التعليم ـ ولا أسميه مهنة لئلا أمتهنه ـ أشق الأعمال الفكرية وأدقها. أما مشقّته فتأتي مما يتجشّمه المعلم من صعاب، وهو يحاول ان ينزل الى المتعلم ليرفعه اليه. وأما دقته فتنجم عن صعوبة الوصول الى عقول الناشئة الفضة، واحتمال الصواب والخطأ في تقدير الجرعة التي يضعها في أفواههم، وفي طريقة تقديمها، وفي قدرة المعلم على أن يحقق اكبر الغايات بأيسر الوسائل. ويجمع المربّون من مدرسين وموجّهين على أن الغاية الاولى من التعليم هي الإفهام، ولا سبيل الى إفهام الأغرار الاّ بتقريب البعيد، وتوضيح الغامض، وتيسير العسير. ولتحقيق هذا الغرض النبيل الصعب لم تعهد به الوزارات الى المعلمين وحدهم، بل عهدت به اليهم والى الموجهين وخبراء التربية ليتحاور هؤلاء وأولئك ويتشاوروا، ثم ليُفضي بهم التحاور والتشاور الى الكشف عن أنجع السبل في إنجاز عملهم الشريف الذي ندبوا انفسهم له. ونعتنا التعليم بالشرف لا ينفي الشرف عن الأعمال الاخرى، بل يضعها دونه. ان كل عمل شريف، لكن اشرف الاعمال التربية والتعليم لصلتهما ببناء العقل والخلق، وحرصهما على صقل الملكات، وتفجير الذكاء، وتجنيده في خدمة الانسان وتطوير الحياة، وتقويم السلوك، وتوجيه الأطفال الى الفضائل والمثل العليا. ولا يستطيع معلم مهما يؤت من العلم، ولا موجه مهما يعظم حظه من الحكمة ان يدعيا اكتشاف الطريقة المثلى في التربية والتعليم. فما اكثر النظريات والطرائق التي ادّعى واضعوها انها أقدر من سواها، ثم أخفقت، وأعرض عنها المربون، وآثروا عليها غيرها، فإذا الراجح مرجوح، والفاضل مفضول، ثم عدل عنهما جميعاً الى سواهما. ولعل أسوأ ما في النظريات وضعها في أرض، وتطبيقها في أخرى، او ظهورها في أمة، ونقلها كما ظهرت الى أمة ثانية، وانبثاقها من حضارة لها سماتها وأصولها، ثم مطالبة الأمم والحضارات الأخرى بتمثّلها وتقبّلها، وتحويلها من تصور متوهم الى مبدأ ملتزم، ومن ثوب لين الحرير، يمكن قده على قدّ الجسم بالتقصير والتطويل الى درع صلبة من حديد، يراد الجسم على ارتدائها بالضغط والمطّ، والتقليص والتنقيص. وفي ذلك ما فيه من إكراه يكرهه المعلم والمتعلم. ومن النمط المتكلف تطبيق النظريات الحديثة على تفسير الشعر العمودي. فقد دأب فريق من الموجهين على نصح المدرسين بتدريس الشعر على نحو يشبه نقد المقالة، والقصيدة لا يمكن ان تعد مقالة منظومة، تناقش افكارها بعد توزيعها الى فقرات، او بالاجابة عن أسئلة عامة تلامس افكار النص، وتصافح غرضه العام، ولا تكشف عن حقائقه ودقائقه، وتكتفي بأن تداعب عناصره الفنية بلا تحليل ولا تعليل، فتجتزيء ببراعة التصوير، ونصاعة التعبير، وحرارة الانفعال، وتتجنب التمرس بالبناء الفكري للبيت تجنباً متعمداً لتجنب الطلاب صعوبة التمرس بالغوص على المعاني، وتحذرهم من شرح القصيدة منجمة اي: بيتاً بيتاً. وأهم غايات هذه النظريات الوصول بالطلاب الى فهم النص فهما كلياً، يحيط بعناصره الفنية والفكرية احاطة متكاملة، لا تفصل المعنى عن المبنى، ولا الفكرة عن الصورة، ولا تميز ما يمتع الحس مما يقنع العقل. فإذا عرضت بعد تطبيق هذه النظرية ما وعى الطلاب على محك التقويم ثبت لك انه فهم غائم، تكنفه غلالة من ضباب تغشى بصائر الطلاب، وتحوطها بشكوك الحدس والتخمين، وتحرمها الثقة بقدرتها على الاكتشاف، وتشكك في معرفة المدرسين وقدرتهم على الكشف. ومتى فقد المتلقي الثقة بنفسه، وبمن يتلقى منه، انقطع التواصل العقلي الذي لابد من استمراره لاستمرار التعلم. وللمتعلقين بهذه الطريقة حجج، منها الترفق بالناشئة، واعتقادهم ان تلاميذ هذا الجيل صنف مدلل من البشر، نشأته التربية الحديثة على اللين والدعة، وحملته على إيثار الراحة، لهذا غدا يقدم السطحية على التعمق، والإلمام السريع بالموضوع على تحليله وتعليله، والطواف العجلان بالأفكار العامة على التأمل والتدبر. ومن حججهم ايضا ان التربية الحديثة تميل عن الجزئي الى الكلي، وتفضل الاحاطة السريعة بالهيكل العام على النظرات العميقة الى الأجزاء. ولذلك رأوا أن يرقوا بالتلاميذ الى آفاق عالية، يطلون منها على القصيدة، وبغضوا اليهم النظر من مكان قريب خوفاً عليهم من بلاء الاكتفاء بالأجزاء، ومن إغفال الاحتفال بالكمال. وفي حججهم ـ ما ذكرنا منها وما لم نذكر ـ من الخطأ مثل ما فيها من الصواب، فهي ـ وان كانت توسّع مدى النظر ـ تضعف وضوح المنظور، فيعجز الناظر عن رؤية البنية الدقيقة لكل بيت، وعن تحليل هذه البنية المركبة، وردها الى جمل بسيطة مفيدة. وهذا التحليل لابد من اجرائه في كل بيت على حدة مفصولاً عما قبله وعما بعده، لان هذه المرحلة من الادراك الجزئي تصقل ملكة الطالب، وتضع في يده مفاتيح التعبير الصحيح. فينقل من الورق الى الدماغ افكاراً مقسمة منظمة، تتسق وتعتنق في خلايا المخ، كما تتراصف الحجارة في سور القلعة الراسخة الشامخة. فان طلب اليه ان ينشيء موضوعاً وجد مواد البناء جاهزة ناجزة، فأعاد نقلها من الدماغ الى الورق، فإذا هي صرح اخر، حجارته مستمدة من الأفكار والألفاظ القديمة المختزنة، وحجارته مصممة وفق الخطة الجديدة المتصورة. وربما كانت هذه الطريقة النزاعة الى الفهم الكلي الزاهدة في التحليل والتركيب مجدية في درس الشعر الغربي، لكنها غير مجدية في درس الشعر العربي وتفسيره لاختلاف النمطين في الأسلوب. فأكثر الشعر الغربي فقرات لا أبيات، ولكل فقرة فكرة تتموّج اجزاؤها المتداخلة من بداية الفقرة الى نهايتها. وأكثر الشعر العربي قصائد بنيت من أبيات بعضها فوق بعض كطبقات ناطحات السحاب، وكل طبقة منها بيت مستقل بقافيته ورويه، أي هو دار كاملة، حجراتها هي الجمل المفيدة، فمن لم يدرك توزيع الحجرات ليعرف مداخلها ومخارجها توهم ان الدار متاهة، صنعت متداخلة لتضييعه، فيزل ويضل، ويعثر ويكبو، وهو يقتحم مساكنها. وانصافاً للحق علينا ان نأخذ انفسنا بما أخذنا به غيرنا، فنقول: في الشعر العربي الحديث «شعر التفعيلة» نمط من النظم يزهد في وحدة البيت، ويؤثر عليها وحدة المقطعة. وهذا النمط تصلح لتفسيره الطريقة التي يأباها الشعر العمودي. فإذا تخيرنا للتلاميذ نصوصاً منه فلابد من ان نختار لافهامها طريقة تلائمها، وهي الطريقة التي انتقدناها، وسبب الاختيار الصعوبة البالغة في تقسيم المعاني على الأبيات في شعر التفعيلة. وكيف يتأتى للدارس هذا التقسيم وليس في شعر التفعيلة أبيات. وانما فيه أسطر متداخلة المعاني متكاملة المباني. فإذا قرأت قول كاظم جواد في صفة مدينة لندن الفقرة التالية: سأقول انك توقدين مصباح عارك من دم الموتى وجوع الآخرين مهلا، وإنك تشربين مائي وبترولي، وإنك تبصقين آلاف آلاف الرجال، وتقتلين الطيبين أقول اذا قرأت الفقرة السابقة وجدت ان الشاعر يختم السطر بالقافية قبل ان يتم المعنى، ففعل الايقاد في السطر الاول والمفعول الذي يقع عليه الفعل وهو المصباح في السطر الثاني. وفعل الشرب في الثالث، والمشروب في الرابع. ولهذا لم يكن بد من الاعتماد على الطريقة الكلية في فهم النص وفي افهامه. وإذا قرأت ما قال سميح القاسم في أطفال رفح: للذي تسحق دباباته ورد الحديقة للذي يحرق بستاناً ومتحف ويغني للحريفة يعلن الليلة اطفال رفح: نحن لم نبصق على وجه قتيله بعد أن ننزع اسنان الذهب اقول اذا قرأت الفقرة السابقة، وجدت فيها من التداخل والتكامل، ومن التناغم والتلاؤم ما وجدت في الفقرة التي سبقتها، وحينئذ لا تستطيع مهما يدفعك التعصب للشعر العمودي والتعلق بالطريقة التي ألفتها في تفسيره ان تنكر عقم هذه الطريقة، وقصورها عن تفسير الشعر الحديث. وستجد نفسك مضطراً الى جعل القصيدة اقصوصة، او مشهداً مسرحياً تحاور بأسطاره طلابك حتى تبث الحياة فيه وفيهم، وتخرجهم من الملل الذي يجره عليهم تقسيم النص الى أبيات على نحو متكلف. وهكذا ثبت لدينا أن لكل ضرب من الشعر ضرباً من الشرح، وأنه لما كانت غاية التعليم الافهام فان علينا ان نكون على تحقيق الغاية احرص منا على تقديس الوسيلة، لان وسائل التعليم في تطور مستمر، وتغير يوازي تغير الحياة. والمعلم البارع هو الذي يتخير انجع الوسائل، فيستعملها في توضيح النصوص وتفسيرها، ويأخذ بأيدي الطلاب اخذا لينا رفيقا، ويسير بهم على اللاحب الجدد، فيضع اقدامهم الصغيرة على طرق واضحة، تنهمر عليها شمس العقل من كل جانب «أفمن يمشي مكبّا على وجهه أهدى أم من يمشي سوياً على صراط مستقيم». وأغرب ما في المشكلة التي بسطنا جوانبها ان الطالب الذي نتهمه بالضعف هو الذي يطالب معلمه بشرح الابيات بيتا بيتاً، لانه، على ضؤولة معرفته بأساليب التعليم، يحس انه هذا الشرح التقليدي يضع أمام خطواته صوى الطريق فلا يضل. واذا اتهمنا الطالب المطالب بهذه الطريقة فهل نستطيع ان نتهم شرّاح الشعر القديم؟ ألم يشرح الأقدمون المعلقات والدواوين على النحو الذي تنكره التربية الحديثة او تتنكر له؟ فعلام نقارن ما اختبرنا جدواه، ونلحق ما نجهل منتهاه؟ ولماذا نعرض عن اسلوب الاقدمين بعدما تبين انه الحق ونتعلق بأساليب يبهرج اخفاقها الباطل؟