لنبدأ من الأزهر، المركز الروحي لمصر وللعالم الاسلامي، الجامعة والمسجد والمعنى، لنخطوا الى الجنوب عبر المنطقة التي نعرفها باسم الباطنية منذ أن وضع جوهر الصقلي أساس القاهرة، لنتجه شرقا، ثم شمالا، لنسلك عددا من الدروب والحارات، تبدو سهلة لمن يعرفها، وصعبة مستغلقة على الفهم لمن يجهلها. ولكن في القاهرة القديمة لا يمكن للانسان القريب والغريب أن يخشى، أو يداخله خوف. إذا تاه أو ضل طريقه ليسأل فقط، وسوف يتقدم منه العديد من الناس يتطوعون للارشاد ويبدون المساعدة، وقد يصحبه أحدهم حتى الهدف الذي يقصده. الكل هنا يعرف كنيسة حارة الروم، إنها ليست كنيسة في الحقيقة ولكنها مجمع كنسي يضم دير الأمير تادرس الشاطبي أحد شهداء الكنيسة المصرية القبطية، وديرا للراهبات، وكنيسة أخرى، قد لا يعرف الكثيرون أن هذا المجمع الكنسي من اقدم كنائس العالم، وأنه كان مقرا للبطريرك القبطي، عندما دخل الجيش الاسلامي الى مصر بقيادة عمرو بن العاص، كان بطريرك الأقباط مختفيا عن الأنظار في ذلك الوقت هربا من اضطهاد الرومان، وظهر بعهد أمان أرسله اليه الفاتح الاسلامي عمرو بن العاص، وعاد الى مقر البابوية في هذا المكان الذي لم يكن يحيطه إلا الخلاء، وبعض المنشآت المتباعدة، ومنها دير للأقباط أيضا اسمه دير العظام. حتى الآن ما زال هذا المجمع الكنسي في موقعه على بعد خطوات من الجامع الأزهر، وظل هذا المجمع مقرا للبابا حتى نهاية القرن التاسع عشر، عندما انتقل المقر الى منطقة الأزبكية ثم الى العباسية الآن اعتبارا من السبعينيات. إذا عبرنا القاهرة من الشمال الى الجنوب، أو من الجنوب الى الشمال، سوف نلاحظ أن المنشآت الدينية موزعة على المدينة. كنيسة حارة الروم، إذا دخلنا الحارة من ناحية الغورية سنجد أن العين تقع على مآذن شتى من العصر الفاطمي والمملوكي والعثماني، ونمضي عبر الطريق الرئيسي الممتد محاذيا لنهر النيل وهذا شأن كل المدن المصرية منذ العصور القديمة، أن تمتد مجاورة للنيل، تتدفق فيها الحياة مثله من الجنوب الى الشمال، في سوق الصاغة حيث الذهب والفضة الى الغرب حارة اليهود. والى الشرق خان الخليلي، ومسجد مولانا الامام الحسين المركز الروحي لمصر كلها. حارة اليهود هنا ليست جيتو بالمعنى الغربي الذي كان يحصر اليهود في مناطق معينة، لم تعرف القاهرة ظاهرة الجيتو على الاطلاق، ولكنها عرفت باسم حارة اليهود لتزايد نسبة اليهود فيها، ليس لأنهم يهود ولكن لاقامة معظمهم بالقرب من خان الخليلي حيث الصناعات الدقيقة التي تخصصوا فيها، مثل صياغة الذهب والفضة، يقول المستعرب الفرنسي الأشهر أندريه ريمون في كتابه عن القاهرة وهو أعظم من تخصصوا في المدينة العريقة ترجمة الى العربية لطيف فرج. وفي قلب المدينة ذاته كانت حارة اليهود تضم ثلاثة آلاف يهودي قاهري على مساحة قدرها ستة هكتارات، حوالي 15 فدانا، ولا جدال بأن قرب هذا الحي من الصاغة يفسر موقعه ويتخذ بنيانه شكل الشجرة بدءا من الشارع الرئيسي الذي ينفتح على سوق السمك: ومن الممكن أن تكون فتحات هذا الحي العديدة على الخارج «أربع فتحات» فيما عدا فتحة المدخل الرئيسي والتي تم تحديدها على خريطة وصف مصر. ونجد في حي اليهود أيضا جامعا لتأدية الصلاة هو جامع بركات بن قريميط المشيد عام 1499 ميلادية. مما يدل على أن هذا الحي ليس يهوديا خالصا®. هذه حقيقة بالفعل، لم يكن هناك في المدينة حي تم تخطيطه أو سكناه على أساس طائفي أو عرقي مثل المدن الأوروبية أو الأمريكية التي لا تزال توجد بها حتى الآن أحياء لليهود أو للزنوج أو للعرب أو للأتراك. لم تعرف القاهرة هذه الخاصية في طوبوغرافيتها. وسوف نجد اقدم معابد اليهود موزعة في القاهرة، أحدها في الظاهر، وآخر في العباسية، وثالث في المعادي، ورابع في وسط المدينة الحديثة، شارع عدلي. واذا كان هناك منطقة اسمها حارة اليهود، أو شارع اسمه درب النصارى، فهذه تسمية ليست ذات مضمون حقيقي بحيث يمكن القول انها قاصرة على سكنى الأقباط فقط ولكن سنجد امتزاجا بين المسلمين والأقباط، في المباني، في المناطق الحضرية، في الريف. في الخرنفش، أحد أحياء القاهرة القديمة سنجد ديرا للراهبات، وفي شارع الأزهر الحديث نسبيا، سنجد في سوق الحمزاوي كنيسة للمذهب الارثوذكسي اليوناني، أما المنطقة الأثرية القديمة التي تضم أقدم كنائس العالم. وفيها الكنيسة المعلقة أم الكنائس في العالم اذا جاز التعبير، فإنها لا تعد منطقة خاصة بالأقباط إلا بالقياس الى التاريخ، وليس بالقياس الى حياة المدينة وأقسامها، ذلك إن معظم كنائسها تمت الى الحقبة القديمة السابقة على الفتح العربي، وقد استمرت في نفس المكان، ولا تزال، وستظل، وعلى بعد خطوات منها مسجد عمرو بن العاص، أقدم مسجد في مصر قاطبة وأول مسجد وضع للناس في مصر. لقد عشت في القاهرة القديمة جل عمري، وكانت الأسر المصرية المسلمة تتجاور مع الأسر القبطية، ومعروف حرص كلا الطرفين على الآخر، ويرجع ذلك الى عناصر عديدة تسهم في تشكيل وصياغة المجتمع المصري، وتجعل القول بأن الأقباط ليسوا أقلية تعبيرا دقيقا عن واقع قائم بالفعل ويثبته التاريخ والحاضر. لقد عرفت بعض الأزقة والدروب في القاهرة يتمركز فيها أبناء محافظة واحدة مثل قنا أو سوهاج أو المنوفية، ويجري هذا التمركز مع الهجرة من الريف الى المدينة ثم تذوب العناصر تدريجيا. إن عملية الامتزاج مستمرة دائما في المجتمع المصري، بحيث يصبح النسيج الوطني متينا، قويا، وليس أدل على ذلك من المكان الملموس المجسم، الحاضر، الذي يعيش فيه البشر، لذلك بدا غريبا ومضحكا، الزعم بأن الأقباط يعيشون في مناطق مغلقة الآن في مصر، هذا ما نشر في الولايات المتحدة، وما قدم الى الكونجرس الأمريكي من جانب أقلية محدودة جدا فقطعت أواصرها بوطنها الأم فسعت الى استعداء الأجانب عليه. وإنني لأتمنى من التلفزيون المصري أن ينزل بكاميراته الى الواقع، وأن يقدم الواقع فقط ما بين الأزهر الى كنيسة حارة الروم.