يطلق على عصرنا ـ بحق ـ عصر «ثورة المعلومات» فقد انجز فيه الانسان تطورا مذهلا في مصادر المعلومات الالكترونية. وبخاصة شبكة المعلومات العالمية او «الانترنت» التي استغنى بها كثير من الباحثين وشداة المعرفة عن كثير من الكتب، الامر الذي اغرى بعضهم فقال: ان شمس الكتاب تؤذن بالغروب. المقولة خطيرة، وتزعج الكثيرين من المؤلفين والناشرين والموزعين، وتزعج امثالي من عشاق الكتاب وملمس اوراقها ورائحتها وطقوس قراءتها في يسر وفي اي مكان وأي زمان، كما تزعج «الجميلة» التي احتضنها الكتب من قديم وعرض محاسنها ونشرها في الآفاق وحفظ تراثها الزاهر على مر القرون. لكن الواقع والفهم الواعي للطبيعة الخاصة لكل من وسائل الاتصال ومصادر المعلومات يدحضان تلك المقولة، ويؤكدان ان الكتاب سيبقى، بل ستزدهر مملكته، تماما كما بقيت الصحافة وازدهرت مملكتها بعد ظهور الاذاعة والتلفزيون. سيبقى الكتاب، وسيظل صادقا وسائرا على الالسنة كل ما قيل في فضائله من مأثورات نثرية وشعرية وفي مقدمتها حكمة المتنبي الخالدة: أعز مكان في الدنا سرج سابح وخير جليس في الزمان كتاب ولفظة الكتاب في اللغة تجمع على كتب «بضم التاء أو سكونها» وتأتي بمعان عدة. فالكتاب ـ اولا ـ مصدر من مصادر الفعل كتب يقال: كتب، يكتب، كتبا «بضم الكاف وتسكين التاء» وكتابا، وكتابة. والكتاب ـ ثانيا ـ هو الصحف المؤلفة المجموعة وهو اشهر معانيها واكثرها تداولا. الكتاب ثالثا ـ من اسماء القرآن الكريم، كما في قوله تعالى : «انا انزلنا اليك الكتاب بالحق» وهو ايضا الكلام السماوي الموحى كالانجيل والتوارة، كما في قوله سبحانه: «قل من انزل الكتاب الذي جاء به موسى نوراً وهدى للناس» والكتاب ـ رابعا ـ هو صحيفة عمل الانسان في الدنيا، كما في قوله تعالى: «اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً». والكتاب ـ خامسا ـ هو الرسالة يكتبها شخص الى اخر، ومن اجمل ما قيل في ذلك قول الشاعر العباس بن الاحنف: هذا كتابي قد أتاك بما اردد في الكتاب ردي الجواب فإن قلبي مستهام للجواب واجمل من ذلك قوله: واحسن ايام الهوى يومك الذي تروع بالهجران فيه وبالعتب اذا لم يكن في الحب سخط ولا رضا فأين حلاوات الرسائل والكتب؟ والكتاب ـ سادسا ـ هو عنوان مؤلف سيبويه في النحو. والكتاب ـ سابعا ـ هو الحكم ومنه القول: «لاقضين بينكما بكتاب الله» وهو الغرض ومنه قوله تعالى «كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم» وهو القدر، اي «المكتوب على الجبين» وهو الأجل، وهو عند العامة عقد الزواج، حيث يقولون: كتب الكتاب اي عقد النكاح. ومن التعابير والكنى المأثورة: «أم الكتاب» وهي سورة الفاتحة، و«اهل الكتاب» اي الذين لهم كتاب منزل وهم اليهود والنصارى، و«الكتاب المقدس» كالتوراة والانجيل. وتزخر الادبيات بأقوال واشعار تمتدح الكتاب، لكن الطريف ان الاديب الكبير عباس محمود العقاد وهو على رأس اصدقاء الكتب، له قصيدة بعنوان «يا كتبي» تمرد فيها عليها فألهبها غضبا وشكوى ومما قاله فيها: ياكتبي اشكو ولا اغضب ما أنت من يسمع او يعتب ياكتبي اورثتني حسرة هيهات لا تنسى ولا تذهب يا كتبي ألبست جلدي الضنى لم يغن عني جلدك المذهب ينتفع المرء بما يقتني وانت لا جدوى ولا مأرب