صحار مدينة تاريخية عريقة ظهرت عبر صفحات التاريخ كواحدة من مدن العالم التي يعود تاريخها لبزوغ فجر الحضارة الإنسانية القديمة، فهي تقع في الجزء الشمالي من منطقة الباطنة على بعد حوالي 200 كيلومتر شمالاً عن مدينة مسقط، ولعل موقعها أعطاها الأهمية الاستراتيجية قديماً وحديثاً ويرجع بعض المؤرخين العرب ذلك إلى أن صحار تقع على طريق التجارة العالمية من الخليج إلى الهند والشرق الأقصى وبالعكس، وكذلك فإن كونها تقع على جنوب مضيق هرمز فمن الطبيعي أن تكون طريقاً للتجارة وأن ترسو فيها السفن بعد عبورها المضيق ذهاباً واياباً إلى جانب ذلك رحلات السندباد البحري التي سجلت لصحار تاريخها الحافل. أصل التسمية اشتهرت مدينة صحار بأسماء عدة في التاريخ أعطت لها الدلالة التاريخية والثقافية حيث كان لها أسماء مختلفة في التاريخ أشهرها صحار وهو الاسم المعروفة به حالياً والذي يرجعه المؤرخ ياقوت الحموي إلى أحد أحفاد النبي نوح عليه السلام وهو صحار ابن أرم بن حام بن نوح عليه السلام، ولعل ذلك من أهم ما يشير إلى قدم وعراقة مدينة صحار، كما ان البعض يرى ان اسم صحار مرتبط بالمسمى الفارسي القديم عندما كانت تعرف ب«دستجرد» في وقت وجود الفرس فيها وسماها العرب بصحار بعد تحريرها على يد علي بن مالك بن فهم وذلك تخليداً لذكرى أحد أبطال ذلك التحرير والذي كان يدعى صحار. إلى جانب ذلك فإن اسم صحار ارتبط بالعديد من الدلالات، فحينما تذكر التاريخ صحار وحينما يذكر ازدهار التجارة في موانيء الخليج في العصور الوسطى تذكر صحار وحينما تذكر تجارة الحرير واسطورة السندباد البحري تذكر صحار وكذلك مع ذكر أسواق العرب في الجاهلية ذكرت صحار. اهتمام تاريخي حظيت مدينة صحار بالاشادة والاهتمام من عدد من الرحالة الجغرافيين اللذين بقيت أقوالهم خير شاهد لمكانة صحار ودورها التاريخي حيث قال عنها المقدسي الذي عاصر مجدها «لا يوجد في بر الصين مدينة أكبر منها، مأهولة جميلة ومليئة بالوفرة واليسار على امتداد شاطئها توجد أسواق مدهشة وبيوت عالية وهي مدخل الصين ومخزن العراق والشرق ومعبر اليمن»، ووصفها ياقوت الحموي في كتابه معجم البلدان بأنها قصبة عمان وقال عنها الاصطخري في عصره بكتاب المسالك والممالك «بأنه لا يمكن أن توجد على الخليج وبلاد الإسلام مدينة أكثر غنى وجمالاً من سحار» وقال عنها الفارسي في كتابه حدود العالم «إنها سوق الدنيا كلها ليس في الدنيا مدينة تجارية أكثر مالاً من شجارها، تجارات الشرق والغرب والجنوب والشمال تجلب إليها أولاً ومنها تحمل إلى سائر الأماكن. ووصفها الحريري كذلك بأنها مدينة حسنة الأسواق تجلب إليها البضائع من الهند والصين وفارس. يحق لهذه الولاية العريقة أن تفخر باستقبالها موفد رسول الله صلى الله عليه وسلم، الصحابي الجليل عمرو بن العاص لينطلق ـ رسمياً ـ من أرجائها نور الإسلام إلى كافة ربوع عمان. إذ تشير المصادر التاريخية إلى أن الصحابي الجليل عمرو بن العاص حمل كتابين من الرسول عليه الصلاة والسلام أحدهما إلى أهل عمان بوجه عام ونصه: من محمد رسول الله إلى أهل عمان، أما بعد فأدعوكم أن تقروا أن لا إله إلا الله وإني رسول الله وأن تقيموا الصلاة وتؤتوا الزكاة وأن تعمروا المساجد. أما الكتاب الثاني فقد وجهه الرسول صلى الله عليه وسلم، إلى عبد وجيفر أبني الجلندي وهو المشهور ونصه: من محمد رسول الله إلى جيفر وعبد ابني الجلند السلام على من اتبع الهدى.. أما بعد فإني أدعوكما بدعاية الإسلام اسلما تسلما، فإني رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين. وانكما ان اقررتما بالاسلام وليتكما وان ابيتما فإن ملككما زائل عنكما وخيلي تطأ ساحتكما وتظهر نبوتي على ملككما. فما كان من جيفر وعبد ابني الجلند إلا أن اعتنقا الاسلام ودعيا إليه وجوه القبائل وأخذ الناس يدخلون في دين الله أفواجاً. وهكذا حظيت صحار بأن كانت العاصمة الأولى في عمان التي يدخل من خلالها الإسلام. وكان يقيم بصحار الوالي الذي عينه الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده. كما يكفي صحار فخراً ما تؤكده روايات كثيرة ان الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام عندما توفي كفن في ثوبين صحاريين وفي رواية في ثلاثة أثواب من صحار. عاصمة عمان بسبب الأهمية الاستراتيجية والتجارية التي اكتسبتها صحار على مر العصور فقد تشرفت بأن كانت عاصمة لعمان لفترات تاريخية مختلفة. إذ تشير المصادر إلى انه عند انتقال الحكم من بني مالك بن فهم إلى بني الجلندي اتخذوا صحار عاصمة لهم، وبظهور الاسلام كانت هذه المدينة أول عاصمة لعمان في العصر الاسلامي. وحتى عندما أطيح بحكم الجلنديين بعد مضي نصف قرن وأعيدت الإمامة إلى نزوى بالمنطقة الداخلية من السلطنة احتفظت صحار بطابعها الدولي كعاصمة اقتصادية لعمان بحكم موقعها التجاري وبكونها ميناءً بحرياً دولياً من جهة أخرى فقد بلغت صحار شأناً كبيراً خلال الفترة (1742 ـ 1747) حيث برز منها زعيم جديد استطاع توحيد البلاد وإعادة سيادتها وهيبتها وجعل منها عاصمة لحكمه ومن بعد أبنائه لسنوات عديدة. وقد كان للتاريخ أن يشهد على عظمة هذه المدينة حينما شاء لها القدر أن يكون واليها الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي وهو المؤسس الأول للدولة البوسعيدية الباسلة. لقد لمع اسم هذا الزعيم في مدينة صحار عندما كان أحد تجارها الناجحين فتم تعيينه والياً عليها لما عرف عنه من شدة في الانضباط وقوة في الشخصية، وتجمع كل المصادر العربية والأجنبية ان هذا الرجل كان يتميز بقدر كبير من الحنكة والدهاء الشديدين فاستطاع أن يطرد الفرس ليس من صحار وحدها وانما من مسقط وغيرها من أماكن التواجد الفارسي. وقد بويع فيما بعد ليكون اماماً لعمان كلها. وتنسب بعض المصادر التاريخية بناء قلعة صحار إلى عهد عمان بن قحطان وبعضها تنسبها إلى عهد مالك بن فهم الأزدي وتعتبرها من آثاره، أما البعض الآخر فينسب تشييدها إلى الجندي بن المستكبر، بينما يرجح كثير من المؤرخين بأن تاريخ بناء القلعة يعود إلى سنة 1400م من قبل أحد أمراء هرمز. وفيما مضى كان الحاكم يتخذ من القلعة سكنا له، وتوجد بأبراج القلعة الخمسة وحولها مدافع تستخدم لصد الأعداء. كما توجد بالقلعة مستودعات للذخيرة والبارود وعند تعرض المدينة لاعتداء خارجي فان القلعة كان يوجد بها نفق سري يمتد مسافة 24 كم ويربط قلعة صحار بمنطقة حوراء برغا في وادي الجزي ويوجد بها برج مقابل لقلعة صحار ومن هذه المنطقة كان المقاتلون يسلكون الطريق الى قلعة الحزم بولاية الرستاق في جنوب منطقة الباطنة كما يتم عبره تزويد القلعة بالمؤن والاحتياجات الدفاعية لتمكين المدافعين من الصمود في وجه الاعداء. وتحتضن قلعة صحار ضريح السيد ثويني بن سعيد بن سلطان البوسعيدي الذي حكم عمان خلال الفترة من 1856م الى 1866م. ورغم عمرها الطويل مازالت هذه القلعة تقف بشموخ وكبرياء تراقب الساحل وتحرس صحار باطلالتها البحرية الشامخة. وفي العهد الزاهر الذي تعيشه عمان في ظل باني نهضتها الحديثة جلالة السلطان قابوس بن سعيد فان قلعة صحار التاريخية نالت كثيرا من الاهتمام حيث رممت فأعيد اليها بهاؤها ورونقها، وفي مطلع عام 1993م حولت القلعة الى متحف يحكي قصة صحار العريقة ويجمع بين جنباته صورا توضح ملامح البطولات التي سطرها العمانيون في غابر الازمان. حيث يضم هذا المتحف بين جنباته معروضات شاهدة على قدم الحضارة في صحار وهي تشكل في حد ذاتها تعريفا حقيقيا بالحضارة العمانية الضاربة في اعماق التاريخ ولعل اهم ما يحتويه هذا المتحف رسالة النبي محمدعليه الصلاة والسلام لأهل عمان التي يدعوهم فيها للاسلام عن طريق رسوله الصحابي الجليل عمرو بن العاص. سفينة صحار تبحر الى الصين تخليدا للدور الريادي الذي شرفت به هذه الولاية عبر التاريخ العماني المجيد واحياء لتلك الرحلات البحرية التجارية التي ابحرت من صحار او مرت عبرها في طريقها الى اقصى بلدان العالم في شرقه وغربه فقد اصدر السلطان قابوس بن سعيد مجدد امجاد عمان اوامره بتنظيم رحلة تاريخية الى الصين وكان ذلك في نوفمبر 1980 حيث ابحرت من مسقط السفينة «صحار» وهي صورة طبق الاصل من سفن العصور الوسطى، وقد بنيت السفينة من الاخشاب المثبتة مع بعضها البعض بحبال مصنوعة من الياف جوز الهند حيث ابحرت معتمدة على الشمس والنجوم وانتهت الرحلة في كانتون بالصين عام 1981م، واستغرقت تقريبا نفس المدة التي كانت تستغرقها رحلات العصور الوسطى. النشاط التجاري و البحري اشتهرت صحار منذ قديم الزمان بالنشاط التجاري، وببحارتها الذين شقوا عباب البحار، يتاجرون بما تتجه ارضهم من خيرات وفيرة ولقد رست اشرعتهم في موانئ بعيدة حاملين معهم الاسلام ينشرونه حيثما ذهبوا وبذلك عرفت صحار منذ فجر التاريخ بنشاطها التجاري المتميز وعلاقاتها التجارية مع العالم الخارجي واشتهرت بالتنوع في نشاطها التجاري الذي عرفه السكان، ومن ذلك نذكر سوق صحار القديم الذي كانت له المكانةالخاصة لدى جميع التجار قديما باعتبار انه كان الملجأ للتجارة والبحارة من اجل التزود بمستلزماتهم ذلك بجانب توفر جميع الاحتياجات الحياتية اليومية المتنوعة بذلك السوق الذي كان موقعه في منطقة الحجرة على مساحة 500 متر بشمال قلعة صحار. وكان سوق صحار قديما مبنيا في بعض اجزائه من الطين والاخشاب والبعض الاخر من سعف النخيل وكان السوق مغطى بأكمله ومغلق من الاعلى للحماية من اشعة الشمس وينقسم لعدة ممرات منها سكة الصفافير لبيع وتنظيف الاواني النحاسية، سكة السمك لبيع الاسماك المجففة، سكة بيع وصناعة الحبوب، سكة بيع وصناعة الخزفيات والقدور النحاسية، سكة المحسنين «حلاقو الشعر»، سكة البخاخير «المخازن» لتخزين البضائع، سكة الشمامير لصناعة الاحذية والجلديات والدباغة. كما كان لسوق صحار اسواق جانبية وفرعية منها: سوق الاعلاف الحيوانية، سوق الصناعات الحرفية، سوق الاسماك الطازجة، سوق اللحوم، سوق المواشي. وفي العصر الحديث تتواصل حركة النشاط التجاري في صحار من خلال الاسواق الحديثة للخضار والفواكه والمواد الغذائية والكماليات واسواق اللحوم والاسماك وسوق الحرفيين الذي تم بناؤه بمكرمة سامية من السلطان قابوس بن سعيد وذلك تشجيعا لتطوير وتنمية المهن الحرفية والصناعات التقليدية العمانية التي اشتهرت بها السلطنة منذ القدم. النحاس والتعدين اشتهرت السلطنة بشكل عام وصحار بشكل خاص باستخراج خامات النحاس وصهرها واستخدامها في بعض الصناعات مثل الأواني التي تستعمل في المنازل وتقول بعض المصادر التاريخية ان عمان كانت تصدر النحاس الى بلاد ما بين النهرين منذ ثلاثة الاف عام قبل الميلاد. ومن الدلائل التي تشير الى استغلال النحاس في عمان كثرة تجاويف المناجم وافران الصهر وبقايا خبث النحاس الموجودة في جبال عمان. وفي العهد الحاضر بدأ التنقيب عن النحاس في صحار منذ عام 1973م بهدف تنويع مصادر الدخل القومي، وقامت شركة عمان للتعدين التي انشئت عام 1978م بالتنقيب في مناجم الاصيل والبيضاء وعرجاء بمدينة صحار وتكلل مشروع النحاس في صحار بالنجاح حيث افتتح مصنع النحاس في عام 1983م وقامت السلطنة بتصدير النحاس المصفى في منتصف ذلك العام واحتلت صادرات النحاس المرتبة الثانية بعد النفط خاصة بعد ان ارتفعت كمية الانتاج. ونظرا لاهمية معدن النحاس في مجال تنويع مصادر الدخل، فقد عملت وزارة النفط والغاز على تكثيف اعمال التنقيب عنه لزيادة المخزون الاحتياطي، واضافة الى النحاس هناك بعض المعادن الاخرى مثل الكروم والمنجنيز. وتنفذ دائرة المسح الجيولوجي دائما مسوحات متعددة للبحث عن معادن جديدة تضيفها الى الثروة المعدنية التي تزخر بها مدينة صحار. المدينة العربية حققت مدينة صحار انجازا حضاريا على مستوى الدول العربية تمثل في فوزها بجائزة تجميل المدينة ضمن جوائز منظمة المدن العربية للدورة السادسة وحصولها على المرتبة الاولى والدرع الذهبي على مستوى الوطن العربي نتيجة جهد وعمل دؤوب شمل تنمية هذه المدينة التي تفوح برائحة التاريخ المجيد والحاضر الزاهر في ظل القيادة الحكيمة للسلطان قابوس بن سعيد وكان اعلان هذا الفوز في 29 مارس عام 1998م، بمدينة الدوحة مقر جائزة منظمة المدن العربية. حيث اعلنت المنظمة في احتفال عربي كبير بحضور نخبة من المسئولين بتطوير وتنمية المدن العربية فوز مدينة صحار العمانية بالمرتبة الاولى لجائزة تنمية المدينة. فقد تقدمت صحار بمشاركة ممتازة وذلك ضمن خطة استوفت خلالها جميع الشروط والمواصفات للجائزة وتنوعت عناصر التجميل المقدمة مما اعطى المدينة رونقا في تجميلها وصيانتها وتطوير المآثر الجمالية والتراثية فيها حيث جاء الفوز بهذه الجائزة العربية من جراء الخطط التي قام بها مكتب تطوير صحار في تطوير تلك المدينة الجميلة. مسقط ـ علي العبادي: