خمسة اطباء يدقون ناقوس الخطر: لا تحذروا الاكتئاب والامراض النفسية، بل احذروا عدم مواجهتها وعلاجها، لان الشفاء منها ممكن بعكس ما يتصوره الكثيرون. ينضم لبنان، كما سائر المجتمعات العربية، بسرعة لافتة الى نادي انتشار الامراض النفسية التي باتت تشكل 11 في المئة من الامراض المزمنة في العالم، حيث يصل عدد المصابين بها الى 450 مليون شخص، وخاصة ان واحدا على الاقل من اربعة اشخاص معرض للاصابة باضطرابات عصبية او عقلية في مرحلة ما من حياته. وما يفاقم ذلك ان معظم المصابين لا يلجأون الى اتباع العلاج اللازم، اما لانهم محرومون منه، او تهربا من مواجهة المجتمع الذي يعاملهم بمعظمه انطلاقا من نظرة دونية وتحقيرية، رغم ان احتمالات نجاح المعالجة واردة بنسبة 60 في المئة من المصابين بالاكتئاب، المقدر عددهم بمئة مليون شخص في العالم، و 80 في المئة من ذوي الانفصام في الشخصية و 70 في المئة من المبتلين بالصرع. ويؤدي نجاح علاج هؤلاء الى التخفيف من الاثار السلبية الخاصة والعامة لاصابتهم وامراضهم النفسية، والتي في مقدمتها التراجع المأهول بمليون حادث انتحار سنويا في العالم نتيجة الاصابة بالاكتئاب الذي يشكل اكثر من 90 في المئة من مجمل الاسباب المؤدية الى مثل هذه الحوادث. وقد شكلت تلك الاحصاءات والنسب والارقام والوقائع محور اهتمام طبي، رسمي خاص، في لبنان خلال الايام الاخيرة، وشارك في الاشارة اليها وتحليلها مدير الوقاية الصحية في وزارة الصحة الدكتور ابراهيم الحاج، امين سر «الجمعية اللبنانية للطب النفسي» الدكتور جمال حافظ، نقيب الاطباء الدكتور محمد شقير، رئيس الجمعية اللبنانية للطب النفسي الدكتور دوري الهاشم، والمسئول في منظمة الصحة العالمية الدكتور وهيب العتيري. امكانية الشفاء وتفيد احصاءات هذه المنظمة ان واحدا من كل اربعة اشخاص في العالم سيصاب باضطراب عقلي او عصبي في مرحلة معينة من حياته، وان حوالي 450 مليون شخص يعانون من مثل هذه الحالات: التي تعتبر من بين الاسباب الرئيسية للمرض والاعاقة في العالم، كما يقول ممثل المنظمة الدكتور العتيري. ـالا توجد علاجات لمثل ذلك؟ ـ يجيب بان العلاج موجود ومتوفر بنسبة كبيرة، لكن هذا يتطلب رفع مستوى الوعي العام والمهني حول مشكلة الاضطرابات العقلية وكلفتها الانسانية والاجتماعية والاقتصادية، في الوقت ذاته يهدف هذا النشاط الى هدم الحواجز خاصة الوصم والتمييز والخدمات غير الملائمة التي تمنع ملايين الاشخاص حول العالم من تلقي العلاج اللازم والمستحق. ويتابع د. العتيري: ان هنالك علاجات متوفرة لهذه الحالات لكن حوالي ثلثي الاشخاص المصابين باضطرابات عقلية لا يلجأون الى المساعدة من اخصائيي الصحة، فالوصمة والاهمال يحولان دون ايصال الرعاية والعلاج الى الاشخاص المصابين باضطرابات عقلية، وحيث الاهمال يوجد الجهل، وحيث الجهل يوجد الاهمال. ثم يشير الى انه: على الرغم من الطبيعة المزمنة وطويلة الامد لبعض الاضطرابات العقلية، يمكن للاشخاص الذين يعانون من هذه الاضطرابات وعبر العلاج المناسب ان يحيوا حياة منتجة وان يكونوا جزءا حيويا من مجتمعاتهم، كما بامكان ما يفوق الـ 80 في المئة من الاشخاص المصابين بانفصام الشخصية ان يتحرروا من الانتكاسات مع نهاية عام واحد من العلاج بالادوية المضادة للذهان مع المساعدة العائلية. ويمكن لحوالي 60 في المئة من الذين يعانون من الاكتئاب ان يتعافوا من خلال مزيج من الادوية المضادة للاكتئاب والعلاج النفسي، اضافة الى ذلك، يمكن لحوالي 70 في المئة من الاشخاص الشفاء من نوبات الصرع اذا ماعولجوا بأدوية بسيطة مضادة للاختلاج وغير مكلفة. أهمية العلاج لكن هذه الآمال المعلقة على العلاج، والامكانيات المتوافرة لشفاء نسبة عالية من المصابين، تستدعي برأي الدكتور الهاشم الانطلاق قبل اي شيء من احترام حقوق المريض وكرامته النفسية اولا، خاصة وانه: لا يزال في اذهان العديد من الناس معتقدات وافكار موروثة تجاه الطب النفسي اذ يجيرون كل اكتئاب او انهيار عصبي الى حالة جسدية خوفا او خشية من صبغة تنتقص من كرامتهم ويفضلون عدم مواجهة الواقع، وقد يساهم في ذلك بعض الزملاء من غير الاختصاصات (مع كل احترامي ومحبتي لهم) فيحجروا هم على الاكتئاب وبدوره يطبق المريض بنفسه وتبدأ مسيرة الانتحار، حسب تعبيره. مليون حادث ومن شأن ذلك ان يسهم في ايصال العلاجات الى المبتغى المنشود، كما يرى الدكتور شقير، باعتبار ان الامر يتكرر كما هو الحال في الامراض الجسدية: اذ ان الوقاية تبقى الاساس والصحة العقلية تبقى الاهم وتقريب الاخصائيين في مجال الامراض النفسية من مرضاهم ادى الى تحسين ظروف العمل وساعد على الوصول لنتائج افضل. وبالتالي فان نشر التوعية بين الناس والاسر عبر انتهاج سياسة جديدة تحمل الوعي الى القلوب والنفوس ستؤدي الى تنمية الموارد البشرية، وتوظف مجمل الطاقات في سبيل حاضر افضل ومستقبل واعد للبشر. واذا كانت المعاناة من الاكتئاب تحمل الناس على التفكير بالانتحار، وتسبب الامراض العقلية، «مليون حادث انتحار سنويا وحوالي عشرين محاولة انتحار» فان التوعية من مرض الاكتئاب وبجهود الاخصائيين ستخفض هذه الارقام وستحمل البهجة الى قلوب المرضى والابتسامة الى المجتمع. وبذلك، حسب الدكتور شقير فان العناية بالصحة العقلية للمجتمعات تصبح الاساس لانها تتخطى صحة الفرد لتعالج صحة المجتمع. 100 مليون مصاب لاشك ان تلك الآمال المتفائلة بامكانية العلاج، وفق ما اوضحه الاطباء، العتيري، الهاشم، وشقير ستترك بصماتها البيضاء على النظرة المستقبلية للمصابين بالاكتئاب في العالم، وعددهم، حسب تقديرات الدكتور حافظ: اكثر من مئة مليون شخص يعانون من هذا الداء النفسي الذي يبقى كغيره من الامراض الاخرى قابلا للعلاج والشفاء منه عامة، ويمكن اخضاعه بشكل اخص للوقاية منه والتي تبقى امرا معقولا جدا. ومن شأن هذا ان يؤدي الى تنفيس احتقانات القلق النفسي: المصطحب بحالات من الاكتئاب والهلع والارق، والى ما هنالك من امراض نفسية، الامر الذي بات يشكل لغة يومية في حياة افراد المجتمع وسلوكياتهم، خاصة في ظل التفاقم الدائم في المآسي والحروب والازمات الاقتصادية والاجتماعية والعائلية، وما شابه ذلك من قريب او من بعيد. الاهتمام الرسمي ـ أين يكمن دور وزارة الصحة العامة في التصدي لذلك؟ وكيف تتحرك اهتماماتها المنشودة على هذا الصعيد، خاصة ان ما تواجهه المجتمعات العربية عامة من تقلبات وامراض نفسية تتزايد وتتراكم وتتفاقم في ظل الاتساع الدائم في دائرة الحروب والاحباطات والاضطرابات والقلق السرطاني والانتشار بخبث؟ ـ يجيب مدير الوقاية في وزارة الصحة في بيروت الدكتور الحاج بالاشارة اولا الى: ان الامراض النفسية تشكل 11 في المئة من الامراض المزمنة، وان نظرة المواطنين والعاملين في القطاع الصحي الى المريض الذي يعاني من اضطرابات عقلية ونفسية والتي تتسم بالشعور بالعار والشفقة وتؤدي الى التمييز والابعاد عن الخدمات الصحية والانخراط الطبيعي بالمجتمع، يجب ان تتطور، وكذلك المفاهيم العلاجية، باعتبار ان الشفاء من هذه الاضطرابات اصبح ممكنا وهو اكثر سهولة اذا تم تشخيصها باكرا ولا يستدعي ادخال المريض الى ما يعرف بالمصحات العقلية وعزله لفترات طويلة عن مجتمعه. ويؤكد: ان تجاهل الحالات النفسية كالتوتر والقلق والاكتئاب من قبل المريض وعائلته يزيد من هذه الحالات التي تؤثر على سلوكيات الفرد وتنعكس سلبا على عدة مستويات: العلاقات العائلية والاجتماعية، التحصيل العلمي عند الاولاد وعلى الانتاجية في العمل. وتؤدي الى انحرافات خطيرة ليس اقلها الافراط في تناول الكحول والمخدرات حتى الانتحار. وتتوقع منظمة الصحة العالمية ان يشهد المستقبل تفاقما دراماتيكيا مفجعا للمشاكل العقلية والنفسية لازمة القرن 21 كالقلق والاكتئاب، وهذه النسبة هي اعلى عند النساء وبأن معظم هؤلاء لا يلجأون الى علاج: يقول: ان الاضطرابات العقلية والنفسية خاصة الاكتئاب مرتبطة بأكثر من 90 في المئة من مجمل اسباب الانتحار، لكن الانتحار ينتج عن عدة عوامل اجتماعية وثقافية معقدة، واحتمال حدوثه يزداد خاصة خلال فترات التأزم الاجتماعية ـ الاقتصادية العائلية والشخصية: وقد اثبتت الدراسات ان الاضطرابات العقلية والنفسية اصبحت اكثر شيوعا وتبدأ غالبا في عمر المراهقة، وتصيب العديد من الاشخاص وتلازمهم لبقية حياتهم. ان حوالي نصف عدد المصابين لايطلبون المساعدة ومعظمهم غير معالج على الاطلاق وغالبا ما يكون العلاج غير مناسب على الرغم من وجود علاجات فعالة. ـ عند اية نقطة تقف وزارة الصحة من كل ذلك؟ ـ يجيب الدكتور الحاج انه تقديرا منه لاهمية ذلك الموضوع: انشأت الوزارة دائرة تعنى بالامراض العقلية والنفسية، وتعمل على دمج الصحة العقلية ضمن خدمات الرعاية الصحية الاولية، ونظرا لقلة عدد الاختصاصيين في هذا المجال تقوم بحملات لتوعية الجسم الطبي من اهمية هذا الموضوع وعلى تدريب الاطباء العاملين على تشخيص هذه الحالات ومتابعتها. وتدعم الوزارة المراكز التي استحدثت بالتعاون مع الحكومة الفرنسية، ومنها مركز الكرنتينا والنبطية، والتي تعنى بالاطفال المصابين باضطرابات نفسية ناتجة من الحروب، ومن اعمال العنف بشكل عام. بيروت ـ شاكر وهبي: