ذات مرة فكرت أن أكون خبيراً عسكرياً ، شيء مضحك طبعا لكنه حدث، بل أحيانا أصدق أنني كنت استطيع ذلك. لقد حدث هذا منذ سنوات طويلة جدا، وكنت آنئذ طالبا عندما وقع عدوان 1956، وكنا شبابا متحمسا فقررنا أن نشارك كمتطوعين في الحرب ضد جيوش العدوان الثلاثي وانضممنا الى الحرس الوطني الذي كان بمثابة جيش شعبي، واظن أنه انقلب الى ذلك فيما بعد، ولكن حماسنا كان اقوى من تدريبات الحرس الوطني، فقررنا اعتزاله والسفر الى منطقة القناة حيث كانت أرض المعركة. ويبدو أن الفكرة كانت لدى آخرين. لقد وجدنا دعوة للانضمام الى مجموعة فدائية تسافر الى القناة، وكانت تملك امكانية تبدو آنئذ مذهلة. فلقد كان لديهم سيارة نقل كبيرة ركبنا فيها أكثر من أربعين شابا. وفيما بعد وفروا لنا أسلحة خفيفة. وصمموا على أن يقوموا بتدريبنا على الأسلحة والمفرقعات وأولويات العسكرية. وكل ذلك في أرض المعركة أو على الاقل على مقربة منها. وعندما قلت منذ بضعة أسطر عن الناقلة التي ركبنا فيها كان فيها أكثر من أربعين شابا. توقف القلم في يدي، وتساءلت أليس من الأمانة أن أذكر أنه ايضا كانت هناك فتيات؟ كانت هناك أميمة أبوالنصر وكانت آنئذ صحفية في جريدة المساء التي جمعت عند انشائها عددا كبيرا من عناصر اليسار. ولقد تزوجت أميمة فيما بعد من أكثر المظلومين من هذا الجيل وهو جلال السيد الذي كان مثقفا هاما ولم يأخذ فرصته في انتاج يليق به ويبقى مع الزمن اذا كان هناك شيء يبقى مع الزمن. وكان يصاحبها مصطفى الحسين وهو كاتب سياسي كبير الآن وكان زوج أختها. وكانت هناك أيضا عايدة ثابت وكانت زميلتي في كلية الآداب، وان كنت لا أذكر القسم الذي درست به، وربما كان قسم اللغة الانجليزية. وكانت أيضا من صحفيات المساء. وكانت عايدة من جميلات الكلية بل والجامعة. وماتت في حادث من أغرب حوادث الموت في القرن العشرين. فلقد كانت مسافرة مع ابنتها الى الخارج، وفجأة هاجم ابنتها في المطار كلب لا يدري أحد من أين أتى وتصدت له عايدة لتحمي ابنتها فعضها عضة قتلتها. وربما كانت هناك فتيات أخريات لكني لا أذكر سوى أميمة وعايدة، فضلا عن الثالثة التي وجدناها تنتظرنا، وهي نانا سالم ابنة واحد من أشهر صانعي السينما المصرية هو أحمد سالم الذي كان مخرجا وممثلا ومذيعا ومديرا لاستوديو مصر. وكان دون جوان عصره تزوج من أجمل نساء زمانه ومن بينهن أم نانا ثم من أمينة البارودي حفيدة الشاعر الكبير، كما تزوج من تحية كاريوكا واسمهان. وممن لا تعيهم الذاكرة، ولم يتزوج - على ماأظن - من كاميليا الممثلة الشهيرة التي ماتت في حادث طائرة. وكان بينه وبين الملك فاروق صراع على الاستحواذ عليها. ولقد عملت نانا سالم سنوات طويلة في الامم المتحدة، وعندما قابلتها منذ عامين استقبلتني مع الابناء والاحفاد وابناء الاحفاد، اعتذر عن هذا الاستطراد الذي يبدو أنه مرض أصبت به ولا شفاء منه. وأعود الى مسألة رغبتي أن أكون خبيرا عسكريا. فعندما تطوعت في حرب 1956 اهتممت أشد الاهتمام بالأمور العسكرية في هذه الحرب، والخطط التي وضعها كل جانب. ورأيت في النهاية انني اصبحت قادرا على أن أدلي بدلوي، وأشرح بعض ما غمض على الناس في هذه الحرب وكتبت دراسة، ولعلها كانت مقالة وقدمتها لاحدى الصحف. ونظر اليها الصحفي الكبير ورفع حاجبه ساخرا. يبدو انك قررت ان تكون خبيرا عسكريا! وأحسست انني تلقيت صفعة قاسية. وبدأ يقرأ الدراسة أو المقالة عندما جاءه تليفون جعله يستأذن للحظات، وبمجرد أن قام التقطت مقالتي واسرعت الى الخارج، وقمت بتمزيقها على ناصية الشارع، وانتهى حلمي القديم. ولكن لا حلم ينتهي، ولذلك يعاودني الحلم في أن أصبح خبيرا عسكريا كلما ادلهمت الأحداث بل قد يعاودني حلم أقدم أتحدى أحدا منكم لم يحلم به في صباه وهو أن يكون قائدا عسكريا. وعندما زرت مقر القائد العبقري روميل منذ سنتين في مرسى مطروح أخذت أتأمل عبقرية اختيار المكان وتجهيزاته واحسست كما لو كنت اتحدث مع روميل وأسمع له. وطبيعي أن أفكر بعد كل هذا التاريخ العسكري الكبير في انني اشارك في الحرب الدائرة الآن، والتي توعدنا الطرف الأمريكي بأنها مستمرة، وألمح أن هذا الاستمرار طويل، بحيث تأكد بعضنا انه سيصل الى عيد الفطر المبارك لأن وزير الدفاع الأمريكي ومستشارة الأمن الأمريكية وغيرهما صرحوا أن القصف الأمريكي لن يتوقف في شهر رمضان وهكذا تأكدوا أن عيدالفطر سيكون مناسبة سعيدة للقصف الجوي وربما امتد القصف الى عيد الأضحى، وان كان البعض يتوقعون تخفيف القصف في أعياد رأس السنة الميلادية. والمتشائمون يعتقدون أن القصف سيستمر الى ماشاء الله. وانه ربما استمر الى نهاية القرن أو الى نهاية الألفية. وهذا بالضبط ماجعلني أفكر كقائد عسكري وخبير أيضا اذا لزم الأمر: الى متى يستمر القصف؟ وقلت لنفسي: لتكن صاحب عقلية علمية وتبدأ من البداية القصف ضد من. ولماذا؟ وكقائد عسكري قلت انني لدى شك كبير في ان ابن لادن وراء أحداث 11 سبتمبر. وأظن أن الجميع لديهم نفس الشك صحيح أن الأمريكان يستخدمون مغالطة لفظية عندما يقولون ان ابن لادن هو المشتبه الأول. ولكن أليس هذا معناه أن هناك مشتبهاً ثانيا وربما ثالثاً؟! وعندما أتت ظاهرة الجمرة الخبيثة التي لا أراها ظاهرة فكاهية كما يقول أحد أصدقائي، أكدت ان ابن لادن بريء من الأولى والثانية واذا كانت الادارة الأمريكية هي التي برأت ابن لادن من نشر الجمرة الخبيثة فكان عليها أن تقول لنا من المشتبه الأول في هذه المرة. ومن قال ان المشتبه فيه الثاني ليس هو الفاعل الأول. حقا انه بدا في أحاديث ابن لادن كما لو كان يعترف أنه صاحب الهجمة الأولى، لكن هل كان يستطيع قول شيء آخر؟ من منا لا يحب نسبة هذا الحادث الكبير على فظاعته، خاصة اذا رددت أجهزة العالم كلها اسم المتهم. وعندما بدأت هذه الأحداث كنت أقوم بعمل فكاهي فكنت أمرر مؤشر الراديو على المحطات فأسمع مئات اللقطات وكلها تردد كلمة واحدة وهي ابن لادن. وذكرني هذا بقصة هامة جدا لكاتب لم يحظ للاسف بما يليق ببداية متميزة. لا أذكر اسم القصة التي نشرت في الستينيات. لكنها كانت تتحدث عن شخص اتصل بأجهزة الاعلام واعلنها انه قرر الانتحار وانه سيلقى بنفسه من فوق برج القاهرة. وحدد الساعة وأظن انه حدد الأسباب، وكانت اسبابا عامة. وفي الموعد المحدد تجمعت أجهزة الاعلام والجماهير والشرطة تنتظر الحادث الرهيب. ووقف شرطي في الدور المتوقع أن يلقى فيه أحمد المزز ـ هكذا كان اسمه ـ بنفسه. وطال وقت الانتظار وأطل الشرطي برأسه ليرى الناس تحت وظنوا أنه أحمد المزز، وصاحوا وهللوا واستمتع الشرطي بهذا الاحساس فكان يتقدم برأسه قليلا ليسمع الأصوات ولكي يحظى بالنشوة كاملة ألقى بنفسه من البرج وصار اسمه المزز. وكقائد عسكري اخذت أن أقود القوات الأمريكية فالقوات الافغانية لغز صعب قيادته وتساءلت عن سر القصف الجوي الذي دام أكثر من شهر؟ ولم أجد مبررا فالقصف الجوي كما أعرف كخبير عسكري مقصود به ضرب الأهداف العسكرية الاستراتيجية واضعاف قوة العدو، ولا يمكن ان يستمر الى الابد الا اذا كان مخزون القنابل يمثل أزمة بالنسبة لأمريكا وربما كان هذا صحيحا لانهم يتحدثون عن ضرب بلاد أخرى واقترح على أمريكا أن تتفق مع بعض البلاد على ضرب جزء من أرضها مقابل منحة مادية سخية. على أن تكون عادلة فتوسع الاتفاق مع الدول الفقيرة. واستأت كقائد عسكري من رعب جنودي الاعزاء من عدوهم، انهم يخافونهم كما لو كانوا سيأكلون أحياء.. ومخاوفهم للأسف يذكرون تلميحا وأحيانا تصريحا أن الجندي الأمريكي ليس كفئا للجندي الافغاني، وانه لابد من القصف الجوي الى يوم الدين. وفي النهاية تذكرت الصحفي الكبير الذي سخر من فكرة أن أكون جنديا عسكريا، وأجبته لأول مرة في حياتي. أني انسحب وأترك لكم الحلم، وأنا متأكد أن كل عربي يحلم بأن يقود الافغان ضد أمريكا. أن كل أمريكي يحلم ان تنتهي هذه الحرب على خير لكن لا هذا الحلم سيتحقق ولا هذا الحلم سيتحقق.