بشرى للمعاكسين والمعاكسات.. ومبروك للفالتين والفالتات، فقد فتحت الأبواب.. وتكسرت القيود، وبين يوم وليلة أصبح العيب مباحا.. وصار الهلس متاحا، واطمأن المعاكسون وارتاحوا.. فقد انتهى عصر فضحهم ونشر صورهم بالصحف، وأصبح بإمكانهم ممارسة المعاكسة «عيني عينك» اينما شاءوا ووقتما ارادوا، وحتى تحت سمع وبصر الشرطة دون ان يتعرض لهم شرطي او حتى كتيبة كاملة من رجال الامن..!! الانفتاح التكنولوجي الجديد أدخل الشباب عصر «عولمة الحب»..، وبمقتضى هذه العولمة لم يصبح من حقهم فقط ان يحبوا.. وان يعاكسوا من أرادوا.. وان «يغلسوا» على من شاءوا.. بل منح الشابات والمراهقات من منطلق المساواة بين الجنسين هذا الحق أيضا..، وأصبح بإمكان اي فتاة ـ دون خجل او حياء.. ودون «كلاكيع» ما يسمى بالعادات والتقاليد ـ أن تقول لمن تهواه.. او لمن تعاكسه تمهيدا لعلاقة حب مرتجاه: «أحبك».. «سرقت النوم».. «وينك حبيبي».. «قلبي عليك».. «عمري وغلاي انت».. «وحشتني موت»، هذا اذا لم تلجأ الى أغاني الحب من ام كلثوم إلى طالع ومصطفى قمر ونازل.. لتختار منها ما يوافق حالتها الغرامية حسب تطورات هذه الحالة، بدءا من «جر شكل» المحبوب.. وانتهاء بالدعوة الصريحة الى الزواج، مرورا بحالات «التُقل».. والخصام.. والفراق.. والسهر والسهاد، وتعليقا على مواقف «العوزال» ومؤامرات الحاسدين، وكلها بحمد الله حالات اهتمت بها وسجلتها مئات الأغاني والمواويل..!! .. «الموبايل» حل مشكلة الاتصالات الغرامية.. وأصبح بحجمه الذي يتضاءل يوما بعد يوم رسول الغرام الاول.. وكيوبيد التكنولوجيا الاوحد، وحلا لمشكلة الرنين الذي قد يأتي في وقت او مكان غير مناسبين وخاصة لبنت تبدو في نظر والديها الموقرين بنت اصول.. لا تعرف العيب ولا تقر قلة الادب، وكان ان تدخلت التكنولوجيا مرة اخرى لتحل المشكلة ولتعالج الحرج عند مثل هذه البنت المؤدبة، بحيث تستطيع ان تقول لمن تحب «أموت فيك» او «انت وبس اللي حبيبي» وهي جالسة كالقطة الوديعة في حضرة والدها الموقر ووالدتها الفاضلة، دون ان تهتز صورتها في نظر اي منهما كبنت ملتزمة تعرف الاصول وتستنكر العيب..! رسائل الموبايل المصورة حلت المشكلة.. ومكنت اي بنت شكلها العام مؤدب ان تجري حواراً غرامياً ساخناً مع حبيب القلب دون ان ينكشف امرها، وبالسهولة والبراءة نفسهما يستطيع حبيب القلب ان يبادلها الحوار الغرامي دون ان يلحظه او يكشف سره احد.. ولو كان في حجرة الدرس بينما المدرس يشرح درسا في العادات والتقاليد التي يحترمها ويجلها المجتمع..! وهكذا قبل ان نفيق من صدمة انفتاح بعض الفضائيات العربية التي حولت شاشاتها الى كاباريهات مفتوحة لا ينقصها الا ادوات السهر، وبينما نحن نحاول لملمة شتات ابنائنا وبناتنا الذين تعرضوا لهجمة مركزة من المسخرة تتزايد جرعاتها يوما بعد يوم على هذه الشاشات، اذا بالسيد «الموبايل» ومن وراءه يفاجئوننا بمسخرة اشد وأنكى، مسخرة تتم تحت وسمع وبصر الجميع وبمباركة اعلامية تفتح ابوابها على مصاريعها لتبشر الشباب والصبايا بالفتح الجديد في عالم العشق اللاسلكي، والغريب العجيب انك تفتح صفحة الحوادث في الجريدة فتطالعك صورٌ لشبابٍ أجرموا وعاكسوا فعوقبوا بالنشر، وتنظر الى الصفحة المقابلة فتجد اعلانا يدعو الشباب والبنات صراحة الى تبادل رسائل العشق والغرام، ويزودهم بنصوص مختارة لهذا الغرض النبيل من نوع: «بحبك».. «اعشقك».. «مشتاق لك».. و«أنا اكتر واحد بيحبك».. «مشتاق لعيونك».. «عشقك حلال».. «ولهان عليك».. الخ.. الخ..، ولو نطق شاب بعبارة واحدة من هذه النصوص الرائعة لفتاة في السوق لراح في «سين وجيم».. ولتوجت صفحة الحوادث بكل الصحف بصورته الكريمة مشهرة به وبقلة ادبه، اما لو كان حصيفا.. ومتابعا لاعلانات الرسائل هذه لاكتفى بلمسة لبعض ازرار موبايله لتصل الرسالة الى الفتاة نفسها على الموبايل مصحوبة برقم تليفونه، ولما اهتم احد ولا حتى رجل الشرطة الواقف بجواره في السوق بسؤاله عما يفعل..، فما فعله قد دخل في دائرة المباح والمستباح ما دام الاعلان مصرحا بنشره.. وما دام ما يقدمه من رسائل ونصائح وصور للمعاكسين والولهانين قد تم بموافقة القانون، وحتى الفتاة التي تتعرض للمعاكسة بهذا الاسلوب التكنولوجي قد يحن قلبها.. او قد تقدم على مغامرة الرد من باب حب الاستطلاع.. طالما ان الرسالة قد وصلت في هدوء.. ودون لفت انظار الاخرين.. وهو الأمر الذي كان يسبب احراجا لها في السابق عندما يتم على رؤوس الاشهاد وعلى مرأى ومسمع من المارة، وكان يضطرها في الوقت نفسه ـ حتى ولو كانت لا تمانع في التجاوب مع العاشق المعاكس ـ الى الشكوى والاعتراض واللجوء الى الشرطة لانقاذها من المعاكس السخيف، وهو سخيف لا لانه عاكس.. بل لانه فعلها علانية وعلى مرأى ومسمع من الجميع..! وقبل ان نلطم الخدود ونشكو لطوب الارض «ولا ادري لماذا لطوب الارض بالذات» علينا ان ننتبه الى ان الأسوأ لم يأت بعد..، فقد انفتح باب «المسخرة الالكترونية» ولم يغلق بعد..، واذا كانت عبارات مثل «احبك.. اعشقك.. حبك سهرني الليل» قد مرت بسلام وحصلت على الشرعية القانونية فماذا يكون الحال عندما تصبح هذه العبارات «موضة قديمة» او متخلفة وعندما تتفتق الأذهان الالكترونية عن عبارات اكثر صراحة وواقعية «!!»، وكذلك الرسومات التي بدأت بقلب او زهرة.. لابد سيلحقها التطور مستقبلا بما يلائم الانفتاح الغرامي المنتظر وبرسومات لأشياء وأوضاع قد لا تخطر على بال!، ومادامت الرقابة ايا كان نوعها وانضباطها لا تستطيع الوصول الى شاشة الموبايل ولا تملك حتى مصادرة ما ترسل وما تستقبل من رسائل وصور فقل على مستقبل الأجيال «النقالة» السلام..! الباب الذي جاءتنا منه الريح.. هل نستطيع ان نسده لنستريح..؟، لا أظن..!!