات في محاربة الظلم، إنه تحقيق للحق في جانب النفس والعرض والمال وسائر الحقوق فينادى الإسلام بالعدل في هذا الجانب بحيث يحرم كل ظلم يقع على النفس الإنسانية من سفك الدم أو العدوان عليها بأى وجه، وبأية وسيلة ، وينشد الإسلام كل وجوه الأمان صيانة للنفس الإنسانية من أى ظلم يقع عليها، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لايشر أحدكم الى أخيه بالسلاح، فإنه لايدري لعل الشيطان ينزغ في يده» كما يصون الإسلام الأعراض والأموال من التعرض لها، ويدفع غائلة الظلم عنها حتى تسود العفة والأمانة سائر المجتمع الإسلامي. وفي سبيل تحقيق العدل في جانب الأفعال حرم الإسلام السرقة والرشوة وكل وسائل الاحتيال التي يتخذها الظلم أشكالا يتستر فيها. 2 ـ وأما العدل في جانب القول، فقد أشار الله تعالى إليه بقوله : )وإذا قلتم فاعدلوا( وأشار الرسول صلى الله عليه وسلم إليه بقوله : «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ». وفي هذا الجانب حذر الإسلام من صور الظلم التي يمكن أن تبرز فيه بصور متعددة كشهادة الزور، والكذب والغيبة والنميمة وما إلى ذلك من الصور. 3 ـ وأما العدل في جانب الإحساس والشعور فذلك بمحاربة صور الظلم الخفية في الداخل مما تنطوى عليه الصدور من حقد وحسد وكراهية وشماتة وسوء ظن، وما إلى ذلك من الآفات النفسية التي تختلج بها المشاعر الظالمة لإخوانها من المسلمين، وفي هذا الجانب دعا الإسلام إلى طهارة القلب وعدالة الشعور. وأما مايتعلق بفضيلة السخاء التي حارب الإسلام بها الشح، فإننا نجد القرآن الكريم يجعل فلاح المؤمن منوطا بها ، فمن استطاع أن يتقى شح نفسه، ويتسم بالسخاء ، فقد استطاع أن ينتظم في صفوف المفلحين عند الله، قال تعالى: )ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون(، وقد بذل الإسلام كثيرا من الوسائل لتطهير النفس الإنسانية من هذه الرذيلة، التي تتعلق بكثير من الناس إلا الذين يتصلون بربهم، ويديمون له الصلاة والإخلاص، قال تعالى : )إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون(. ما يؤخذ من الحديث: 1 ـ التحذير من الظلم والشح، وبيان مايترتب عليهما من العواقب الوخيمة. 2 ـ دعوة الإسلام إلى إقرار العدالة والتعاون بين الأفراد والجماعات. 3 ـ توجيه الناس إلى أحوال يوم القيامة، وما يلاقيه الظالمون. 4 ـ التحذير من رذيلة البخل، وبيان أنها كانت سببا في هلاك الأمم السابقة، وتقويض حضارتها، وترويع الآمنين فيها، عن طريق سفك الدماء، والاحتيال لتحليل ماحرم الله. 5 ـ الحث على إقامة المجتمع الإسلامي على أساس العدل والتعاون، ومحاربة كل الآفات من التسرب الى المحيط الإسلامي. ـ رئيس جامعة الأزهر