عندما زار عالم الاحياء الامريكي روبرت لوتون غابة مونتفيردي السحابية في كوستاريكا لاول مرة في السبعينيات من القرن الماضي، وقع في غرامها من اول نظرة كما يقولون ولا عجب في ذلك، حيث انها بقعة خصبة منمقة من الاحراج الاستوائية تنساب بين ثنايا سلسلة جبال تيلاران، وهي اقرب الى جدار اخضر يرتفع الى علو 1800 متر فوق الاراضي الساحلية المنخفضة في كوستاريكا. ويتعرف الطيارون على هذه الغابة الخلابة من خلال ستارة السحاب الدائمة التي تتخللها، وفي كل عام يمشي نحو 70 الف سائح بين جنبات هذه الغابات المطيرة حيث تصل درجة الرطوبة النسبية في كثير من الاحيان الى 100 بالمئة، ويدهشون لثراء حياتها البرية، من ضفدع الاشجار الياقوتي، الى طائر المطموط الاستوائي، ذي الرأس الازرق العجيب. في اغلب الاحوال يدوس السياح برفق على البيئات الاحيائية الرقيقة في الغابة السحابية، لكن الطبيعة التي يسعون اليها في تلك المرتفعات الخضراء تواجه تهديدا من على بعد. فالقائمون على اعمال التنمية والتطوير ومربو المواشي والمزارعون الصغار لايزالون منذ عقود يشقون طريقهم بقسوة الى اراضي كوستاريكا المنخفضة قرب السواحل. واليوم لم يسلم من الغابة المنخفضة سوى 1200 كيلومتر مربع اي حوالي 18% فقط من المساحة الاصلية. ولم يخطر يوما ببال احد ان قطع الاشجار عند مستوى سطح البحر سوف يؤثر على انماط الطقس على جبال تيلاران، التي تقع على بعد 30 كيلومترا باتجاه الريح. لكن للاسف فان هذا هو مايحدث الآن. وفي العدد الاخير من مجلة «ساينس» كتب لوتون وزملاؤه يقولون ان النتائج قد تكون كارثية على هذه الغابة المرتفعة بين الغيوم، وعلى الطبيعة الغنية التي تعيلها. قام العلماء بجمع المعلومات من صور الاقمار الصناعية والمشاهدات الميدانية ثم ادخلوا بياناتهم الى مخطط حاسوبي لتغير المناخ طورته جامعة كولورادو. وتبدو النتائج الاولية مقلقة حقا. فعندما تمر الرياح فوق الغابات الساحلية، التي اصبحت جرداء الآن، فانها تحمل معها كمية اقل من الرطوبة بالمقارنة مع ما كانت تحمله عندما كانت الغابات وافرة. وعندما يصل الهواء الاكثر حرارة وجفافا الى جبال تيلاران، عليه ان يرتقي الى ارتفاعات اعلى قبل ان ينتج ما يكفي من الرطوبة لتشكل السحاب. ومع ان منحدر الجبل لايزال اخضر، فان غطاء الغيوم الذي يمنحه الحياة في تقلص مستمر. من الصعب التنبؤ بدقة بمدى انعكاس هذه الحال على البيئات الاحيائية في محمية مونتفيردي، لكن الوضع الراهن ينذر بالخطر، فالغابة السحابية الكثيفة الرطبة تنظم درجات الحرارة وتساهم في تهاطل المطر في المناطق الاستوائية المحيطة. وجزؤها العلوي المورق يأوي مملكة من الحيوانات على حساب نباتات اخرى، والتي توجد هنا اكثر من اي مكان آخر على وجه الارض. ويبدي العلماء قلقا خاصا حول مصير العديد من اصناف طيور الغابات السحابية، مثل طائر الكتزل المتألق والطائر الناقوس وقد فهرس علماء النبات ايضا 474 نوعا من النباتات السحابية. ظن علماء البيئة في باديء الامر ان ثمة نقصا ما في اواخر السبعينيات، عندما رصدوا تغيرا في عادات الحياة البرية في مونتفيردي، فمع انحسار الغيوم اجبرت الطيور على التحليق لارتفاعات اعلى على المنحدرات الجبلية، واشتبه العلماء في ان بعض انواع الزواحف فرت من مواطنها البيئية القديمة برمتها، مما ادى الى انهيار عام في اعداد الزواحف. وتم الاعلان عن انقراض ضفدع الطين الذهبي الذي لا يوجد سوى في هذا المكان بالعالم، ويقول لوتون: اذا فقد العالم غابة سحابية، فانه يفقد معها فصيلة كاملة من الاصناف الاحيائية، التي ربما يكون بعضها فريدا ولا يوجد الا في هذه الغابة. لكن لوتون يؤكد ان الوقت لايزال سانحا لتعويض الغيوم المفقودة مشيرا الى ان تباطؤ التصحر على طول الساحل واعادة زرع المناطق الجرداء بأشجار الفاكهة يمكن ان يساعدا في استعادة الرطوبة الى الهواء، وسيستغرق الامر سنوات من العمل قبل ان يعرف العلماء مدى خطورة الضرر الذي لحق بغابة مونتفيردي لكن حتى ذلك الحين، ربما تكون عدة اصناف احيائية اخرى قد اختفت عن الوجود. علي محمد


