المزارع في الماضي كان يحتاج الى بذر البذور بنفسه ويضع الاسمدة الزراعية على الارض والنبات بايديه، ولابد ان يكون هذا العمل بدقة كبيرة حتى يكون الانتاج مجزياً تجارياً. ثم بعد ذلك بدأ المزارعون يستخدمون الجرارات الزراعية لحرث الارض وبذر البذور دون استخدام ايديهم او عمالة زراعية كثيفة. اما الان فقد اصبح الامر اكثر سهولة من ذلك بعد ابتكار نظام تحديد المواقع بالاقمار الصناعية. ويمكن للجرار الزراعي ان يسير ليلاً على هدى تعليمات من الاقمار الصناعية. فعندما يكون الجرار الزراعي في طريقه السليم، تسقط امامه حزمة ضوئية باللون الاخضر، واذا خرج عن طريقه يتحول الضوء الى الاحمر للتحذير من الابتعاد عن الطريق المطلوب لحرث الارض. وهكذا يمكن للجرارات الزراعية ان تحرث خطوطاً متوازية غاية في الدقة دون ان تحيد عن طريقها. فيما سبق كان يتعين على المزارعين تركيب معدات وضبطها ويتعلمون رسم الخرائط وقراءتها لكي يكون العمل دقيقاً، وهذا تحول كبير في عمل المزارعين. فقد كانت المعدات الزراعية التي تعمل بالحاسب الآلي في السابق باهظة التكلفة وصعبة الادارة والاستخدام لكن الان بدأت شركات انتاج هذه المعدات تنتج بتكلفة اقل وتبيع باسعار اقل. وبدأ اعداء التكنولوجيا يتراجعون ويتحولون الى مؤيدين لها لانهم اكتشفوا ان تكلفة الدقة في العمل الزراعي اصبحت رخيصة. ظهرت هذه التكنولوجيا الزراعية من نحو عشر سنوات، لكنها لم تنتشر بالشكل الذي انتشرت به الان وخلال العامين الماضيين فقط (في الولايات المتحدة). لقد بدأت المزارعون يشعرون بأهمية الخرائط التي كانوا يشكون من قبل في جدواها. خرائط الدقة الزراعية تهدف الى تحقيق علاقة متكافئة بين اماكن نثر البذور والحصاد، وهي تعتمد على جهاز يقوم بهذه المهمة دون عناء كبير من المزارع. ويستطيع المزارع ايضاً تثبيت جهاز استقبال فوق جراره الزراعي ليستقبل تعليمات التوجيه والمواقع الصحيحة من القمر الصناعي المعد لذلك. واثناء تجوال الجرار الزراعي في الحقل، يقوم هذا الجهاز ايضاً بجمع معلومات عن كل شيء من الحرارة الى غزارة المواد الغذائية في التربة. ويتصل هذا المستقبل ايضاً بحاسب آلي في منزل المزارع لعرض هذه البيانات في شكل رسوم بيانية توضيحية تساعد المزارع على معرفة اي موقع به اي مشكلة وحلها. وتساعد هذه الاجهزة المزارع في اتخاذ القرارات وربط الانتاج بعوامل مثل حامضية التربة. وبدأ بعض المزارعين بالفعل الجمع بين الزراعة الدقيقة او قل الالكترونية، والصور الدقيقة ايضاً التي تلتقط من الطائرات او الاقمار الصناعية، بهدف اجراء المقارنات. والمقارنة بين حقول مختلفة في الضوء العادي او بالاشعة تحت الحمراء توضح بدقة اين تجود زراعة بعض المحاصيل واين تعاني من المشكلات، وبالتالي امكانية التوزيع الافضل للمحاصيل لرفع انتاجيتها. كما ان انتشار التكنولوجيا الزراعية، او ما يطلق عليه الان الزراعة الالكترونية، يساعد في حماية البيئة، فضلاً عن زيادة الانتاج والكفاءة. فإن توجيه الجرار الزراعي الاقمار الصناعية يعني تقليل الفاقد من الاسمدة والمبيدات الحشرية ومبيدات الحشائش الضارة. وتوضح صور الاقمار الصناعية والخرائط الزراعية اي الحقول لا تنتج بالقدر المناسب، مما يساعد المزارع على استخدام المخصبات في الاماكن التي تحتاج اليها فقط، ويساعد ذلك بالتالي في خفض ملوثات التربة. وفضلاً عن ذلك فإن تكنولوجيا الرش الدقيق، سواء للمياه او المخصبات او المبيدات تساهم ايضاً في هذا الاتجاه، نظراً لعدم الافراط في هذه الموادواستخدامها بالقدر المطلوب فقط، فإن توفير استخدام المبيدات الحشرية ومبيدات الاعشاب الضارة يوفر المال ويحمي البيئة في الوقت نفسه. وهناك اتجاه ايضاً الى تشغيل الجرارات الزراعية والمعدات الزراعية الاخرى بالتوجيه الآلي فقط حسب الخرائط الزراعية وبناء على تعليمات تأتي من القمر الصناعي، وبالتالي لن يحتاج المزارع الى قيادة الجرار الزراعي او اي آلات زراعية بنفسه، بل يقوم بالتحكم في عدد كبير من الآلات الزراعية بما فيها الجرارات، من غرفة تحكم واحدة داخل منزله. تحتوي هذه الغرفة على اجهزة استقبال لتلقي المعلومات من الاقمار الصناعية، وشاشات لعرض الخرائط الزراعية لتوجيه الآلات الى المناطق التي تحتاجها، وسيتم كل ذلك من خلال حاسب آلي يستطيع المزارع ادارته وهو قابع في منزله. يبدو ان حلم المزارع (الامريكي) هو ان تكون حياته في المزرعة افضل من حياة المدينة، لان عمله سيكون اسهل واكثر دقة وانتاجية واقل تكلفة، وبالتالي يتوفر لديه مزيد من الوقت للترفيه والاستمتاع بحياته بعد ان يكون قد تحول الى «مزارع الكتروني».