في عام 1962 كان العالم يقف على حافة حرب نووية، فالولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي كانا يخوضان معركة أعصاب حول نشر الصواريخ البالستية على جزيرة كوبا، لقد كانت ازمة الصواريخ الكوبية فترة مرعبة، اقتضت وجود عقول هادئة رابطة الجأش. ولأول مرة بالتاريخ كانت هناك أشياء كثيرة بالغة الأهمية والخطورة تعتمد على فهم آليات تفكير الآخرين. وقد ألقى كتاب يعود الى ذلك العصر أضواء ثاقبة على مغزى الاحداث التي تكشفت للأذهان تدريجيا. وكتب المؤلف يقول: «نستطيع الآن ان نرى أكثر من أي وقت سابق ان الخطر الذي يتهددنا جميعا ليس مصدره الطبيعة، بل الانسان ونفوس الافراد والجماعات، وفي أيامنا هذه اذا فقد أشخاص محددون صوابهم فسوف تنفجر قنبلة هيدروجينية! لقد كانت تلك ملاحظة متبصرة بحقائق الأشياء، أما المؤلف الذي قالها فهو عالم النفس السويسري الشهير كارل جوستاف يونج الذي كان قد توفي في العام السابق للأزمة سنة 1960 عن عمر يناهز 85 عاما، بعد ان أمضى حياته في محاولة فهم طبيعة النفس البشرية لسبر أغوار ما وراء العقل الواعي ومعرفة ماذا يوجد هناك. ما أوجده يونج ساعد في وضع أسس علم النفس الحديث وتحديد معالم مفاهيم مألوفة مثل «الانطواء الذاتي» و«الانبساط» (انصراف الاهتمام الى كل ما هو خارج الذات) والعقد النفسية فضلا عن «التشخيص» أي الآلية التي يحقق من خلالها الفرد كماله الشخصي. وفي سياق سعيه الحثيث لسبر أغوار النفس البشرية، ذهب يونج الى ما هو أبعد بكثير من الاتجاه السائد في العلوم، فقد نقّب عن المعلومات في الأساطير والاديان القديمة وعلوم التنجيم والكيمياء القديمة، واكتشف في أبحاثه صورا متكررة حاول ان يثبت انها تظهر وجود «عقل لا واعي جماعي» نتقاسمه جميعنا. مثل هذه النتائج جعلت أعمال يونج مؤثرة في مجالات تتجاوز الى حد بعيد علم النفس والأدب النافذ والدين والثقافة. لكن في نهاية المطاف تركزت اهتمامات يونج على استخدام افكاره المتبصرة لمساعدة الناس في التغلب على الأزمات الشخصية وبصفة خاصة أزمات منتصف العمر، حيث تبدو الحياة وكأنها تفقد معناها. كان يونج يؤمن بأنه بكشف وقبول المظاهر المهملة أو المكبوتة للنفس البشرية يمكن للناس ان يصبحوا أكثر اكتمالا ورضا. وهذا هو «التشخيص» الذي رأى فيه يونج الغاية التي تحمل أكبر مغزى في الحياة. ولد يونج في كسويل بسويسرا عام 1875 ولم تكن نشأته تقليدية، لقد كان الطفل الوحيد لراعي ابرشيه ريفية وأم روحانية تتحادث مع الاشباح. كانت قناعاته الدينية الراسخة آخذة بالتضاؤل وسيطر عليه احساس بالعزلة والوحدة في طفولته. في المدرسة بدأ يونج يشعر وكأن له شخصيتين واحدة معزولة ومكبوتة والأخرى تمتلك احساسا بالعظمة والسلطة. وفي مسلسل بحثه عن اجابات لمشاكله العديدة، انغمس يونج في مراهقته في قراءة أعمال الفلاسفة. وبعد دخوله جامعة بازل أصبح مهتما بطب النفس ربما في محاولة منه لفهم خفايا شخصيته المركبة وشخصية والدته التي انتهى بها الأمر في نهاية المطاف الى مصح عقلي. وبعد تخرجه، عمل يونج مع الطبيب النفسي المجدد يوجين بلويلر وبحثا معا في استخدام تداعي الكلمات لسبر نفوس المرضى. وفي سعيه لسبر ما وراء العقل الواعي للوصول الى العقل اللاواعي أو «اللاشعور» اقتحم يونج مجالا أكاديميا كان يهيمن عليه حينها عالم النفس الشهير سيجموند فرويد.. بالنسبة لفرويد العقل اللاواعي هو مستودع التجارب المقموعة والدوافع المكبوتة والتي يمكن ان تؤثر على السلوك على نحو مثير. وبحسب التعريف فإن تأثير اللاوعي يستعصي على الفهم والادراك، وا ن كان فرويد قد أكد على امكانية فهمه خلال تقنيات ما أسماه بـ «التحليل النفسي». حرص فرويد على تجنيد يونج وأساليبه الجديدة في خدمة عالم «التحليل النفسي» فبدأ بمراسلته، وفي أول لقاء بينهما عام 1907 كان الشاب يونج (19 عاما) مفتونا بشخصية فرويد الكارزمية، وأصبح يونج الصديق المقرب لفرويد وواحدا من أبرز أتباع مذهب «التحليل النفسي» حيث اختير لمنصب أول رئيس للجمعية الدولية للتحليل النفسي ورئيسا لتحرير مجلتها الدورية. لكن على الفور تكونت عند يونج شكوك حول مذهب فرويد، لاسيما فيما يتعلق بتركيزه على الشئون الجنسية. فخلافا لفرويد لم يستطع يونج ان يقبل بأن مجمل تعقيدات النفس البشرية يمكن ان تختصر بالدوافع الجنسية. وخلص في تجاربه المباشرة مع المرضى الى انه من المستحيل ربط حالات مثل الشيزوفرينيا بمشاكل من أشكال المشاكل الجنسية المتسامية. لكن فرويد الذي سبق له ان تعامل بشكل مباشر مع مرضى الشيزوفرينيا، لم يوافق على هذا الرأي فتصدعت علاقتهما، لأنه لم يكن يقبل بأن يتحداه أحد، ثم تفاقم الخلاف وبدأ فرويد ينشر شائعات بأن يونج نفسه مجنونا. ومن المثير للسخرية ان الابحاث منذ ذلك الحين أثبتت ان فرويد بنى ادعاءاته على تجارب محدودة جدا مع المرضى وعلى افتراضات موضوعة لأغراض خاصة. والآن يشك المؤرخون في ان أساليبه فشلت في شفاء مريض واحد من مرضاه. وفي المقابل فإن أساليب يونج بنيت على سنوات من دراسة المرضى النفسيين فضلا عن دراسته لنفس في اطار بحثه عن أساليب تساعد فعلا في علاج الصدمات النفسية. وقد عرف مذهب يونج باسم علم النفس التحليلي تمييزا له عن مذهب التحليل النفسي الذي أتى به فرويد. واليوم يزدهر أسلوب التحليل اليونجي في أوساط علم النفس ويجتذب دفقا مستمرا من المرضى الذين يبحثون عن الكمال الشخصي الذي توفره آلية «التشخيص». في عصرنا الحالي ما أكثر الاشخاص الذين يكتشفون ان «النجاح» كثيرا ما يفشل في جلب السعادة، حيث اتضحت أهمية جهود يونج المضنية للبحث عن القناعة والاطمئنان النفسي. علي محمد