لو كنت تنظر الى السماء الصافية ليلة الثاني والعشرين من اغسطس الماضي لربما لمحت نقطة كبيرة من الضوء تتبعها نقطة اصغر بكثير، تسير بسرعة عبر السماء من الافق الغربي الى الافق الشرقي في غضون دقائق قلائل وهذه النقطة الكبيرة هي محطة الفضاء الدولية، التي تدور حول الارض مرة كل 90 دقيقة وهي ثالث اكثر الاجرام سطوعا في السماء المعتمة، بعد القمر والزهرة، تتبعها مركبة «بروجرس» الروسية المخصصة للشحن التي تجلب امدادات للطاقم الجديد على متن المحطة. وقد التحمت المركبة غير المأهولة «بروجرس 5» بقمرة الخدمة «زفيزدا» التابعة لمحطة الفضاء الدولية في الثالث والعشرين من اغسطس الماضي اي بعد مرور يومين على انطلاقها من قاعدة بايكونر في كازاخستان. في وقت لاحق من ذلك اليوم، قام قائد المحطة فرانك كولبيرتسون (امريكي) والربان فلاديمير ديزوروف (روسي) ومهندس الطيران ميخائيل تيورين (روسي) بفتح الابواب بين المركبتين وتفريغ حوالي 3000 رطل من الامدادات والاغراض الشخصية وبالنسبة للحملة رقم 3 وهي المجموعة الثالثة من رواد الفضاء والعلماء التي تمكث فترة على متن محطة الفضاء الدولية الفتية، فان هذه اللحظة كانت بمثابة لحظة نفسية مهمة فارسال هذه المؤن يعتبر مؤشرا لبداية فترة اقامة تتراوح بين اربعة اشهر الى خمسة اشهر، في مكان يعلو عن الارض مسافة 240 ميلا، وحيث لا وجود للجاذبية وليس هناك من مخرج سهل فيه. وقضاء بضعة اسابيع في الفضاء من شأنه ان يترك تأثيرا سلبيا على اجسام رواد الفضاء وعلمائه. ففي ظل انعدام الجاذبية يفقد الرواد والعلماء بسرعة النشاط العضلي، على الرغم من التدريب لمدة ساعتين في اليوم، باستخدام آلات للتدريب على متن المحطة وعلى الرغم من ان طعامهم تحسن كثيرا منذ مرحلة المكعبات والمساحيق القاتلة للشهية والمجففة بالتجميد التي كانت تستخدم في الرحلات الفضائية الاولى، الا انه لا يزال هذا الطعام يصبح رتيبا بعد بضعة اسابيع، وبعد قضاء يوم مجهد من العمل على التجارب العلمية والعمل المضني المتواصل في بناء المحطة، لا يستطيعون ان يريحوا اجسادهم المنهكة في سرير مريح، وانما عليهم ان يتعلموا النوم في كيس نوم طليق الحركة. وضمن هذا السياق الحافل بالتحديات البدنية، عليهم ان يكونوا لماحين في جميع الاوقات، وان يحتفظوا في ذاكرتهم بمعرفة يسهل الوصول اليها عن الاجهزة العديدة على متن المحطة مثل اجهزة الانعاش واجهزة التحكم بالحركة والاتصالات وان يكونوا مستعدين لاي وضع قد ينشأ من وجودهم في الخط الامامي لاكبر مشروع دولي في التاريخ البشري في زمن السلم. وهم عالقون مع رفيقين فقط طوال عدة اشهر ومع ذلك فان عليهم ان يبقوا اقوياء من الناحية النفسية. ففي اي وقت، قد تكون هناك حالة طارئة تستدعي منهم اخلاء المحطة على الفور في المركبة «سيوز» الواقفة على اهبة الاستعداد والمبادرة بالعودة الى الارض. وفي تلك الحالة، فانهم سيدخلون الغلاف الجوي للارض بعد يومين تقريبا بسرعة الوف عديدة من الاميال في الساعة، وان يقوموا بهبوط اضطراري في موقع غير محدد. وهذا كله يعني ان بقاء علماء ورواد الفضاء على قيد الحياة ونجاح هذا المشروع الاستثنائي يعتمد على تدريب طويل شاق، ومعقد يستمر قرابة السبعة اعوام، وعندما يتعلق الامر ببناء محطات الفضاء واعداد الاشخاص لفترات اقامة مطولة في ظل انعدام الجاذبية، فان الروس هم بلا منازع الاكثر معرفة والاعظم ريادة في مجال استكشاف الفضاء. وبالنسبة لهم، فان تطبيق العلم على الفضاء كان ميزة محددة ومصدرا للفخر الوطني والانجاز التاريخي منذ ان اعيد تشكيل بلادهم بفعل الثورة الروسية في عام 1918. وربما يكون الامريكيون قد هزموا الروس في الوصول الى القمر لاظهار تفوقهم التقني في مرحلة العداء التي سادت طوال الحرب الباردة، ولكن تصور مستقبل الانسان في الفضاء تم بشكل جدي لاول مرة في روسيا من قبل رجل يتصف ببعد النظر يدعى كونستانتين تسيولكوفسكي. ففي عام 1911، اعلن نبوءته الشهيرة التي تفيد ان الانسان لن يبقى للابد على الارض. ففي سعيه وراء الضوء والفضاء، سيقوم في البداية باستكشاف حدود الغلاف الجوي ثم يقوم بعد ذلك ببسط سيطرته على ارجاء النظام الشمسي. وكانت روسيا ايضا اول من اطلق قمرا صناعيا هو سبوتنيك 1 في الرابع من اكتوبر 1957 والاهم من ذلك هو اطلاق اول رجل الى الفضاء وهو يوري جاجارين في الثاني عشر من ابريل عام 1961، على متن السفينة الفضائية فوستوك. وعندما فشل الروس في محاولتهم انزال رجل على القمر قبل الامريكيين، حولوا خبرتهم الى محطات الفضاء، وفي الخامس عشر من مارس 1971، اعلن المصمم الرئيسي المجهول الهوية لبرنامج الفضاء السوفييتي الشيوعي امام وسائل الاعلام الروسية قائلا: يبدو لي من المناسب جدا ان تقوم في المستقبل القريب ببناء محطة فضاء مدارية بالقرب من الارض تستطيع العمل لفترة طويلة جدا، وبعد ذلك بشهر اي في التاسع عشر من ابريل 1971، تم اطلاق اول محطة فضائية في العالم وهي محطة ساليوت، وكرس الروس جهودهم منذ ذلك الحين لبناء وصيانة مراكز مدارية، بينما اضطرت وكالة الفضاء الامريكية «ناسا» وبعد هبوط المركبة ابولو على القمر، بفعل اوامر الرئيس نيكسون الذي لم يكن متحمسا للمشروع الفضائي، الى التخلي عن برنامج مكوك الفضاء. والآن، هناك انجاز رائد آخر يضاف الى السجل الروسي الحافل بالانجازات الفضائية الا وهو السياحة الفضائية الذي دشنته روسيا بارسال الملياردير الامريكي جوزيف تيتو الى محطة الفضاء الدولية مقابل مبلغ 20 مليون دولار. لقد اظهرت تلك الرحلة السياحية وجود خلافات في وجهات النظر بين وكالة الفضاء الروسية ووكالة ناسا الامريكية حيال الاستقلال التجاري للفضاء. فبالنسبة للروس، يعتبر الاستغلال التجاري للفضاء الخطوة المنطقية التالية في تحقيق رؤية تسيولكوفسكي لمستقبل يمتد فيه الوجود الانساني الى جميع انحاء المنظومة الشمسية، ومنذ الجلا سنوست (الانفتاح السياسي)، كان الاتحاد السوفييتي السابق يعاني من ضائقة مالية بفعل التغيرات السياسية والاجتماعية والبرنامج الفضائي، الذي كان يمول في يوم من الايام بشيك على بياض، يحتاج الآن حاجة ماسة لاموال القطاع الخاص من اجل الاستمرار. ولكن بالنسبة للكثير في «ناسا» فإن الاستغلال التجاري لبرنامج الفضاء ينظر اليه باعتباره شيئاً مشابهاً لبيع روح الوكالة المرموقة الى الشيطان. غير ان العداء والخصومة بين الولايات المتحدة وروسيا لم يعودا هما اللذان يفضيان الى تحقيق انجازات عظيمة في الفضاء، كما حدث خلال الحرب الباردة. فالتعاون، وليس المنافسة، هو الذي يغذي التطورات الحاصلة فيما وراء الغلاف الجوي للأرض. ضرار عمير