هناك الكثير من أوجه الشبه بين ما حصل للولايات المتحدة في فيتنام وما حلّ باسرائيل في جنوب لبنان. فكلاهما قد أوجد أهدافاً واهية واسباباً غير منطقية للوجود في المنطقة التي استهدفها، وفي مقدمة هذه الأسباب تحقيق الأمن من خلال إحتلال اراضي الغير. ولأن الاحتلال لا يتسم بالشرعية، ويلجأ في كثير من الأحيان الى الوحشية، فقدت غدت فيتنام، شأنها شأن لبنان، معضلة مستعصية ومقبرة للكثير من القتلى، وسجلتا معا أسطورتين في تركيع من كان يعتبر نفسه قوة لا تهزم أو كياناً قوياً فأذعنت الولايات المتحدة واسرائيل للمبدأ ذاته الذي لا يفهمان شيئاً غيره: القوة. وهكذا كانت القوة المسلحة والمقاومة المنظمة هما ما أرغمتا البلدين على المغادرة، في إنسحاب مذل، سريع، يخلو من أبسط مفردات القاموس العسكري. حيث أضطرت الطائرات العمودية على نقل آخر فلول الجيش الامريكي بعجلة وبسرية تامة، تماماً كما فعلت إسرائيل في سحب دباباتها في جنح الظلام وقبل الموعد المحدد. وهكذا تركتا من تعاون معهما ليلاقي مصيره المجهول، من دون تحقيق أي وعود لهم بالأمن والسلامة. وهذا الكتاب يعالج بالتفصيل ما حصل في فيتنام من خيانة لوعود أطلقها الرئيس الامريكي لحلفائه في فيتنام الشمالية، وكذلك صورة السلام التي أوهم نيكسون الشعب الامريكي والعالم بأنه سلام الأقوياء بينما كان في الواقع مجرد تقهقر مذل ووقف مؤقت لاطلاق النار على الأرض. وهو مليء أيضاً بإقتباسات ووثائق جديدة سرية للغاية حصل عليها المؤلف وأدرجها بين صفحات الكتاب. الكاوبوي الأمريكي يرى الكاتب ان فيتنام قد أخذت في حينه تشكل معضلة مستعصية للسياسة والشعب الامريكي على حد سواء وباتت فخاً من المستحيل عبوره. فقد سعى الرئيس الامريكي ليندون جونسون بشكل محموم للتفاوض مع هانوي لإيجاد ضوء في نهاية النفق في الوقت الذي خيم جو من الأحباط لدى عامة الشعب الامريكي بفعل وجود أكثر من 525 الف جندي على جبهة القتال، ناهيك عن الوف القتلى والمصابين والمفقودين وهدر ملايين الدولارات وقصف هائل لشمال فيتنام وجنوبها وتلويث الغابات بالغازات الملوثة القاتلة التي قضت على البشر والأدغال. وهكذا بدا الأمر وكأن العدو وليس الولايات المتحدة هو الذي يحدد عمر الحرب وشكلها، وهو الأمر ذاته الذي دفع فيتنام الشمالية ومقاتلي فيتكونج لمهاجمة أكثر من 100 مدينة في جنوب فيتنام عشية رأس السنة القمرية الفيتنامية المسماة تيت، في 31 يناير عام 1968، لتحقيق نصر نفسي واحداث فوضى في الداخل من أجل نصر نهائي وحاسم. وكان السلام في فيتنام وإنهاء إراقة الدماء في كامل الهند الصينية وعودة الجنود الأمريكيين الى بلادهم بعد سنوات من الحرب العقيمة النازفة محور الحملة الانتخابية والأهداف السياسية التي أعلن عنها نيكسون وبشر شعبه بأنه قائد قوي بوسعه تحقيق السلام. ويستعرض المؤلف موقفي نيكسون وكيسنجر اللذين سعيا منذ الأيام الأولى للرئاسة الى التفاوض، وأسدى كيسنجر النصح الى نيكسون بتقديم رسالة مباشرة الى هوتشي منه بواسطة لي دك ثو، وأن يسعى، بعد تقييمه للوضع في فيتنام، الى تحقيق تسوية مشرفة وطلب كيسنجر أيضاً من الرئيس نيكسون الاصرار على عدم التسوية على أساس مسألة الخيار الحر لشعب فيتنام الجنوبي. وهكذا حمّل الرئيس نيكسون رسالتين الى مندوبه تخوله الأولى تمثيل الرئيس الامريكي مباشرة وكانت الرسالة الثانية سرية الى هوتشي منه طلب فيها نيكسون من الأخير الجلوس للتفاوض من أجل إيجاد حل للحرب المأساوية وإغتنام مزايا السلام، حيث حملت هذه الرسائل نغمة توددية. تولى كيسنجر بعدئذ إدارة حلقة المفاوضات على مدى عدة سنوات، واتسمت لقاءاته الأولى بالسرية التامة، حيث لم يعرف بهذه الاجتماعات سوى مجموعة قليلة بمن فيهم نائب الرئيس الامريكي وتردد القول دائماً ان كيسنجر في كامب ديفيد بينما كان في باريس. وحتى طباخ نائب الرئيس الامريكي في شقته في باريس لم يعرف هوية كيسنجر الذي اخبره أنه سهارولد أي. كيرشمانس. وحصل أول لقاء كما يذكر المؤلف بين كيسنجر والمفاوض الفيتنامي الشمالي في 21 فبراير عام 1970 ووجد كيسنجر ان ثو صعب المراس، وتمنى لو ان التفاوض كان لتحقيق حل سياسي وليس حلاً عسكرياً. وأعلم كيسنجر ثو برغبة الولايات المتحدة بتمتع فيتنام كجمهورية بالديمقراطية والأستقلال والرخاء لأنها بذلك ستلائم المصالح القومية للولايات المتحدة. أما ثو فكان يرى ان الولايات المتحدة لن تربح الحرب من خلال الفتنمة التي ستطيل أمدها ولن يكون الجنوب قوياً بما يكفي للوقوف وحده بعد ان تغادره الولايات المتحدة. وحاول ثو أيضاً التطرق للوضع الداخلي في الولايات المتحدة لانها تهمه كثيراً، فرد عليه كيسنجر بأن ذلك معضلة امريكية لا شأن له بها. وهكذا يقول الكاتب ان الاجتماع الأول أخفق في ترطيب الجو فأضطر كيسنجر للمغادرة الى واشنطن لكي لا يكون غيابه ملحوظاً، على ان تستأنف اللقاءات في 16 مارس 1970. وكانت شروط هانوي، التي يذكرها الكاتب، غير قابلة للتفاوض وكانت تحقق لهم هدفاً آخر في أطالة أمد اللقاءات حيث أدركوا ان الوقت يسير في صالحهم. ونصت شروطهم على إزالة حكومة سايجون وتشكيل حكومة مؤقتة تضم ممثلين من الحكومة الثورية المؤقتة وحكومة سايجون جديدة وقوى سياسية أخرى وإنسحاب جميع القوات الامريكية من فيتنام وإختيار جمعية قومية من خلال الأقتراع للمصادقة على دستور جديد وحكومة إئتلافية. وعندئذ ستتحقق الحقوق الأساسية القومية للشعب الفيتنامي من خلال الأستقلال والسيادة والوحدة. أما كيسنجر فرفض هذه الشروط ولم يرغب بالتفاوض حول مسألة إستبدال حكومة سايجون وأتهم ثو باللينينية وأن الولايات المتحدة لن تقبل بأي حل يفرضه الواقع السياسي. وهنا يقتبس المؤلف أمراً طريفاً حصل في نهاية الحوار. فبعد ان شعر كيسنجر بالاحباط واليأس من الحوار أتهم ثو باللجوء الى المهارة الجدلية لأطالة الحوار وأنه شخص صعب المراس أجابه ثو -حيث يقتبس المؤلف قوله- سلقد تعلمت هذه الصعوبة منذ ان التقيتكز. وفي 7 أكتوبر 1970 عرض الرئيس كيسنجر مبادرة سلام جديدة ، يراها المؤلف الأولى التي تعلن موافقة الولايات المتحدة بوقف إطلاق النار على الأرض، فاصلة بين مسألة وقف إطلاق النار وإنسحاب القطع العسكرية، وهي المسألة التي شكلت كما يقول كيسنجر حل عام 1972 حيث بقيت قوات فيتنام الشمالية في الجنوب بعد ان فشلت المفاوضات في طردهم. وحتى بعد ان لجأت الولايات المتحدة الى شكل آخر من القصف وإظهار الحزم في طاولة المفاوضات كان نيكسون يسير صوب تحقيق إنهزام متزايد واثقاً في الوقت ذاته في الفتنمة لتحقيق الأنسحاب من فيتنام. ويتطرق المؤلف لما كان يعانيه الرئيس نيكسون فقد تخلى عن قضية سحب الوجود العسكري الشمالي من الجنوب ورفض الكونجرس نشر القوات الأرضية الامريكية في كمبوديا ولاوس القريبتين من فيتنام وحجم النشاطات الجوية والبحرية بالقرب من كمبوديا، ناهيك عن ما حصل داخل البيت الأبيض الامريكي من تنصت ومراقبة لخصوم نيكسون السياسيين ، وتلك عناصر دفعت جميعها بالرئيس لتعجيل الانسحاب والبحث بيأس عن حل. وتجسد الحل الأول كما يشير اليه المؤلف في العمل العسكري الميداني الذي رآه نيكسون ورقة رابحة ستدفع الفيتناميين الشماليين الى التفاوض بسرعة والتخلي عن موقفهم المتشدد. ففي 8 فبراير 1971 عبر 16 الف فيتنامي جنوبي صوب ممر هوتشي منه وهاجموا الجنود الشماليين. ووفرت الولايات المتحدة الدعم الجوي والمدفعي بشكل كبير فأحتج الفيتناميون الشماليون في الأجتماعين التمهيديين في 11 و18 فبراير على الغارات وقاطعوا محادثات باريس من ثم لفترة شهرين. وكانت الوسيلة الثانية في عملية لاينبيكر 2 في 18 ديسمبر بعد توقف المفاوضات وتدهور موقف نيكسون السياسي في الداخل. ويشير المؤلف الى ان عملية القصف هذه بتشكيلات من الطائرات القاذفة من طراز بي-52 قد أخذت تضرب مناطق هانوي-هايفونج، حيث فوّض الرئيس نيكسون الأدميرال مور باستخدام القوة العسكرية بفاعلية لكسب الحرب وتوجيه الهجمات الجوية لتحقق أعلى درجات الدمار. وأمر الرئيس الامريكي أيضاً بمواصلة القصف على مدار الساعة لمدة 12 يوماً بغض النظر عن الظروف الجوية السائدة، لتحقق هدفاً يراه الكاتب متناقضاً هو تفادي الاصابات بين المدنيين مع الرغبة بإيصال صوت دوي القنابل الى مسامع كل سكان هانوي. كان الهدف الآخر الذي يظهره المؤلف أيضاً من عملية «لاينبيكر» هو عزم الرئيس نيكسون في تحقيق أعلى درجة من الدمار النفسي لدى الفيتناميين الشماليين وتحطيم الارادة لديهم في القتال وإظهار انه رجل فولاذي بالنسبة للجنوبيين. وهكذا حققت عملية لاينبيكر هدفها في تدمير دفاعات هانوي وإصابت بشكل فعال ومباشر المواقع الميدانية لكن الولايات عانت، إذ يذكر المؤلف وقوع خسائر كبيرة في الحملة التي دامت 12 يوماً، فقد أسقط العدو 13 طائرة تكتيكية وتمكنت صواريخ سام من إسقاط 15 طائرة بي-52 ، في حين بلغ عدد المفقودين 93 سجل أسر 31 منهم. ويخلص المؤلف الى القول ان عملية لاينبيكر، مع أنها اعادت هانوي الى طاولة التفاوض مرة ثانية، فقد أثرت في صورة الرئيس الامريكي بشدة في الداخل، وتساءلت معظم الصحف عن سلوكه الغريب في اللجوء الى أشد الوسائل وحشية ودماراً في الوقت الذي كان يظهر فيه كأنه قاب قوسين أو أدنى من تحقيق السلام. ووصف أحد أعضاء مجلس الشيوخ الرئيس كيسنجر بأنه في إجازة من عمله، مشبهاً عملية القصف بأسلوب العصر الحجري. وهكذا مثلت عملية القصف وما تبعه الحل المثالي بالنسبة لما يراه نيكسون في إبرام معاهدة نهائية، فجوهر المشكلة هو عدم معرفة كثير من أصدقاء الولايات المتحدة في العالم بضرورة إنهاء الحرب بشكل مشرف من خلال إستعراض القوة والدعم لرفاق الولايات المتحدة وحلفائها. كان الرئيس الفيتنامي الجنوبي نجوين فان ثيو كما يذكر المؤلف قلقاً جداً فيما يخص مجمل المفاوضات وعلى مدى السنوات الأربع وحتى بعد توقيع الأتفاقية، فالقضية كانت بالنسبة له حياة أو موت لفيتنام الجنوبية مسألة وجود أو فناء أزاء حكومة الرئيس ثو التي كانت تعتبره ديكتاتورياً مولعاً بالحرب ويمثل خطراً ليس على فيتنام حسب، بل على الهند الصينية بأسرها وإن التخلص منه سيحل الأزمة بسرعة، وهو ما طالبت به على الدوام حكومة فيتنام الشمالية. ومازاد قلقه هو عدم إطلاعه على الأمور أو عدم إشراكه بالمفاوضات المباشرة وباتصالات الولايات المتحدة مع روسيا والصين، ناهيك عن إحساسه العميق والمؤكد بخداع كيسنجر ونيكسون له. وهنا يسرد لنا المؤلف في كثير من المواضع والفصول بالكتاب ردود أفعاله تجاه المفاوضات والشكل الذي ستكون عليه الهند الصينية بعد إنسحاب الولايات المتحدة ومدى صدق نواياها للتعهدات بحماية فيتنام الجنوبية، وهو الأمر الذي كان خدعة ماكرة بهدف قبوله لشروط الأتفاقية. ففي البداية تولى السفير الامريكي في فيتنام الجنوبية ايلسوير بنكر نقل مداولات الاجتماعات بين كيسنجر ووزير الأعلام الفيتنامي الشمالي لو دوك ثو الى الرئيس ثيو، حيث كانت معظمها موجزاً من صفحة أو صفحتين يتعلق بالأمور العامة لا الجوهرية، فترك الانطباع لديه بعدم رغبة الولايات المتحدة في تغيير حكومة سايجون وان حكومة نيكسون تشدد على ضرورة الانسحاب المتبادل من فيتنام الجنوبية. أما هاجسه وخشيته فتجسدا في سعي هانوي لتحقيق سلام مؤقت أو انتصار نفسي كما فعلت مع الفرنسيين في ديان بيان فو. وكان الأمر الذي أثار غضبه جداً عندما أعلمه بنكر للمرة الأولى بالأقتراح الذي تم تمريره الى هانوي والمتعلق بموافقته (أي موافقة ثيو) على التنحي قبل الانتخابات بشهر واحد، حيث كان الهدف منه عدم هدر الوقت والجلوس الى طاولة المفاوضات بسرعة، بعد ان أحست الولايات المتحدة برغبة هانوي في إطالة أمدها. وطلب منه بنكر تفهم الوضع الداخلي الامريكي الحرج، خاصة بعد رغبة الكونجرس بوقف تمويل العمليات العسكرية في فيتنام وقطع المساعدات (وهي الحجة ذاتها التي لجأ اليها نيكسون لاقناع ثيو بقبول الاتفاقية النهائية في باريس). وطلب من بنكر عندما راى مسودة خطاب نيكسون في 25 يناير إدراج عبارة سمع معرفة وموافقة الرئيس ثيو الكاملةس فيما يخص خطة السلام وأن يذكر اسمه شخصياً في مسودة الأقتراح. ولا يفوت الكاتب الاشارة الى موقف حكومة ثيو تجاه التقارب بين الولايات المتحدة والصين. فقد رأى ان الولايات المتحدة كانت تبحث عن صديق أفضل، بعد ان باتت فيتنام قديمة عديمة الفائدة بالنسبة لها، وبدأ قلقاً من زيارات نيكسون المتكررة للصين فبدأ بالسؤال ان كانت الصين مقراً سرياً جديداً لاجتماعات نيكسون مع ثيو فأجابه بنكر بالنفي، (حيث كشفت سجلات الرئيس مؤخراً ان نيكسون وكيسنجر قد أطلقا في 6 فبراير 1972 مبادرة سياسة خارجية أخيرة عديمة الجدوى لعقد إجتماعات على الأراضي الصينية). ويقول الكاتب ان ثيو أدرك مكر كيسنجر وكان حذراً جداً مما يقوم به. وقد أتهمه بالتعامل المزدوج بالنسبة لفيتنام الجنوبية، فالاقتراح الذي قدمه كيسنجر، له في 26 سبتمبر لا يشبه الاّ قليلاً الاقتراح المطول الذي قدمه هو الى كيسنجر في 13 سبتمبر، وهكذا أدرك ان وعود الولايات المتحدة بالانسحاب المتبادل كان مجرد حيلة لخداعه. وحينما زاره كيسنجر لاطلاعه على إتفاقية باريس وبعد ساعتين من الأصغاء لطرحه طلب من كيسنجر نسخة من الاتفاقية فقدم له الأخير النسخة الأنجليزية التي حذف منها الجدول الزمني والخاص بتسريع موعد التوقيع في 31 أكتوبر والذي أبرمه كيسنجر وثو. وعندما سخر ثيو من ذلك، ورفض التفاوض على مصير بلاده بلغة أجنبية، سأل كيسنجر ان كان النص الذي قدمه الفيتناميون الشماليون له بالانجليزية أو الفيتنامية. وهنا كان لا بد لكيسنجر من القول انه كان بالفيتنامية وقام موظفوه بترجمته الى الانجليزية، مدعياً في الوقت ذاته بأنه قد نسي ان يجلب النص الفيتنامي معه. أدرك ثيو أنه كان من المطلوب منه التوقيع على إتفاقية لا تختلف أبداً عن الأستسلام. وحتى بعد إنتخاب نيكسون أبدى ثيو امتعاضه من الأمتيازات التي منحها كيسنجر الى الشيوعيين والتي ستفضي في النهاية الى تشكيل حكومة ائتلافية تحقق وحدة فيتنام. وأعرب أيضاً عن مخالفته لما ذكره كيسنجر في المؤتمر الصحفي الذي أعطى الأنطباع فيه ان ما بقي ليس الاّ ستفاصيلس وليس «مباديء» وطلب ثيو منه ان يندرج بند انسحاب فيتنام الشمالية من الجنوب وأن يحدد خطاً دولياً فاصلاً بين شطري فيتنام. وحتى في الأشهر الثلاثة التي سبقت توقيع الأتفاقية لم يأل الرئيس ثيو جهداً لتعديل بنود الأتفاقية كي تضمن سيادة سايجون فوق فيتنام الجنوبية، لا سيما ان هنالك دولتين في فيتنام. ولكنه تيقن ان كل الوعود الامريكية حتى بتحقيق أبسط مطالبه قد ذهبت أدراج الرياح، فهانوي ستسيطر على كامل الدولة ولن يدوم أبداً الخط 17 الذي يفصل بين الشطرين. وهكذا يخلص الكاتب الى ان الفيتناميين الجنوبيين أدركوا في النهاية أساليب نيكسون وكيسنجر المخادعة (التي يدعي أنهما قد قاما بحذفها من مذكراتهم) حيث شبّه هونع دك نها مستشار الرئيس ثيو التعامل مع كيسنجر بالمثل الفيتنامي الذي يقول «نحن مثل الضفادع التي تنظر من الأعلى ومن خلال الظلام صوب قاع البئر» فكيسنجر يفضل حتى بعد ثلاثة عقود على توقيع اتفاقية باريس ان يظل الجميع في الظلام، شأنهم شأن الفيتناميين الجنوبيين. سلام نيكسون «غير المشرف» يسخر الكاتب من إتفاقية السلام النهائية التي أبرمت في مركز المؤتمرات الدولي في باريس صبيحة السبت 27 يناير عام 1973 حيث يشبهها باحدى قصائد لويس كارول ذات المعاني الجوفاء على الرغم من كلماتها الطنانة. ففي الوقت الذي نصت الاتفاقية على إنهاء الحرب وعودة السلام الى فيتنام ووقف العداوات وإنسحاب القوات الامريكية. وطالبت أيضاً بعودة جميع المحتجزين العسكريين والمدنيين والأجانب في غضون 60 يوماً بينما تعهدت الولايات المتحدة وفيتنام الشمالية باحترام مباديء تقرير المصير لشعب فيتنام الجنوبية ، بما فيها الانتخابات الحرة الديمقراطية تحت الأشراف الدولي. ومع ذلك لم تنص المعاهدة على وجود حكومة ائتلافية، حيث ستظل حكومة سايجون في الحكم من دون وجود حدود قومية تفصل الجنوب عن الشمال، الأمر الذي يعني وجود حكومتين منفصلتين على بلد واحد. بالاضافة الى ذلك عرفت المعاهدة خط 17 العسكري الفاصل بحد مؤقت وليس خطاً سياسياً أو اقليمياً في الوقت الذي طلب من فيتنام الشمالية والجنوبية إحترام المنطقة المنزوعة السلاح على جانبي الخط العسكري الفاصل المؤقت. ويقول المؤلف ان فيتنام لم تذق طعم السلام في أي لحظة، مستعرضاً الكثير مما حدث حتى قبيل ان يجف حبر المعاهدة. فقد شن الفيتناميون الشماليون هجوماً لأحتلال مدينة تي نيهه بينما نظرت من خلال نوافذ الطائرة الوفود الشيوعية في أثناء عودتها من هانوي وباريس على أمل مشاهدة أعلام الحكومة الثورية المؤقتة ترفرف على سماء المدينة. ولم يفت المؤلف الاشارة الى موقف ثيو من المعاهدة حيث أوصى شعبه في خطابه المتعلق بالسلام بأخذ الحيطة والحذر ضد العدو الشيوعي وأن لا ينخدعوا بالشعور المضلل بالأمان ووصف المعاهدة بأنها «وقف اطلاق نار مؤقت لا غير» حيث يعتمد الأمر كلية على إحترام الشيوعيين لوقف إطلاق النار ومدى جديتهم وحرصهم على المحادثات التالية ورغبتهم في البقاء في فيتنام الحنوبية وموقفهم مما ستؤول اليه نتائج الانتخابات التي ربما لن يحققوا الاّ شيئاً بسيطاً فيها. طالما لم تنص الاتفاقية على سحب قوات فيتنام الشمالية من الجنوب، وهو الأمر الذي اعترف به صراحة وزير الخارجية الامريكي وليم روجرز الى رئيس الوزراء الفرنسي في لقائهما السري عشية توقيع المعاهدة، فقد واصلت فيتنام الشمالية في الفترة التي تلت الأتفاقية مساعيها المحمومة لتحقيق الوحدة فغدت بذلك الاتفاقية أشبه ببروتوكول لسحب القطعات الامريكية وعودة أسرى الحرب من دون تحقيق سلام شامل. وبعد 60 يوماً من توقيع الاتفاقية تولت اللجنة العسكرية المشتركة، والمؤلفة من الولايات المتحدة والحكومة الثورية المؤقتة وجمهورية فيتنام الديمقراطية الشمالية وحكومة فيتنام، بالأشراف على تنفيذ الأتفاقية والبنود الأخرى لتحقيق السلام، على ان تتولى بعد اللجنة الثورية المشتركة في سايجون والحكومة الثورية المؤقتة القيام بهذا الدور شريطة إنسحاب كل القطعات الامريكية والمتحالفة معها بعد 60 يوماً وإطلاق سراح جميع السجناء المدنيين والعسكريين. ورسم الفريق الامريكي الذي فرضه كيسنجر للعمل بسرية مطلقة في سايجون خمسة أهداف رئيسية ينبغي تحقيقها في غضون 60 يوماً وتشكل في جوهر بعضها خيانة لبنود إتفاقية باريس. ونصت الأهداف التي يشير اليها المؤلف على عودة أسرى الحرب وسحب القطعات العسكرية وتخفيض درجة القتال في فيتنام وتشكيل منتدى للحوار بدلاً من اللجوء الى السلاح وتوفير فرصة مقبولة لفيتنام الشمالية لتعتمد على ذاتها. بيد ان الولايات المتحدة قد أبقت على قواعدها في الجنوب حتى بعد النسحاب متمتعة بنفس الحقوق والأمتيازات والسيطرة المطلقة نفسها. وهنا يبادر الكاتب في معالجته لايضاح تصور الأدارة الامريكية للسلام وما سيحل بمصير فيتنام الجنوبية والنوايا الحقيقية التي كانت فيتنام الشمالية تسعى لتحقيقها والتي ما كانت خافية أبداً على إدارة الرئيس نيكسون. فبعد ان قامت فيتنام الشمالية بهجوم بري كاسح في 4 أبريل عام 1973 على معسكر رينجر بالقرب من الحدود الكمبودية ولاقى مقاومة شرسة من جانب الجنوبيين، أظهرت الصور الفوتوغرافية إدخال الفيتناميين الشماليين لصواريخ أرض جو (سام ـ2) الى منطقة خي سانه بهدف القيام بهجوم شامل، ولكن الشيوعيين نفوا حتى وجود مثل هذه الصواريخ. أما عمليات التسلل فيقول المؤلف إنها لم تتوقف من جانب الفيتناميين الشماليين وإزدادت حدة وفي وضح النهار مستفيدين من عامل توقف كافة النشاطات الجوية ضدهم. وأوصى كيسنجر الرئيس باللجوء الى سلسلة من الخيارات العسكرية بما في ذلك غارات جوية لمدة يومين او ثلاثة في مناطق منتقاة ذات أهداف حساسة، في حين فضل نيكسون ما قام به في عيد الميلاد عام 1972 من خلال ضربات مباغتة تكبح بشكل كبير عمليات تسلل الجنود والمعدات وتظهر حزم الولايات المتحدة في التصدي لكل خرق لبنود الأتفاقيات. ولكن قرار القصف، الذي رآه كيسنجر ونيكسون حاسماً تماماً في إختبار ردة فعل الولايات المتحدة وإرغامها فيتنام الشمالية على احترام الاتفاقيات، والذي كان مقرراً ان يتخذ شكل غارات مكثفة عنيفة على طريق لاوس الجنوبية في 16 مارس تم تأجيله بعد ان تأجل إطلاق سراح أسرى الحرب. وحذر كذلك الرئيس الامريكي أكثر من مرة من مغبة عدم الالتزام بالتعهدات التي توجبها الأتفاقيات الموقعة وأنه سيلجأ الى قصف فيتنام الشمالية إذا ما خرقت أياً من البنود. بيد ان شهر مارس كان هادئأ تماماً كما يصفه المؤلف فقد قرر الرئيس نيكسون عدم المخاطرة بمصير آخر مجموعة من أسرى الحرب الامريكيين التي عادت في 29 مارس 1973. وعود كيسنجر الجوفاء وبعد اعادة انتخابه رئيساً للولايات المتحدة للمرة الثانية تخلى الرئيس نيكسون عن وعوده بمساعدة فيتنام الجنوبية، مما دفع ذلك بفيتنام الشمالية الى زيادة درجة العنف والتحرك العسكري ودرجة التهديد. ويظهر الكاتب مكر سياسة كيسنجر ووعوده الجوفاء. ففي لقائه مع المساعد الخاص للشئون الخارجية لفيتنام الشمالية نجيان فو دوك في نيويورك في 26 سبتمبر أجاب كيسنجر على سؤال ضيفه عن نية الولايات المتحدة بقصف فيتنام الشمالية لخرقها إتفاقيات باريس بالقول ان ذلك كان ممكناً تماماً وغدا مستحيلاً الآن بسبب الصعوبات الداخلية، بعد ان تصرف الكونجرس من دون أي مسئولية عندما احجم عن تأييده لعمليات القصف. ثم تطرق الى رأي الرئيس عن إتفاقية باريس من أنها مجرد سلام ماكر تم دمجه داخل مخطط لخداع الشعب الامريكي بلغة السلام المشرف. فالرئيس، كما ينقل الكاتب عن كيسنجر، كان واعياً بغش الشماليين وتخطيطهم باستئناف القصف حالما يغادر آخر أسرى الحرب الامريكيين. وهو ما حصل كما رآه نيكسون حتى عام 1976، بينما كان بالنسبة لكيسنجر بعد ان يتسلم جائزة نوبل للسلام. وأخيراً يطرح الكاتب دور فضيحة ووترجيت وهل كانت تمثل التبرير الأخلاقي لخيانة نيكسون في فيتنام الجنوبية وترك الامريكيين ثيو أمام مصير مجهول تجسد في فراره أخيراً من البلاد ونجاته بشق الأنفس، في الوقت الذي كان عارفاً تماماً بخدعة الوعود الامريكية وبما سيفعله الشماليون بعد رحيل الولايات المتحدة. (وهو المصير ذاته الذي حل بأفراد السفارة الامريكية في سايجون بعدئذ، بفرارهم المفاجيء). ويخالف المؤلف الحجة التي لجأ اليها كيسنجر ولفترة عقود من الزمن الى القول بأن إدارة نيكسون بمن فيها كيسنجر ذاته لم تعتزم أبداً التخلي عن فيتنام الجنوبية. فالرئيس الامريكي ذو الميول المناوئة بشدة للشيوعية ربما أقنع نفسه بأن الشعب الامريكي سيساند فيتنام الجنوبية في وجه أي إعتداء شمالي غير قانوني مهما كان شكله، بعد ان أغفل الرئيس عن الحقيقة التي يعرضها المؤلف بقلق معظم الامريكيين وإعيائهم من الحرب، ناهيك عن أفول حماس عامة أبناء الشعب الامريكي وعدم رغبتهم بمجابهة الشيوعية، على العكس مما كانوا يتمتعون به في فترة الأربعينيات والخمسينيات. وكان كيسنجر له رأي آخر بعض الشيء كما يختتم به المؤلف رأيه عن كامل القضية. فالصورة التي كانت لديه وصرح بها في بعض لقاءاته تتمثل في قصف فيتنام الشمالية على نحو متواصل لمدة أسبوع والذهاب بعدها الى روسيا ومن ثم الأجتماع بـ لي دك ثو .. ولكن الكونجرس جعل من ذلك الأمر أمراً مستحيلاً. وكان يرى أيضاً كما يشير المؤلف كانوا يعدون لخطة إنسحاب تتطلب 5 الى 6 اشهر ليتم إكتمالها، لا كما نصت الأتفاقية في غضون شهرين أو ثلاثة أشهر، حيث سيكون للضربة الامريكية دور كبير في حث الفيتناميين على القيام بذلك تماماً مثلما فعلت الضربات الجوية إبان الحرب. وبعبارة أخرى فأن قصفاً محدوداً من شأنه ان يبطيء عمليات تسللهم، لتشكل بالتالي توقفاً لطيفاً قبيل ضياع الجنوب. وكانت الصفعة التي كان كيسنجر يخشاها كثيراً في فترة الأشهر الثلاثة من قضية ووترجيت. فلقد عجز هو وأدارته عن التصريح باي شيء خشيه توجيه السؤال له من صغار المساعدين، في الوقت الذي كان عليه هو والرئيس الأحتفاظ بأعصاب باردة من دون التخلي عن السياسة الخارجية. وهكذا بدت إدارة نيكسون كأنها تحتفظ بحق العودة للمبادرة العسكرية، إذ لم يكن في مقدورها التخلي وبكل بساطة عن جنوب شرق آسيا وطي صفحة أربع سنوات من الماضي المليء بذكريات الحرب. وهنا يتطرق الكاتب الى الخطأ الذي إعترف به كيسنجر في ذلك الحين والمتعلق في بتقويم رغبة الشعب الامريكي في الدفاع عن الأتفاقية والتضحية من أجلها. ويخلص الكاتب الى أنه أيضاً كان متوهماً الى حد ما بالأعتقاد بأن ما حققه كيسنجر ونيكسون كان سلاماً مشرفاً من شأنه ان يوحد الشعب الامريكي في الوقوف في صف واحد للدفاع عن الاتفاقية التي تم التوصل اليها بعد كثير من الألم والمرارة والتضحيات الكبيرة. وهذا ما يراه المؤلف الخطأ الأكبر فكان يعرف تماماً، كما هي حال نيكسون وكيسنجر، بأن الأتفاقية التي لا يمكنك الدفاع عنها او تنفيذ بنودها بقوة على أرض الواقع ستغدو مجرد إستسلام، فكان كل ما فعله نيكسون في إتفاقية باريس هو مجرد صياغة وتوقيع على بنود الأستسلام.