واخيراً اصبح حلم انشاء اول مكتبة عامة في بيروت مقروءاً. لكن الدلالة الاساسية فيه، ليست بالمكتبة بحد ذاتها، والتي ولدت بالتعاون بين بلدية بيروت، و«جمعية اصدقاء الكتاب والمكتبات» (السبيل)، وبعض الجهات الثقافية الفرنسية بالذات، بل كونها كشفت ان العاصمة كانت بلا مكتبة عامة، رغم كل الطنين الثقافي والرنين الاعلامي اللذين تحيط نفسها بهما «كلما دقّ الكوز بالجرة». لكن نائبة رئيس الجمعية نوال طرابلسي تدرك واقعية الامور، فتتساءل: «لقد وصلنا الى المكتبة العامة متأخرين لكن الا يبقى افضل من ان لا نصل ابداً. يبقى هذا المنطق مقنعاً على الاقل من باب الضرورة والتشجيع، خاصة وان المكتبة قد انشئت في مبنى قرب وسط بيروت التجاري المزدحم، ووسط محيط يضم 23 مدرسة رسمية وخاصة (حتى الان). ولعل التواضع عنصر اساسي في ذلك الباب. ويتوقع القيمون ان تؤدي المكتبة الجديدة (واليتيمة كمكتبة عامة) ادواراً حيوية وانعاشية في تقريب الجميع من الكتاب. لذا، من الظلم ان نقيسها في بيروت كما في باريس التي تضم وحدها 69 مكتبة عامة، او ان نقارن عدد كتبها بمحتويات «المكتبة الوطنية للولايات المتحدة الامريكية» التي تعتبر احدى اضخم المكتبات في العالم، والاكثر تطوراً، وتحتوي على حوالي 28 مليون كتاب، عدا عن المخطوطات والخرائط، والافلام، والصحف والمايكروفيلم، وغير ذلك الكثير. الحلم المولود ولدت المكتبة العامة بالتعاون بين البلدية والجمعية. وبدأت الفكرة، كما تقول العضوة الناشطة في بلدية بيروت رولا العجوز: «خلال لقاء في ايل دو فرانس»، كان يبحث عملية توأمة بين مدن فرنسية ولبنانية. لكن اثناء دراسة مشروع تطوير الحدائق العامة، وانشاء اكشاك للقراءة فيها، انطلقت فكرة انشاء مكتبة عامة في بيروت. وقد شجعها الجانب الفرنسي بارسال شحنة اولى كانت عبارة عن اربعة آلاف كتاب من ضمن 15 الف كتاب سيتم ارسالها تباعاً. المشكلة الاولى التي واجهت تنفيذ الفكرة، حسب العجوز، كانت ايجاد المكان، فبادرت البلدية الى تقديمه في مبنى في الباشورة قرب مركز الاطفائية، وهو بمساحة 300 متر مربع، واصبح يضم الان حوالي عشرة آلاف كتاب بلغات متعددة: العربية، الفرنسية، والانجليزية، والارمنية. وسيتم تزويدها قريباً بكتب سريلانكية، باعتبار ان قسماً كبيراً من خدم المنازل وخادماتها يجيدون القراءة، وقد يجدون في المكتبة متنفساً للاستفادة من ايام استراحتهم الاسبوعية. عن اهمية المكتبة تقول العجوز موضحة: «بيروت لا تملك مكاناً يسمح للتلامذة او حتى للراشدين بالتمتّع بالقراءة واستعارة الكتب او القيام بالابحاث الضرورية للدراسة.. فالمنهجية الجديدة في المدارس تحتّم على الطلاب من الصفوف المتوسطة وحتى البكالوريا القيام بالابحاث والدراسات لفهم وانجاز المطلوب منهم، ولكن اين هو الحل؟ فافتتاح المكتبة يستجيب اولاً لحاجة ماسّة ويغطي النقص الحاصل في المدارس والمراكز الثقافية ثم ان اختيار الكتب للمكتبة العامة، تمّ بطريقة دقيقة جداً اعتماداً على نوعيتها بحيث نجد كتباً قيّمة جداً ومراجع لكافة الحضارات تحترم حرية اختيار الراغبين والدارسين، وفي الوقت عينه تراها تتوجّه الى برامج الدراسة في المدارس، ويمكن اعارتها. مكان اقامة هذه المكتبة في منطقة الباشورة، في بيروت، قد اختير بذكاء، بحيث يتوسط 23 مدرسة رسمية وخاصة، ليعطيها دوراً تثقيفياً رائداً، ولكن ضرورتها لا تتوقف على حاجة المدارس فقط، بل تتعدى هذا الدور التثقيفي في المجتمع، فالقراءة حاجة لتكوين شخصيتنا ونضوج افكارنا وتطوير المعرفة والمعلومات القيّمة.. العنصر الضروري الذي لا يمكن تجاهله في عصر التكنولوجيا هو المتغيّرات المتسارعة في طبيعة حياتنا المهنية وبروز الحاجة الى المعلومات، والكتاب هو العنصر الاهم الذي نستقي منه تلك المعلومات. اما الدراسات الاكاديمية التقليدية فبدأت تتحول نحو التحصيل الشخصي بواسطة القراءة والابحاث على شبكة الانترنت. بلاد عدّة استثمرت الاموال الطائلة في مكتباتها، مثل مكتبة الاسكندرية التي احرقت عدّة مرات وتحتوي الان على اكبر كنز من الكتب القديمة، ومكتبة الكونجرس، المكتبة الوطنية للولايات المتحدة الامريكية والتي تعتبر احدى اضخم المكتبات في العالم والاكثر تطوراً، وتحتوي على نحو 28 مليون كتاب، عدا عن المخطوطات، الخرائط، الافلام، الصحف، المايكروفيلم وغيرها. هذه الاستثمارات الكبيرة كانت بعيدة عن لبنان، وعادة القراءة لم تزرع في عقلية اللبناني، ويعود السبب الاول الى الحرب الاهلية حيث كان من الصعوبة شراء واقتناء الكتب، الامر الذي ينطبق على ايامنا هذه ايضاً فضلاً عن ان غالبية افراد المجتمع الحالي لم ينشأوا على تقدير قيمة الكتاب. فانقلبت المفاهيم واصبحت القراءة واجباً عوضاً ان تكون متعة وحاجة تنمو معها القدرات العقلية. الملاحظ تأثير المكتبة العامة على الاطفال والراشدين معاً، فاستقطبت اهتمام الاهالي في تلك المنطقة (الباشورة) فزاروها قبل الافتتاح واستعاض الاطفال عن لقاءاتهم في مراكز التسلية وتحوّلوا الى المكتبة، كما تطوعت النسوة لتجليد الكتب بحماس وفرح. ورشة عمل لذلك، وكما تقول طرابلسي من جهتها، فإن ثمة صعوبات كثيرة اعترضت انشاء المكتبة، لكن من دون ان تتعثر الجهود او تتوقف منذ «البصمة الفرنسية» التي اطلقتها بخمسة آلاف كتاب. تقول طرابلسي عن ذلك، وبالتالي عن دور جمعية «السبيل» سواء على الصعيد المكتبي او ما يترافق معه: انشئت السبيل منذ ثلاث سنوات تقريباً ولم تحصل على العلم والخبر، الا في يناير من العام المنصرم 1999. وهي مشكلة من مجموعة تأسيسية من ثلاثة عشر عضواً يجمعهم هدف انشاء مكتبات عامة في لبنان وايجاد شبكة تجمع المكتبات العامة في لبنان. ومنذ انشائها سعت «السبيل» لانشاء مكتبة عامة في لبنان وحضرت لذلك في الكثير من الانشطة المتعلقة بالكتاب، وبدأت بتجميع الكتب والبحث عن مقر. وقد صدّقت الوعود فحددت موعداً لافتتاح اول مكتبة في العام 1997 وفشلت في تحقيق ذلك. وبعد حصولها على العلم والخبر استجابت بلدية بيروت لطلبها وقدمت الطابق الثالث في مبنى يقع قرب فوج الاطفاء في منطقة الباشورة وهي في مرحلة توقيع الاتفاقية مع البلدية. وتسعى «السبيل» التي يعمل افرادها تطوعاً الى تأمين كل احتياجات المقر والمحتوى. وقد حصلت على وعد بتغطية كل الترميم من مالك ال«بيروت هول» محمود جريدي اي على تسوية الارض.. لكن المكتبة، وحسب تصميمها، تحتاج لأكثر من ذلك، اي انها تضم غرفتين زجاجيتين، واحدة للمسئولين عن المكتبة واخرى للمكتبيين، وبحاجة كذلك الى تمديدات الكهرباء والاضاءة والحمامات. وهذه اعمال ما زالت كلفتها غير مؤمنة. من جهة اخرى وعدت وزارة الثقافة والتعليم العالي، الذي تأخر اهتمامها بالمشروع حسب «السبيل»، بتجهيز المكتبة برفوف وطاولات وكراسي بمبلغ خمسة عشر الفاً، بالرغم من ان الكلفة الفعلية تفوق ذلك بكثير حسب دراسة مشتركة لـ «السبيل» والبعثة الثقافية الفرنسية تقول طرابلسي، «نحن مستعدون لوضع رفوف تنك وطلائها لجعل المبلغ كافياً بحيث يمكننا شراء ايضاً برنامج للمكتبة لا تقل كلفته عن خمسة آلاف دولار بالاضافة الى شراء كمبيوتر، اذ لا يمكن البدء بالعمل في هذه المكتبة يدوياً علينا اعتماد المكننة مهما كان الثمن. الكلفة والتجهيزات وكانت «السبيل» قد جمعت بعض المبالغ من خلال بعض الانشطة والعروض. كما وضع الفنان التشكيلي محمد الرواس لوحة اسماها بـ «المكتبة» تقتسم الجمعية ربحها مناصفة مع الرواس. اما عن تجهيز المكتبة بالمحتويات فقد قام الفرنسيون من خلال اكثر من قناة بالجزء الاكبر، وتروي طرابلسي ان البعثة الثقافية الفرنسية تعرفت الى السبيل قبل الحصول على العلم والخبر واطلعوا على مشروعها ونظرتها للمكتبة العامة. ففتحوا لها في السنة اعتماداً في كل المكتبات بمبلغ يقارب العشرة آلاف دولار. وهذا العام قدم الفرنسيون من دون ان يطلب منهم ذلك، عشرين الف فرنك كما تقول طرابلسي. من ناحية ثانية وبفعل الاتفاقية مع بلدية بيروت، وباريس تبرعت هذه الاخيرة بخمسة عشر الف كتاب، وصل الجمعية منهم 2800 كتاب لغاية الان ويستكمل العدد مع انجاز المكتبة. وبذلك فقد اشترت الجمعية بنحو ثلاثة عشر الف دولار كتباً فرنسية بالاضافة الى ما قدمه الافراد. وقد وصل مجموع الكتب الفرنسية الى عشرين الف كتاب. وتعاني الجمعية حالياً من مشكلة «تخزين» ما جمعت بانتظار التفريغ في المكتبة الموعودة. ولذلك اوقفت حالياً شراء المزيد خاصة الكتاب الفرنسي الذي ثبت سهولة توافره خاصة في ظل علاقة «السبيل» الجيدة بالفرنسيين سيما وان الفرنسيين ماضين في تعزيز الفرنكفونية، وهذا ما يجعل توافر الكتاب الانجليزي اقل سهولة ولا يدفع اصحاب مشجعي الانجلوفونية الى الاغداق في تقديماتهم لعدم حاجتهم لذلك. بيروت ـ شاكر وهبي: