بقرار من مخرج العرض عبد الستار الخضري المعروف باسم «بابيون»، وكاتب النص د.محمود نسيم، وعدد من الممثلين على رأسهم : د. خليل مرسي«صفوت منصور» الفنان أحمد سلامة «ماجد» وأحمد مختار «إسماعيل» والفنانة سلوى محمد علي «بثينة» وصفاء الطوخي «نورا»، وعلى موسيقا الموسيقي الشاب هشام المليجي، وسينوغرافيا د. إبراهيم الفوي دخلنا «الغرفة»، دخلناها كالمنومين مغناطيسيا، ودون أي إرادة منا، رغم التشويش وتداخل الأصوات في صراخها الذي أنصتنا إليه قبل رفع الستارة، لم نع الحيلة التي بادرنا بها المثقف ماجد «أحمد سلامة» حين نظر إلينا في بداية العرض من كوة في جدار سجن، ثم حدق بنا للحظات، لعلها تلك التي نومنا من خلالها، ليقودنا بعد ذلك إلى غرفته، إلى حيث إسماعيل الصديق الخائن، وبثينة الزوجة اللعوب، وصفوت رجل السلطة، ونورا الفنانة التشكيلية. حين دخلنا الغرفة، اكتشفنا أن ماجد يعيش مع هؤلاء جميعا لياليه، يستجدي شخصياتهم لتحضر إليه كل ليلة، حيث يبدأ بينه وبينها الحوار ـ المحاكمة، ومن خلال ذلك الحوار، تتكشف لنا خيانة ماجد لنفسه، وخيانة إسماعيل والزوجة بثينة له، نستغرب كيف يحاكم ماجد هذه الشخصيات وهو متهم مثلها!! رغم أنه باح لنا بخيانته، وعدد الأسباب التي قادته إليها، حشرنا معه في زنزانته، فأكلت أطرافنا رطوبة جدرانها، وامتلكنا الخوف والفزع من الكائنات المسخ الغريبة، والأشباح التي كانت تدخل أو تخرج من شقوقها، زكمت أنوفنا رائحة الغائط، واختلط علينا طعم البول بطعم الماء، كما كان يحدث مع ماجد في مرات كثيرة، حيث ثمة دلو للماء، ودلو للبول، وكم مرة اختلط الاثنان. عبر لنا عما كان يعانيه من غثيان وألم حيث الحشرات والأصوات، والأشباح، وسيوف البرد التي تمضغ صموده، تمضغه كل ليله، حتى ابتلعت الكثير منه، وحين أتت عليه كله، جاءه الأمر الإنقاذ من صفوت «وقّع»، لقد بدا له توقيعه في لحظة الضعف تلك طوق نجاة، لكنه حين وقع ليلتجئ إليه، وجده قيدا أعنف وأكبر. قبل خروج ماجد من زنزانته، جرده صفوت النازل من عرشه السلطوي من سلاحه الأخير، حين أخبره عن خيانة صديقه وزوجته، ولكي تهيئنا السينوغرافيا لنتيجة كتلك، لعبت على وجه صفوت لعبة تماوج الضوء وتلوينه، فإذا بنا نجده أثناء نزوله ينزع الضوء عنه القناع تلو القناع، حتى يصل إلينا بوجه عار تماما، وجهه الحقيقي، ذلك الذي احترف لبس الأقنعة. إسماعيل الصديق الخائن، يلوم ماجد ، يسأله كيف جعل الخيانة مطيته للخروج، يعيد عليه ما حفظاه معا من دروس في الوطنية والقومية والحزبية، وماجد يرد له الصاع تلو الآخر، يفند أكاذيبه، ويرفض ادعاءاته القومية والوطنية، لتبرير خيانته، ولكي يؤكد ذلك يستحضر بثينة زوجته، يسألها كيف انهارت إلى ذلك الدرك، بعد أن جمعتها بماجد قصة حب ودرب، وهنا نجد الموسيقا تبرز لتقول من الجمل ما لم يقال، وتعبر عما لم يتمكن الصوت من التعبير عنه، لم تكن موسيقى تصويرية، وإنما مساحة أساسية استطاعت أن تكون جزءا من الحوار، ومن الإضاءة ، ومن لعبة الزمن الماضي، والحاضر، والمفتوح. ومثلما كادت مبررات خيانة ماجد لتوقيعه على الاعتراف برفاق دربه، أن تجعلنا نقتنع بحجته ونغفر له، كادت الأسباب التي ساقتها بثينة لتبرير خيانتها أن تقنعنا وتجعلنا نغفر لها أيضا، فلم يعد الزوج بالنسبة لها سوى طيف من الغبار، أو طلقة فزع فارغة هكذا تراه زوجته بثينة، وهكذا تراه الفنانة التشكيلية نورا التي عهد إليها رسم حياة ماجد وتجربته، وحياة أصدقائه وتجاربهم، لتؤطر كل ذلك في لوحة، تحمل كل الرموز، وكل خفايا الجشع الروحي الذي عانت منه الشخصيات جميعها، الفنانة التشكيلية في مساحة لا يغيب عنها الضوء، تقود الشخصيات، لتصبح هي المحور الأهم في حياتهم، تعيد تشكيل الأحداث، والمعطيات، والرموز، لكنها لا تنجح أبدا في رسم الأمور كما هي في طبيعتها وواقعيتها ووحشيتها، وهنا يظهر ذلك البون الشاسع بين الصورة وحقيقتها من جهة، وبين كون الواقع ضاغطا ومأساويا، قياسا إلى الحلم من جهة أخرى، فهل توقع أحدنا أن يتعاطف يوما ما مع طاغية؟®. لقد استطاع صفوت منصور د.خليل مرسي من خلال شاعرية النص والمشهد، وإتقانه أنسنة دور الطاغية أن يجعلنا نشعر بإنسانيته، ونتعاطف معه، فهو يخبرنا بكل بساطة بأنه عندما تعرف إلى ماجد وإسماعيل وجد فيهما نواة لطموح مفتوح، لعمل ما، راقبهما فأحبهما، وشغف فيهما، أحب حماسة الشباب التي أضيف إليها وهج الحب من خلال التقاء بثينة بالصديقين ماجد وإسماعيل. وحين أريد لصفوت أن يمارس سلطته، اعتقل ماجد، عذبه وندد به، أراد أن يصل كطاغية إلى نشوة انتصاره على ماجد ومبادئه، رغم حبه واقتناعه بعدالتها، وبذلك كان لسقوط الأقنعة عن وجهه أثناء نزوله له ما يبرره، فالإنسانية قناع لبسه لزوم الظرف والمكان. في الغرفة، يستمد ماجد من استجدائه لذاكرته سبب بقائه، ويمارس اللعبة نفسها كل ليلة، يخلط الأزمنة والأمكنة والشخصيات، تساعده في إقناعنا الإضاءة، التي تخفت تدريجيا لتصل إلى التعتيم الكامل في إشارة للحظة عصية على التذكر، أو تتحول إلى حمراء لتنذرنا بخطورة الموقف، أو تسطع بلون برتقالي وكأنه لا خفايا بقيت هناك. حين أنهت شخصيات الغرفة سردها لقصتها، بين استرجاع للأحداث وإعادة لعب الأدوار بطريقة الفلاش باك بحيث تداخل ما هو إنساني اجتماعي بما هو وجودي، وحين أنهت المعالجة الدرامية لعبتها التي كشفت لنا من خلالها مختلجات النفس الإنسانية بكافة تحولاتها فقرا وبؤسا، يقينا وتشككا، خيانة وصلاحا، وجدنا الشخصيات ـ الذكرى تقرر الجمود، رغم استجداءات ماجد الذي يرى في غرفته تلك منفضة لذكرياته المطفأة والذي فوجئنا به بعد أن استعرض شخوص ذكرياته كلها، يعود لينظر إلينا من كوة السجن تلك، وكأننا به يدعونا مرة أخرى للدخول إلى غرفته، لكن حين أغلق دوننا نافذة سجنه، وعادت أصوات التشويش التي كانت في بداية العرض إلى صراخها، صرنا نتساءل: هل نحن الآن داخل الغرفة أم خارجها؟ ومن منا هو السجين حقا، نحن أم ماجد وشخصياته؟ لقد تركت لنا دراما النص بعد أن أضاءت دواخل شخصياته كلها وطرحت تشاكلها أمامنا، أن نقوم باستخلاص تقييمها، والحكم عليها سلبا أو إيجابا، خارج ما شاع من تصورها في الحدود العامة، ومن نمطية منظورنا إليها. بقي أن نقول إن مسرحية الغرفة أراد لها كاتبها د.محمود نسيم ، أن تحكي عن مثقفي السبعينات، وما تعرضوا له من قمع في تلك الفترة، إلا أنه فشل في تضييق فترتها، ولم يكن من السهل أن يحول دون استشفافنا عموميتها، وزمنها المفتوح، رغم أن المسرحية تطرقت، وضمن سياق العرض إلى رواية «المبتسرون» التي كتبتها أروى صالح، وهي مثقفة مصرية من ذلك الجيل انتحرت قبل سنوات بإلقاء نفسها من الدور العاشر احتجاجا. ولا نبالغ إذا احتسبنا «الغرفة» من أنجح العروض التي قدمت على مسرح المركز الثقافي الأردني الملكي، خلال المهرجان الأردني التاسع للمسرح في إطار دورته العربية الأولى. عمان ـ غادة الكاتب
