هل الفضاء مجرد فضاء؟ ام انه ممتليء بنوع غامض غير ملموس من المادة؟ هذا ما اعتقد به اليونانيون القدماء وكذلك العلماء في القرن التاسع عشر. لكن في مطلع القرن العشرين سحبت المصداقية من هذه الفكرة التي بدت عندها انها ولت الى غير رجعة. لكن الآن عادت فيزياء الكم لتلقي ضوءاً جديداً على هذا الموضوع الضبابي. وبعض الافكار التي فقدت شعبيتها بدأت تزحف مجدداً إلى دائرة الفكر المعاصر متسببة في بزوغ نظرية تقول بوجود اثير كمومي. هذا الاحياء المفاجيء للاخطار القديمة ينتج رؤى متبصرة جديدة في طبيعة الحركة في الفضاء، والترابط البيني العميق للكون، وامكانية السفر عبر الزمن. حتى ان التجارب الجديدة المبدعة قد تتيح لنا كشف الاثير الكمومي في المختبر او تسخيره لاغراض تكنولوجية. واذا كان الامر كذلك، نكون قد اجبنا على سؤال حيّر العلماء والفلاسفة طيلة آلاف السنين. ففي القرن الخامس قبل الميلاد خلص لوسيبوس وديموقريطس الى ان الكون المادي مكون من جسيمات بالغة الصغر ـ ذرات ـ تتحرك في الفراغ. لكن اتباع الفيلسوف بارمنيدس ردّوا بان هذه استحالة. فالفراغ يقتضي ضمناً العدم. واذا كان هناك ذرتان لا يفصل بينهما شيء، إذن فهما غير منفصلتين مطلقاً. اي ان وجود «العدم» او «الفراغ» بين الذرتين يعني انهما متلامستان. اذن لا يمكن للفضاء ان يوجد ما لم يكن ممتليئا بشيء ما، وهذا الشيء هو مادة يطلق عليها اسم الهيولى. اذا كانت الهيولى موجودة، فلابد انها مختلفة عن المادة الطبيعية. وعلى سبيل المثال، ان قوانين الحركة التي وضعها اسحاق نيوتن تنص على ان اي جسم يتحرك في فضاء خاوٍ بدون قوى مؤثرة عليه سيواصل حركته في نفس الاتجاه. اذن فالهيولي لا يمكن ان تنتج مقاومة احتكاك، والا فان الارض ستتباطأ في حركتها المدارية وتتجه بحركة حلزونية نحو الشمس. شكل مادي ومع ذلك فان نيوتن نفسه كان مقتنعاً بأن الفضاء شكل من اشكال المادة. واشار الى ان اي جسم يدور في الخواء ـ كوكب يدور في الفضاء على سبيل المثال ـ يتعرض لتأثير قوة نابذة «قوة الطرد المركزي الناتجة من الدوران» وكنتيجة لذلك فان الارض منتفخة قليلاً علاّم يقاس عليها الدوران. وهذا ما دفع نيوتن للاعتقاد بأنه لابد من وجود شيء غير مرئي كامن هناك ليكون بمثابة اطار المرجعية او الاستناد. وهذا الشيء يؤثر في الجسم الدائر، منتجاً القوة النابذة. وفي القرن التاسع عشر تعزز الاعتقاد بأن الفضاء ممتليء بمادة غريبة غير كثيفة يكتنفها الغموض. واعتبر مايكل فراداي وجيمس ماكسويل المجالات الكهربائية والمغناطيسية قوى ضاغطة في وسط مادي لامرئي، اصبح يعرف باسم الاثير المضيء. اعتقد ماكسويل ان الكهرومغناطيسية «الكهرطيسية» مثل الضوء هي عبارة عن اهتزازات في الاثير الهيولي. ان فكرة كوننا محاطين ومخترقين من قبل مادة هلامية طيفية لاقت استحساناً عند الروحانيين الذين ابتدعوا نظرية ان لكل منا جسداً اثيرياً الى جانب جسده المادي. ولكن عندما حاول البرت مايكلسون وادوارد مورلي قياس سرعة حركة الارض عبر الاثير، بمقارنة سرعات الاشارات الضوئية المتحركة باتجاهات مختلفة، كان الجواب الذي حصلا عليه صفراً. تفسير هذه المعضلة جاء من البرت اينشتاين الذي قال انه ليس هناك وجود للاثير وان حركة الارض يمكن اعتبارها ذات صلة بالاجسام المادية الاخرى فقط، وليس بالفضاء بحد ذاته. واوضح انه عملياً لا يمكن تحديد سرعة اي جسم في الفضاء لان الحركة المنتظمة نسبية على نحو صرف. وفي عام 1976 بدأ عالم الفيزياء باول ديفيس يبحث عن الاجابة في علم ميكانيك الكم او «الكموم» كما يسميه البعض وبحسب نظرية المجال الكمومي فان للخواء بعض الخاصيات الغريبة. وان مبدأ الريبة الذي جاء به هايزنبرج يقتضي ضمناً انه حتى في الفضاء الخاوي، هناك جسيمات ذرية كالالكترونيات والفوتونات تبزغ للوجود بقوة وبشكل مفاجيء لتخبو وتتلاشى مجدداً على الفور تقريباً. وهذا يعني ان الخواء الكمومي يعج بجسيمات افتراضية سريعة الزوال. ومع ان هذه الجسيمات تفتقر الى ديمومة المادة الطبيعية فإنها يمكن ان تمتلك تأثيراً مادياً. وعلى سبيل المثال اذا وضعنا مرآتين في مواجهة بعضهما تماماً وبحيث تكونا قريبتين الى ابعد الحدود من بعضهما فهذا يؤثر على سلوك الفوتونات الافتراضية. وقد تم اثبات هذه النظرية في عدة تجارب. اذن من الواضح ان الخواء الكمومي يشبه الاثير من حيث انه ليس محض عدم. لكن ما شكل هذه النسخة الجديدة من الاثير؟ ربما يعتقد المرء ان جسيما حقيقياً كالالكترون يتحرك في هذا البحر من الجسيمات الافتراضية وأنه سوف يشق طريقه بعنف في وسطه المحيط فيفقد من طاقته وتتباطأ حركته، لكن الامر ليس كذلك. فالخواء الكمومي لا يبدى اي مقاومة احتكاك ضد جسيم يتحرك بسرعة منتظمة. لكن الامر يختلف بالنسبة للتسارع. فالخواء الكمومي يؤثر في الجسيمات المتسارعة. وعلى سبيل المثال فان الكتروناً يدور حول ذرة سيتعرض لدفع وصدم شديدين من الفوتونات الافتراضية في الخواء، وهو ما يؤدي الى تغير طفيف لكن ملموس في طاقته. ان هذا الخواء الكمومي يختلف عن اثير ماكسويل، فهو ليس وسطاً باعثاً للضوء، بل انه مكون من الضوء «الفوتونات الافتراضية» والجسيمات الافتراضية الاخرى. كما ان هذا الخواء ليس بالهيولي. ونظريات الفلاسفة اليونانيين القدماء المعارضة لوجود خواء محض، فقدت زخمها لان علماء الفيزياء اليوم يستطيعون تصور فكرة الفضاء الخاوي، دون عناء يذكر هؤلاء العلماء يشككون الان في فحوى وجود الفضاء بحد ذاته. اذ ربما يكون الفضاء، كما نعرضه، شكلاً خاصاً في وجود كمومي اعمق، لا نعرف خصائصه على وجه التحديد.