يغمر الوالدين فرح كبير مع كل نجاح جديد يحققه الطفل المولود حديثا. هاهو الطفل يجلس اول مرة، يقف، يمسك بالملعقة، يلفظ اولى كلماته وكل حركة جديدة يتعلمها تدل على ان نموه يتابع مساره الصحيح. اما اكثر حاجة طبيعية مغروسة في الطفل فهي الحاجة الى الحركة. ولا يجوز بأي حال من الاحوال اعاقة تلبية حاجة الطفل الى الحركة. فحركات الطفل تنمي جهازه العضلي وجهاز التنفس لديه، وتحسن الدورة الدموية، وتساعد على تحقيق عمليات الاستقلاب . لكن الفائدة الاكبر للحركات تكمن في انعاش النشاط العصبي العالي وتقويته، وتساعد بذلك على النمو العقلي للراشد المنتظر. ومهما بدا الامر غريبا، الا ان الحركات بالذات هي التي تشكل الارادة والذاكرة والانفعالات، الحركات بالذات هي الاداة الاساسية لمعرفة العالم. ويجب على الوالدين ان يتنبها الى وجود حاجة اخرى مغروسة ايضا في الطفل هي الحاجة الى انطباعات جديدة، او حسب تعبير علماء الفيزيولوجيا، الجوع الحسي، فجميع حواس الطفل مهيأة لكي تتلقى باستمرار اشارات من العالم الخارجي المحيط بالطفل، لذلك ينتشر كثير من الخشخيشات متعددة الالوان مناسبة لهذا العمر. وتتضافر الحاجتان المذكورتان لتحقيق نمو الطفل الذي يفرح ملء قلبه حينما يلاعبه الوالدان، حينما يقذفانه الى الاعلى ثم يتلقفانه، وان ارضاء حاجة الطفل الى الحركة وحاجته الى انطباعات جديدة، او اشباع جوعه اليهما باستمرار يعني مساعدة الطفل على النمو. وتتشكل خبرة الطفل الرضيع حينما يخدش نفسه، حينما يجلس ويجذب قدمه الى فمه، حينما ينقلب الى الخلف ويبحث غاضبا عن السبب، حينما يشد شعره، انه يتبرم من الألم، لكنه يكتسب الخبرة. وحينما يراقب حركات يديه، ويضع قبضته في فمه ويمصها، ثم ينظر اليها، وحينما يتوقف عن الرضاعة ويقارن قدمه بثدي امه فانه يتعرف على العالم ويكتسب المعرفة. حينما ينجذب الطفل الى لعبة فانه يسعى الى معرفة العالم. يمد الصغير يده الى اللعبة، ويخطيء هدفه. ولا يجوز هنا مساعدته فورا بايصال اللعبة اليه ووضعها في يده. دعوه يصل اليها بنفسه قد يخطيء مرة ومرتين وثلاث مرات، لكن فرحته لن تكون لها حدود حينما يستطيع اخيرا القبض على اللعبة بنفسه، ولا يجوز حرمانه من هذه الفرحة، لان هذه هي البواكير الاولى للاستقلالية ذات الاهمية الكبرى في حياته القادمة. د. عمر ألتنجي