بدا مجهدا لدرجة جعلتني أفكر في التراجع عن اجراء الحوار.. كان قد انتهى لتوه من مشاهدة أحد الافلام المشاركة في مهرجان الاسماعيلية.. حيث كان عضوا في لجنة التحكيم الدولية بالمهرجان. لباقته الزائدة دفعته للاجابة عن السؤال تلو الآخر فتحدث عن مشاركته في دورة العودة لمهرجان الاسماعيلية وعن علاقته بالسينما التسجيلية وعن أهم افلامه وعن وعن و.. انه المخرج العراقي قيس الزبيدي الذي اشتهر بايمانه الشديد بالسينما التسجيلية وقدم أفلاما عديدة تناول خلالها أهم القضايا العربية وعبر فيها عن الهم العربي وخاصة القضية الفلسطينية.. ومعه كان الحوار التالي: ـ اختيارك عضوا في لجنة التحكيم الدولية لمهرجان الاسماعيلية الدولي للأفلام التسجيلية والقصيرة.. هل استطاع ان يمثل لك شيئا؟! ـ في الحقيقة ان مهرجان الاسماعيلية نفسه يمثل لي الكثير، فاضافة الى انني اقدر الاحتفاليات السينمائية في كل مكان وأرى انها تدعم الحالة السينمائية وتزيدها قوة وتواصلا بين السينمائيين من مختلف البلدان، فإن مهرجان الاسماعيلية بالذات له تقدير خاص في قلبي، حيث اتذكر منذ خمس سنوات تقريبا دورته الاخيرة التي توقف بعدها قبل أن يعود هذا العام، ففي هذه الدورة تم تكريمي في الوقت الذي كانت الاحتفاليات الاخرى وكثير من النقاد يحتفون ويتحدثون عن السينما السورية والفلسطينية واللبنانية في السبعينيات، وذكروا جهود المخرجين والعاملين بها من أجل تقديم سينما جديدة، وتناولوا التواريخ والأفلام والأرقام، وقدم معهد العالم العربي بباريس بانوراما للسينما التسجيلية والروائية، واطلعت على كل ذلك فلم اجد اسمي ولم يتم عرض فيلم لي، ثم فوجئت بتكريم مهرجان الاسماعيلية لي وتخصيص فيلمين من البدايات وصدور كتاب عني، فكان هذا أمرا جيدا وسط حالة التجاهل والغبن التي شعرت بها حينذاك، واعطاني هذا التكريم دفعة قوية وقلت لنفسي ان تكريم الاسماعيلية لي جاء في وقت مدهش ليؤكد أن أفلامي ومجهوداتي السينمائية لن يكون مصيرها التجاهل، لذا فأنا دائما أشعر بالرضا والعرفان تجاه مهرجان الاسماعيلية بشكل خاص. ـ جاءت أفلامك تعبيرا عن الهم العربي ونضال الشعب الفلسطيني.. فلماذا ركزت على الاطفال في هذه الأفلام هل كان هذا التركيز وسيلتك لتوضيح هذا الهم.؟! ـ منذ البداية وجدت نفسي غارقا في الهم العربي، وخاصة في الموضوع الفلسطيني باعتباري عراقيا درست بألمانيا وعملت بسوريا، فوجدت القاسم المشترك لموضوع اقترابي من الموضوع الفلسطيني لانه موضوع عربي وفي الوقت الذي بدأت فيه الاطلاع على وضع السينما التسجيلية لاحظت غياباً شبه تام لهذا الموضوع في الاعلام الغربي، ورأيت ضرورة الحضور في هذا الاعلام، وعلى ذلك فإن المرشح الإنساني لهذه القضية هو الطفل الفلسطيني نفسه الذي يقع عليه الظلم وهو بريء، وهو الأمر الذي يعكس قسوة وجوهر القضية الفلسطينية لدى المجتمع الغربي، وكانت الفكرة في البداية هي كيف يتناول شخص أطفالا في مخيم، ووجدت في فكرة فيلمي بعيدا عن الأرض هذه الامكانية، فعندما قدمت هذا الفيلم الذي تناول وضع الاطفال الفلسطينيين عام 69 وقت تشكيل المقاومة الفلسطينية الفعلية على أرض الواقع في أعقاب هزيمة يونيو 67 لم يكن هذا الطفل بعيدا فقط عن الوطن وانما أيضا عن دائرة الصراع وبالتالي عن وعي الجميع وفي تجربتي الثانية قدمت فيلم الزيارة وهو روائي تجريبي قصير يستمد موضوعه ودلالاته من اشعار الشعراء الفلسطينيين محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد وغيرهم، ثم أعدت في العمل الثالث شهادة الأطفال الفلسطينيين في زمن الحرب كتابة كراسي هو حصيلة تجربة منى السعودي بمخيم البقعة في الأردن عندما أعطت أطفال المخيم أوراقا وأقلاما ملونة وطلبت منهم الرسم وأجريت معهم بضعة لقاءات. ـ إذن.. فأفلامك تعد وثيقة يمكن الاستناد عليها لتوضيح القضية العربية؟! ـ التاريخ يعتمد كثيرا على الوثائق، والفيلم التسجيلي أحد أهم مصادرها، وبالفعل لعبت الوثيقة دورا كبيرا في كل أفلامي تقريبا، وهذا يتعلق أولا بطبيعة القضية المطروحة وأكبر مثال لذلك فيلم فلسطين سجل شعب وهو فيلم يستند الى الوثيقة من الأرشيف سواء كانت سينمائية أم صور فوتوغرافية اضافة الى استنطاق مؤرخين في مقابلات حول تاريخ فلسطين والصراع العربي الصهيوني. أما الفيلم الذي اعتمد على تنوع مصادر الوثيقة الى حد كبير فهو واهب الحرية الذي يتناول المقاومة الوطنية اللبنانية، ففضلا عن التصوير المباشر كان هناك اعتماد على الصحافة والصور الفوتوغرافية وشريط الفيديو المنزلي واشرطة الفيديو التلفزيونية والمقابلة المباشرة مع الأشخاص، والرسم الذي يعنى بالموضوع كوثيقة وجدانية، الشعر الاغنية السياسية مارسيل خليفة وغيره أيضا الموسيقى التصويرية التي استندت الى الاغاني والألحان الشعبية اللبنانية والفيلم الروائي الذي صور مشاهد مقاومة تستند الى وقائع أعيد تمثيلها وحدثت في الواقع وليست من ابتكار المخرج، والأشرطة الاذاعية، اضافة للكتاب الذي تحدث عن المقاومة في مقاطع منها مقطع يحكي عن حرب الجبل مثلا وكيف جرت وقائعها، اضافة الى المادة الأرشيفية البصرية، منها التصريحات السياسية مثل التصريحات الاسرائيلية حول المقاومة اللبنانية، هذا التنوع في الوثيقة وطبيعتها منحاني امكانية اعادة بناء وسرد الحدث والتصوير الذي امتد من السبعينيات وحتى عام 89، وهنا يتدخل مرة اخرى المونتاج والحركة بين ماهية الصور وربطها ببعضها البعض بشكل عضوي، وكان الفيلم يقوم على قدرة المونتاج على تفجير صورة المقاومة بشكلها البصري والسمعي، وهو يكشف أيضا عن غنى المقاومة من عمليات عفوية الى عمليات عسكرية منظمة ومن أحزاب الى تنظيمات سياسية وعسكرية الى مقاومة شعبية أو فردية. ـ ايمانك الشديد بالسينما التسجيلية.. يجعلنا نسألك عما استفدته من تجربة الفيلم التسجيلي؟! ـ الفيلم التسجيلي يضع امام المخرج مهمة محددة ويلزمه أن يكون مطابقا للحالة الاقتصادية والاجتماعية والتاريخية بسبب طبيعة الفيلم، وهذا لا ينفي امكانية عمل فيلم تسجيلي شاعري، ولكني اعتمدت بالأفلام الاخيرة الطويلة على التوثيق للحفاظ على الذاكرة الشعبية الموجودة بالصور والوثائق ضمن قيمة تاريخ فلسطين مثلا أو مقاومة شعب.. وهكذا. وماذا عن فيلمك الروائي الوحيد اليازرلي..؟! لقد قدمت هذا الفيلم عام 1974 وانتجته لي مؤسسة السينما السورية، وفيه كنت أتوق الى صنع حالة مغايرة، فقدمت صورة مبتكرة تحمل خيالا سرديا ورؤى وأحلاما. القاهرة ـ نيرة صلاح الدين: